السبت , سبتمبر 19 2020
أخبار عاجلة

الجزيرة الحمراء.. روائع الحجارة المرجانية

تم تشييدها في رأس الخيمة منذ 200 عام
أحمد الطنيجي: تروي حكاية قديمة وتحافظ على وجودها للأجيال
كريستيان فلدة: أعمال الترميم ستبقي على خطوط الهندسة الأولى

الجزيرة الحمراء التي يعود تاريخ تشييدها في إمارة رأس الخيمة إلى أكثر من 200 عام، هي أقدم قرية أصلية قائمة في الدولة حتى اليوم بعدما هجرها سكانها في ستينيات القرن الماضي باتجاه الحداثة، وتعد واحدة من أفضل المناطق لدراسة الهندسة المعمارية للقرى التراثية المبنية من إعجاز الحجارة المرجانية التي استخدمت على طول ساحل الخليج العربي. وتشكل مبانيها الصامدة المتجذرة في إطلاله على الماضي، مثالاً حياً على العراقة، إذ تجمع بين أطلالها جماليات العمارة التقليدية، ما يجعلها بوصلة جذب تؤرخ بين أفنائها حقائق عن البناء الأول.
وتروي ملامح الجزيرة الحمراء التي تشهد عمليات ترميم حثيثة قصصاً متباينة من تاريخ الموقع العريق الشاهد على آثار مدفونة لمجموعة من القلاع والحصون والأبراج.

وتتألف آثارها المكتشفة من مجموعة مبان تراثية، بينها مساجد ومحال تجارية وسوق صغير ومدرستان وقلعة دفاعية. فيما أعمال البحث والتنقيب مستمرة لتكوين تصوّر افتراضي لما كانت عليه، مع الاستعانة بواقع الأقنية التي تدل على طبيعة الحياة الاجتماعية التي كانت سائدة في ذلك الزمن، حيث عاش سكانها على الصيد وتجارة اللؤلؤ، ولا يزال أكثر من 100 منزل موجوداً فيها بوضعه الأصلي نسبياً، كما تكشف البيوت المبنية من الحجارة المرجانية عن مفردات جمالية على طول الجدران وعند الشرفات، وتعطي المدينة القديمة من الجزيرة نظرة ساحرة على تفاصيل تقطيع الأحياء قديماً كما يندر مشاهدته في مناطق أخرى من الدولة.

قرية مجتمعية
وتحدث أحمد عبيد الطنيجي مدير عام دائرة الآثار والمتاحف برأس الخيمة عن أهمية الجزيرة الحمراء التي تروي حكاية القرية المجتمعية قديماً، مع الحفاظ على وجودها لأجيال المستقبل، وأورد أن ترميم المنطقة له دلالات تاريخية كبيرة ليس فقط بالنسبة للإمارة، بل لمنطقة الخليج العربي ككل، مشيراً إلى أن الدائرة بدأت أعمالاً واسعة النطاق لإعادة تأهيل الجزيرة وإعادة أمجادها الماضية، انطلاقاً من الحصن الذي يستضيف مهرجان رأس الخيمة للفنون البصرية.
وذكر الطنيجي أن المشروع الجاري يسعى إلى فتح القرية أمام السياح، وتزويدها بلوحات معلوماتية باللغتين العربية والإنجليزية، بحيث تم وضع عدد منها في منطقة القلعة المتاحة للجمهور، والتي تقدم تفاصيل عن تاريخ العمارة التقليدية، والمواد المستخدمة في المباني.

الهندسة الأولى
وذكر كريستيان فلده، باحث الآثار الرئيس في الدائرة، أن الجزيرة الحمراء موقع متفرد، وأن أعمال الترميم الجارية ستبقي على تفاصيل خطوط الهندسة الأولى.
وقال: إن الجزيرة هي البلدة الأخيرة للغوص بحثاً عن اللؤلؤ والملاحة البحرية في هذا الجانب من الخليج، والمكان الوحيد الذي حافظ على نمط الحياة قديماً وطريقة البناء التقليدية في عصر ما قبل النفط والحداثة، ومن المرجح أنها قد استوطنت من قبل قبيلة الزعاب منذ القرن السابع عشر.

أنماط المباني
وتستعرض الجزيرة الحمراء صورة واضحة عن الحياة قديماً والتي لا تزال راسخة حتى اليوم، ما يؤكد تفردها في مختلف إمارات الدولة. وتحتوي الجزيرة على عناصر المدينة التراثية كافة، بما فيها مجموعة متنوعة من أنماط المباني، بدءاً من البيوت البسيطة وحتى المنازل المنمقة ذات الأفنية، وبالاطلاع على فنون الهندسة المعمارية التي تمتاز بها الجزيرة الحمراء، لا بد من التعرف إلى حقائق دقيقة عن منشآتها الأثرية.

حصن وبرجان
حصن الأغراض الدفاعية، الذي تداعت أجزاء منه بفعل مرور الزمن، يضم برجين متفردين على الجانبين المتقابلين، كلاهما لا يزال قائماً ويمكن رؤيتهما حتى اليوم، أحدهما دائري الشكل والآخر مستطيل ويمكن الدخول إليه بسهولة، حيث يتيح إطلاله فسيحة على المدينة، ويقدم شهادة حية على الشكل الدفاعي السابق للحصن.

أبراج الرياح
منازل أبراج الرياح، تقع بالقرب من الشاطئ البحري السابق، وهي عبارة عن مجمع مثير للإعجاب يضم مجموعة مبان تحتوي على أبراج للرياح تتجمع حول أحد الأقنية وقد سكنتها عائلات ميسورة، وبحجم جماليات تصاميم العمارة المتفردة فيه، اعتمد المجمع قبل سنوات مكاناً لإنتاج الدراما التاريخية.

مئذنة مخروطية
مسجد بمئذنة خاصة، يقع بالقرب من منطقة السوق والشاطئ سابقاً لهدف هندسي يمكّن من وصول النسيم البارد القادم نحوه من البحر. والمئذنة الدالة على تفرّد معماري تم بناؤها بشكل مخروطي فائق الإبداع.
وتحظى مساجد الجزيرة بأهمية خاصة في المنطقة، وقد عُثر في إحدى الحفريات على موقع تم فيه بناء مسجد «الجامع الكبير» 7 مرات في الأرض نفسها على مدار قرنين، وذكر جزء عن مراحله في الوثائق البريطانية العائدة للقرن الثامن عشر.

زخارف وأقواس
والأكثر تألقاً في الجزيرة الحمراء منزل أحد تجار اللؤلؤ المعروف بـ «منزل آل عمران»، والذي يتميز بخطوط هندسية تجعله محط الأنظار. وتكمن معالم الإبهار فيه حول غرفة الاستقبال، «المجلس» في الطابق العلوي، والتي تم تزيينها بزخارف فخمة، حيث تعطي الشرفات المرتفعة مع الأقواس المصممة بشكل فني، فكرة عن عناصر الهندسة التقليدية في منطقة الخليج، وقد اختير تصميمها على جدران معينة لتكون أكثر من مجرد تفاصيل للبناء، وإنما لتلعب دوراً رئيساً في توفير التهوية. كما استخدمت كموجهات للرياح مع الشقوق المخفية في الأسفل، ما يسمح بدخول النسيم مع حجب أشعة الشمس والإبقاء على الحرارة خارج المنزل.

حجارة مرجانية
ومن أشهر مبانيها أحد أبراج المراقبة الأثرية الذي أنهت دائرة الآثار والمتاحف في رأس الخيمة أعمال ترميمه، ويقدر عمره بنحو 100 عام فيما يبلغ ارتفاعه 11.9 متر. والبرج الذي كان يشكل جزءاً رئيسياً من الوحدات الدفاعية للمنطقة، استخدمت في بنائه الدعامات الخشبية المأخوذة من أشجار المانجروف وسعف النخيل والحجارة المرجانية وحجارة الشاطئ، واستعان العمال على ترميمه عبر حقن خليط من المواد التقليدية في جدرانه، مثل الجير لتدعيم المبنى. ولم تدخل في أعمال الترميم أي مواد كيميائية أو حديثة، وذلك لمحاكاة طريقة البناء الأصلية والحفاظ على الهوية التاريخية للموقع.

مزار سياحي
الجزيرة التي تحشد اهتمام هواة التاريخ والآثار تم إدراجها ضمن المواقع الأثرية، وتشهد نقلة نوعية من خلال مشروع إعادة ترميمها وتأهيلها لتصبح مزاراً سياحياً وثقافياً.

أفلام هوليوود
جذبت الجزيرة بشوارعها الترابية اهتمام المخرجين العالميين لكونها نموذجاً استوحيت منه مواقع تصوير لأفلام هوليوود، بينها «آلة الحرب» لبراد بيت، و«6 أندرغراوند» لريان رينولدز. كما شهدت تصوير الفيلم الإماراتي «لعنة إبليس».

لماذا حمراء؟
الجزيرة الحمراء، وفقاً للأبحاث لم تكن داخل البحر كما يوحي اسمها، وإنما كانت شبه جزيرة وتحولت إلى جزيرة نتيجة حركة المد والجز. واختلفت الروايات على أصل تسميتها بـ«الحمراء»، فالبعض يعتبر أنه يعود نسبة إلى اللون الأحمر لعلم قبيلة «الزعاب»، فيما يؤكد آخرون أنه تيمناً بلون رمالها القريب إلى الحمرة، ولاسيما أن شاطئها تكثر فيه الشعب المرجانية الحمراء.

ركام ضخم
يؤكد المؤرخون المعماريون أن الجزيرة الحمراء، أو كما كان يطلق عليها جزيرة «الزعاب»، تعد أقدم منطقة عرفت في إمارة رأس الخيمة وأكثر المواقع ازدحاماً سكانياً في عصرها، وقد اكتشف فيها ركام ضخم من الهياكل والأسطح الخارجية، إضافة إلى أدوات من الصوان والخرز وشباك الصيد، ما يدل على الأنشطة الإنسانية التي كانت سائدة فيها.
المصدر: جريدة الاتحاد، نسرين درزي (أبوظبي) الجمعة 4 سبتمبر 2020

عن Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2020) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2020)

شاهد أيضاً

4 مواقع في رأس الخيمة على قائمة اليونسكو التمهيدية لـ«التراث العالمي»

نورة الكعبي: تعزيز لحضور الدولة على خريطة السياة الثقافية العالمية – انجاز يعكس القيمة الحضارية …