الإثنين , أبريل 6 2020
الرئيسية / CSR / أقلام مسؤولة / سيلفا صايغ / تنمية اجتماعيه (1) التفكير خارج الصندوق (12)

تنمية اجتماعيه (1) التفكير خارج الصندوق (12)

شبكة بيئة أبوظبي: بقلم الباحثة: سيلفا صائغ، باحثة في العلوم الإنسانية الاجتماعية 29 يناير 2019
عندما أعيد فتح الأفق على ذاكرة الأمس المفروق
فإنني لا أجد منه الأفق نفسَه
تتراءى ورائي آفاقٌ مستجدةٌ أحسبُني خَبرتُها
ولكنها ربما تشهدُ عليَّ في مستقبلٍ لن تشهد عليَّ فيه كتابتي
بالذاكرة فقط نكون ” نحن ” للآخرين ونكون ” نحن ” لأنفسنا. ” مصطفى قره جولي ” .
سنتحدث في هذه المقالة عن صندوق الذاكرة، فالذكرى والذاكرة بقدر ماهي جميلة بقدر ماهي تتحول إلى صندوق يأسرنا بتفاصيله الموجعة.
أولاً: تعريف الذاكرة
الذاكرة علمياً هي إحدى قدرات الدماغ التي تمكنه من تخزين معلومات وأحداث سابقة واسترجاعها. استرجاعها بإرادة الشخص، أو تُسترجع إلى مخيلة الشخص في حدث معين بطريقة قسرية عندما تكون ذكرى مؤلمة. فالذاكرة قُدرة بغاية الأهمية والجمال ومن غير السليم أن نجعلها صندوق ينغلق علينا ويؤثر على نفسياتنا بشكل سلبي. وعن تجربة خاصة عندما فقدت بدأت اتذكر أشياء بتفاصيل وأحداث جميلة وبنفس الوقت استحضر لذاكرتي لحظات رائعة لم اعرف استغلالها فتأسرني طيلة حياتي بذكرى مؤلمة، واتخبط داخل هذا الصندوق.
ثانياً: الذاكرة هي الحياة
يميل الاختصاصيون اليوم إلى عد الذاكرة رزمة من إجراءات عملية مسؤولة عن تنظيم الإدراك أولاً، وهي لا تمثل معطيات راسخة، أي إننا _ بمعنى آخر _ ما نجده في الذاكرة هو أقل بكثير مما يُبنى على أساسها. والذاكرة لا تشكل مجموعة مشاعر أو صور أو كلمات، وإنما هي قبل ذلك كله شبكة متحركة ومتاهة تطورية تضع الدماغ بالكامل في جهوزية زمنية تامة. كل واحد منا فريد بذاكرته، وما يدركه ويتذكره إنما هو جزء من تصوُّر حركي دائب، إن ذكرياتنا تحيا بنا ونحيا بها لتموت معنا. هي جزء لا ينفصل من شخصيتنا وعن رؤيتنا للعالم، هي جزء من عاداتنا وسرد لعلاقات حبنا، هي طريقة في التكلم، ومسلك في المشي، وسحابة في النوم، وحراك الروح في أحلامنا.
ثالثاً: تاريخ مفهوم الذاكرة
حاول أرسطو (483_ 223 ق.م) في مؤلفه حول الذاكرة، حل مفارقة البقاء الغامض للماضي لدينا، مما يجعله مرئياً ومحسوساً وكأنه حاضر، مع كونه غابراً في الوقت نفسه. وقد كتب بهذا الخصوص ما يلي: ” كل شيء يسير وفق التداعيات، فكل ذكرى تستدعي الأخرى، وصورة شيء تجذب إليها صورة أخرى، عندما تقوم بين الطرفين علاقة تشابه وتعارض أو تجاور “. اُعتُبرت الذاكرة منذ الأزمنة القديمة وخلال القرون الوسطى، أحد أهم الإنجازات الذهنية، وكان أكبر عباقرة تلك الأزمنة يوصفون باعتبارهم أشخاصاً ذوي ذاكرة قوية، بحيث كانت هذه الملكة تعتبر علامة على التفوق المعنوي والذهني. وتؤكد ماري كريتورس (أستاذة في الأدب وفي اللغة الإنكليزية في جامعة نيويورك) في مؤلفها حول الذاكرة في ثقافة القرون الوسطى بأن ” ثقافة العصر الوسيط كانت ثقافة ذاكرة بالأساس، بنفس الدرجة والقوة التي تعتبر فيها الثقافة الحديثة للغرب وثائقية “. كانت تلك هي فترة العصر الذهبي لفن الذاكرة الهادف إلى ترتيب الذكريات للحفاظ عليها بشكل أفضل، في شكل صور في البداية، ولتسهيل النفاذ إليها فيما بعد. وجدير بالذكر أن اكتشاف وتطور الكتابة، شكلا دعامة ثابتة للذكريات، وساهم ابتكار المطبعة الذي ضاعف بطريقة اقتصادية وفعالة، هذا النوع من الذاكرة الخارجية، في التقليل من فعالية فن الذاكرة، الذي انحط بشكل لا رجعة فيه، ابتداء من القرن السابع عشر.
دافع الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (1859_1941) عن فكرة وجود عدة أشكال أو أصناف للذاكرة، في مؤلفه (المادة والذاكرة) قائلاً: “يمكننا أن نتمثل نوعين من الذاكرة، مستقلين بعضهما عن بعض نظرياً، أما النوع الأول فيسجل على شكل صور _ ذكريات _ كل أحداث حياتنا اليومية على امتدادها، بحيث يأخذ التفاصيل كلها في الحسبان ويمنح لكل واقعة ولكل حرية مكانهما وتاريخهما، وهناك ذاكرة مختلفة تماماً عن الأولى وهي ميَّالة دوماً إلى الفعل ومستقرة في الحاضر ووجهتها المستقبل فحسب، هكذا فإن إحدى هاتين الذاكرتين تتخيل و الأخرى تكرر”. أما في عصرنا الحالي فالذاكرة أصبحت نقمة على بعض الأشخاص ونعمة للبعض الآخر، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أسهل طريقة لحفظ الذكريات، حتى الفيس بوك يذكرنا بما ذكرناه على صفحاتنا لسنين مضت.
رابعاً: استدعاء الذكريات: (أو ظاهرة إعادة التذكر).
إن حدثاً مهماً كان صغيراً في حياتنا يعيدنا إلى مرحلة ماضية حسبناها منسية تماماً، وإذ بنا نتلمس المكان والزمان ونعيش ما كان يرافقها من مشاعر. شيء جميل أن نستعيد ذكريات ماضية بحلاوتها ومرارتها، ولكن الغير جميل أن نعيش في صندوق هذه الذكريات، فتصبح خيالات تلاحقنا وربما تضعفنا، وقد تسبب لنا الأذى بطريقة غير مباشرة، وخاصة إذا كان الشخص فيه ما يكفي من السلبية، ويتذكر الأشياء السلبية. تعد ظاهرة استعادة الذكريات عملية رصف تدريجي لما كان قد حدث بآلية واعية، وقد تكون رائحة أو مجرد غرض أو مكان بمثابة (الصاعق) الذي يثير عملية بحث حقيقي عن الذكرى. تحاول ذاكرة الإنسان على الدوام لملمة بقايا الأنا المتعثرة، كما لو أن الماضي في معركة مع الحاضر لا تنتهي. هناك أشخاص يمنعون أنفسهم من زيارة أماكن تذكرهم بماضيهم، فتسبب لهم الألم في حاضرهم. هذا هو صندوق الذاكرة السلبي، ومعركته مع الحاضر تلك المعركة التي تمنع الأشخاص من الاستمتاع بلحظات الحاضر، التي ستكون يوماً ما ذكرى لماضٍ. يمكننا تشبيه الذاكرة بمدينة تتطور عبر القرون، بمدينة تاريخية كمدينة دمشق مثلاً، حيث تظهر أعمال التنقيب تحت المدينة العصرية من وقت لآخر وجود مدينة أثرية عربية، رومانية، أو يونانية، تشكل هذه المدينة الأثرية اللاوعي في ذواتنا، ويمكن عندها قياس عالِم الآثار بالمحلل النفساني، إذا كانت ذاكرتنا شبيهة بمدينة كبيرة كمدينة دمشق، هذا يعني أنها في حركة دائمة، نشهد من خلالها طوال الوقت أبنية مستحدثة أو في طور الرونقة أو الإكساء أو الترميم، ونشهد كذلك أبنية مهجورة وأخرى معرضة للهدم. في وسط المدينة هذه تسكن ذاكرتنا العاطفية، في البيوت الدمشقية القديمة، ولكن في هذه المدينة بالمقابل أحياء تجارية وأحياء حديثة تتشابه الأبنية فيها تشابه عاداتنا. في حين توجد أحياء تختلف فيها البيوت بعضها عن بعض كاختلاف ذكرياتنا الشخصية، كذلك توجد أحياء (فطرية) شبه مهجورة مجهولة يجتاحها النسيان، وهناك أيضاً أحياء برسم الهدم، وهي بمثابة ذكرياتنا المزعجة وجزء من شخصيتنا، تتطور شخصيتنا عبر ما يتعرض له مفهومنا عن الماضي، فتتبدل مظاهر ذكرياتنا وتسقط على إثرها أقسام كاملة من جدران حياتنا الماضية وتُهمل، ولا يتم استدعاؤها أو سردها وتغور في النسيان. في حين تظهر ذكريات أخرى مميزة بتجدد قيمتها.
خامساً: العادة هي الذاكرة:
” أنا متأكد أنه لا يوجد ما يسمى بالنسيان التام بمجرد انطباع الآثار على الذاكرة فلا يمكن تحطيمها ” (توماس دي كونسي ).
الذاكرة الدقيقة التي تحتفظ بالمعلومات هي أساس نجاح أي عمل، وفقاً لآخر التحليلات، فإن كل معرفتنا مبنية على ذاكرتنا، ولقد قالها أفلاطون، بهذه الطريقة: ” كل المعرفة هي التذكر ” وقال شيشرون، عن الذاكرة: “هي خزانة وحارس كل شيء” في الحقيقة إذا فقدت ذاكرتك تماماً ستضطر غالباً للبدء في تعلم كل شيء من البداية مثل المولود الجديد، فلن تتذكر كيف ترتدي ملابسك، أو تحلق ذقنك أو تضع مساحيق التجميل أو تقود سيارتك، أو هل ستستخدم السكين أم الشوكة……إلخ، كل ما نربطه بالعادة يرتبط بالذاكرة، فالعادة هي الذاكرة، يغلب على الناس الذين يملكون ذكرى حزينة أو مؤلمة، قولهم عبارة (ليتني أفقد ذاكرتي)، الذاكرة ليست مجرد أحداث جميلة أو قبيحة، الذكرى إحساس، تعلّم، تفاصيل حياة، تذكر من فضلك أنه لا يوجد ما يسمى بذاكرة ضعيفة وهذه أحد أوجه صندوق الذاكرة، قد يعد ذلك مثابة صدمة لمن ظل يستخدم (ذاكرته الضعيفة) كعذر طوال تلك السنوات، ولكني أكرر أنه لا يوجد ما يسمى بذاكرة ضعيفة، بل توجد فقط ذاكرة مدربة وأخرى غير ذلك.
سادساً: الإنسان هو ذاكرته:
وهكذا تمثل الذاكرة شخصية الإنسان نفسه، وعليه فإن المرضى المصابين بالزهايمر ينسون تماماً تاريخهم الشخصي، ويبدون كاللذين فُرِّغوا تدريجياً من هويتهم، وهو ما آلت إليه حال أحد رؤساء الولايات المتحدة السابقين وهو يهيم بخفّيه في أروقة جناحه في المشفى، لا يعرف من هو ولا يعرف من زوجته، وهو لم يتوقف ماضيه فحسب بل تسمَّر به زمنه، وعليه تبقى الذاكرة أثمن ما يملكه الإنسان على الدوام وهو مسكون بهاجس افتقادها أو فقدانها، وقد يتقبل بسهولة فكرة الكرسي النقال لعجزه الحركي أكثر من تقبله لآفة النسيان المطبق على أنفاسه، إنني أتذكر فأكون حينئذٍ، ولا أكون نفسي ولا أحداً آخر حين لا أتذكر، ولكن مع غلبة الذكريات الاصطناعية بدأ القلق يتملكنا بخصوص هبة الذاكرة الأم، لا شك أننا أُدخلنا من جديد في عالم للعبودية من نوع جديد، وباتت ذاكرات أطفالنا خاملة باستعمال الآلات الحاسبة، واستحكم الكسل بعد تغييب الحفظ عن صغار السن في المدارس، في الوقت الذي تقام فيه على مدار العام طقوس الذاكرة (الجماعية) من متاحف ومناسبات، وتكتب الموسوعات والسجلات، وتعرض الأفلام وغيرها، لا شك أن العاطفة تؤثر في جسدنا وسلوكنا ومشاعرنا ومن ثم على ذاكرتنا، وهي تختلف من شخص إلى آخر بحسب البيئة الفيزيائية والاجتماعية، وبحسب التكوين في أرحام أمهاتنا، إن تذكر كل شيء لايطاق وهو مزعج، بقدر ما هو مزعج عدم تذكر أي شيء، وعليه يجري الدماغ (الحنون) انتقاءً بحسب القيمة العاطفية التي يحملها حدث ما إلينا، ليست الذاكرة لوحاً من الشمع تكتب عليه ذكرياتنا بصورة نهائية ولا يربطها بالشمع سوى ذوبانها كلياً أو جزئياً بمرور الزمن، وليست الذاكرة حاسوباً، لأن هذا الأخير لا يحتفظ إلا بما نحمّله إرادياً، ولا يستدعي منه إلا ما نريده، إن ذاكرة الإنسان أشد حساسية وحركية وأكثر مباغتة أيضاً.، تبدأ تسجيلات الذاكرة في الجنين منذ الشهر الأول إلى الثاني، وإذا كان القادم الجديد لا يستطيع تذكر شيء من ذلك في حياته اللاحقة فهو لغياب استعراض تلك التجارب الأولى في ذاكرته مرة أخرى بغية تثبتها، وعلى الرغم من ذلك فهي تترك وراءها أثراً يستطيع الجسد التعرف عليه من خلال تجارب عدة كالحرمان والألم أو الانبساط واللذة، وهكذا نجد أشخاصاً أقل صلابة في حماية أنفسهم تجاه المؤثرات المؤلمة كما في حالات الوهن العصبي.
صندوق الذكرى والذاكرة صندوق جميل لمن هو خارج حدود الصندوق الضيق، لمن لا يجعل ماضيه مبعث شرار للحزن الداخلي، لمن لا يأسر نفسه في ذكريات الماضي بل يستفيد من كل عثرة ومن كل فقد ومن كل كبوة، والخروج للضوء من جديد، لصناعة ذكرى لماضٍ قادم جميل.

المراجع:
1. د. مصطفى قره جولي، الإنسان =ذاكرته، مكتبة مؤمن قريش، دار الفكر المعاصر 2009.
2. لورون بوتي، ترجمة د. عز الدين الخطابي، الذاكرة، الطبعة الأولى 2012.
3. هاري لورين، الدليل الكامل للتحكم في الذاكرة، مكتبة جرير، إعادة طبع الطبعة الثامنة 2009.

عن Eng. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2020) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2020)

شاهد أيضاً

تنمية اجتماعيه (1) التفكير خارج الصندوق (16)

شبكة بيئة أبوظبي: بقلم الباحثة: سيلفا صائغ، باحثة في العلوم الإنسانية الاجتماعية 2 مارس 2019 …