الأربعاء , أغسطس 5 2020

«الحصن».. رواية البدايات وذاكرة العاصمة

صرح ينبض بالحياة ويتغنى بالموروث
القصر يجسد تميز ابوظبي في مسيرة التعايش وقبول الآخر
معلم تاريخي يحفظ تراث وطن ويربط بين الماضي والحاضر

لم تحظَ وجهة تاريخية في الإمارات بالزخم السياحي والحراك المجتمعي كالذي يتفرد به قصر الحصن من استقطاب جماهيري على مدار العام، حيث مشهدية الدمج الآسر بين مفردات الموروث الثقافي وآخر خطوط الحداثة بدءاً بأدوات العرض حتى أساليب الجذب السمعي والبصري، وهنا يدخل الزائر من بوابة الماضي، حيث يتربع الصرح الأسطورة في قلب العاصمة أبوظبي على أمجاد 255 عاماً سطرت ملاحم عريقة طبعت ذكراها على تفاصيل البنيان الطيني الأبيض، حيث هنا كُتبت روايات الأولين وسطرتها إنجازات شعب، الولاء متشبث به كما التربة في الأرض، وهنا يسكن شعور بالوقار ينبع من الرهبة التي تنشرها خيوط الماضي على سعة الساحات المحيطة بالمبنى الأول.

صور لا تشيخ
الجولة في «قصر الحصن» لا تشبه أي جولة استكشاف أخرى، فهي رحلة متفردة بالزمان والمكان تمنح الزوار تجربة بديعة تتراكم عندها النكهات العطرة وتستقر في البال صوراً نابضة بالحياة، ومع كل خطوة يخطونها يأتيهم من خلف الجدران ومن بين الممرات مفهوم جديد يفتح الشهية لمزيد من الاستطلاع ويحيي الفضول لزيارة البدايات، وعدا عن الفعاليات الوطنية التي يستضيفها على مدار العام يشكل «القصر» الشامخ بهيئته الأثرية وقناطره المعمرة الساكنة فيه وجهة أساسية على قائمة أهم المعالم العمرانية وأعرقها في البلاد.
ويجسد القصر تميز أبوظبي في مسيرة التعايش وقبول الآخر، كدلالة واضحة على نمو الجزيرة لتصبح إمارة تواكب تطورات العصر مع ارتباطها بالجذور، وبالنظر إلى الأبراج المبهرة المحيطة به، تتضخم عظمة هذا البناء الأثري الذي حافظ على كينونته مع تعاقب الأزمنة، ويزداد الشعور بفخر التواجد في فنائه وتحت أسقفه وداخل غرفه العريقة وقاعاته المنتشرة صعوداً ونزولاً، وكلها مواقع تكشف الستار عن أمجاد أبوظبي بالصوت والصورة والحس المرهف، إذ تتاح للمستكشفين الكبار والصغار فرصة تصفح التاريخ بنقرة واحدة، وكأنهم يقلبون ألبومات صور حية تخبر الجميع كيف تصنع الحضارات وكيف تبنى الأوطان، وتتضح الصورة أكثر بالاطلاع على مجموعة القطع الأثرية والمواد الأرشيفية الموزعة عند منصاته والتي يعود تاريخها إلى 6000 سنة قبل الميلاد.

أقدم مبنى
ومع كل ما تقدم لا نكشف سراً عند الحديث عن الاهتمام المتزايد الذي يحظى به قصر الحصن ويستحقه من باب تعزيز دوره التاريخي، كأقدم مبنى في مدينة أبوظبي، فهو بلا منازع وجهة ثقافية سياحية من الطراز الأول للحديث بإسهاب عن تفاصيل المجتمع المحلي ويومياته وأكثر، وشاهد حي على الموروث بكامل أبجدياته، والبداية مع تحول محيطه إلى ما يشبه قرية صغيرة تنتشر حولها الأكواخ المصنوعة من سعف النخيل، ومن ثم تتوالى قصص الماضي كيف تراجعت تجارة اللؤلؤ في المنطقة وحان وقت التنقيب عن النفط والذي ترافق مع أعمال التوسعة التي شملت مختلف أجزائه، وكانت المحطة الأبرز في التاريخ الحديث بداية الثمانينيات حين قرر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أن يتم إجراء أعمال تجديد شاملة على مبنى قصر الحصن، ليحوله من مقر إقامة للأسرة الحاكمة إلى متحف ومعرض للكثير من القطع والمجموعات الأثرية التي ترتبط بتاريخ أبوظبي ومنطقة الخليج. ومن المحطات البارزة التي يتعرف إليها زائر قصر الحصن المتتبع لملاحم أبوظبي وإنجازاتها أن الشيخ زايد، طيب الله ثراه، أمر في أواخر الستينيات ببناء مقر المجلس الاستشاري الوطني خارج جدران القصر، وقد شهد هذا المقر انعقاد الاجتماعات التي ناقشت اتحاد الدولة عام 1971.

راسخة في الأذهان
يمزج قصر الحصن بما يمثله كمعلم تاريخي أساسي في ذاكرة الوطن بين الماضي والحاضر، في توليفة تضيء على القيمة الحقيقية للموروث الشعبي الذي تثمنه الأجيال، وتكشف أجنحة القصر ووحداته الداخلية والخارجية طبيعة الحياة قديماً عندما كان الأجداد يمارسون حرفهم التقليدية في مواجهة تحديات البيئة الصحراوية، وتنعم الوفود السياحية الزائرة للقصر بجولات تعريفية على التصاميم الأثرية والأدوات المعيشية لمجتمع أبوظبي، والتي تظهر من خلال معارض توثيق التطور المعماري والحضاري للدولة على مدى قرنين ونصف القرن، بما فيها من تغييرات لا تزال بذورها راسخة في الأذهان، وتتمثل في البناء والشعر وفنون الحياكة بالخوص والتلي والمشغولات المستوحاة من التراث، وتعكس لوحات من الفلكلور أكثر ما تتجلى في العروض الشعبية ورقصات اليولة والعيالة.

أيقونة معمارية
لا تقتصر هذه المشاهدات الحية لتاريخ أبوظبي على فعاليات مهرجان قصر الحصن، الذي يقام سنوياً تكريماً لماضي الأجداد، وإنما تمتد لتشمل أيضاً أجندة الفعاليات المجتمعية على مدار السنة وبرنامج الزيارات التي يتم تنظيمها بالتعاون مع دائرة الثقافة والسياحة، وتشمل محطات تعريف أبناء الدولة وسكانها والسياح من الأفراد والأفواج بخيوط الأصالة الموغلة في القدم والتي يتمتع بها المجتمع المحلي المتفاخر بعاداته وتقاليده، والزوار يأتون إلى قصر الحصن وفي جعبتهم القليل مما سمعوه عن الدور المفصلي الذي لعبه هذا الصرح في نسج تاريخ الإمارة، ويحرصون على معرفة المزيد عن «القصر» الذي شيد ليكون أيقونة معمارية، وأولى الحكايات تمتد إلى القرن الثامن عشر عندما ظهرت المياه العذبة في جزيرة أبوظبي وكان لابد من تشييد برج لمراقبة المكان الذي سرعان ما تحول إلى حصن منيع، وأصبح فيما بعد مقراً لإقامة أسرة آل نهيان الحاكمة.

سابقة فريدة
والتفصيل المثير في هذه المبادرة التي اعتبرت سابقة فريدة في ذلك العصر، أن المواد المستعملة لبناء قصر الحصن كانت من الأحجار المرجانية والبحرية، وفي حينه لم يكن من السهل اعتماد طلاء مناسب للظروف المناخية حيث وقع الاختيار على خليط من الكلس والرمال والأصداف المطحونة، أما الأرضيات التي لا يزال جزء كبير منها على حاله فهي مغطاة بخشب أشجار القرم وكذلك الأسقف المصممة بأسلوب لافت لدقة البناء التقليدي، وكلها أدوات جمالية تحولت مع الوقت إلى معجم أساسي لفنون العمارة الأصيلة عن أول مبنى تم تشييده في أبوظبي، ولعب دوراً بارزاً كدليل للتجار المقبلين على المدينة من مختلف أنحاء المنطقة. وتنعم الوفود السياحية الزائرة لقصر الحصن بجولات تعريفية على التصاميم الأثرية والأدوات المعيشية لمجتمع أبوظبي، والتي تظهر من خلال معارض توثيق التطور المعماري والحضاري للدولة على مدى قرنين ونصف القرن بما فيها من تغييرات لا تزال بذورها راسخة في الأذهان.

مراقبة الطرق التجارية
يُعد قصر الحصن أعرق صرح تاريخي في أبوظبي، وقد شيّد حول أقدم بناء قائم إلى يومنا هذا في المدينة، وهو برج مراقبة بني في تسعينيات القرن الثامن عشر لمراقبة الطرق التجارية الساحلية وحماية المجتمعات المتنامية على الجزيرة.
ويتألّف قصر الحصن من بناءين: الحصن الداخلي ويعود تاريخ بنائه إلى عام 1795، والقصر الخارجي الذي تم بناؤه خلال الفترة 1939-1945، وكان الحصن على مدار السنين مقراً للحكم والأسرة الحاكمة وملتقىً للحكومة ومجلساً استشارياً وأرشيفاً وطنياً، وهو اليوم يمثل القلب النابض لأبوظبي والشاهد الحي على محطات تاريخها العريق.

متحف وطني
بعد أعمال الترميم التي شهدها خلال السنوات الماضية، تحول قصر الحصن إلى متحف وطني، حيث يعكس تطور أبوظبي من منطقة لاستقرار قبائل بني ياس التي اعتمدت على صيد السمك واللؤلؤ في القرن الـ18، إلى واحدة من أروع المدن العالمية الحديثة.
وخلال فترة حكم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه» تم تجديد عدة مبانٍ داخل الحصن، بدءاً من عام 1966 عندما تم تحويل أحد المنازل، ليصبح مكتبه الخاص، وقد استعمل عام 1968 منزلاً آخر لحفظ المعلومات، يعرف اليوم بالمركز الوطني للوثائق والبحوث، ومع استكمال أعمال الترميم الأخيرة عام 1980 شغل المركز كل الغرف والأقسام التي يتكون منها «القصر».

أول مبنى حجري
يكشف قصر الحصن تاريخ أبوظبي من خلال معارض دائمة تسرد التغييرات الجذرية التي لحقت بالمدينة منذ أكثر من 255 عاماً والنمو الذي طال المجتمع الصغير القائم على أنشطة الصيد ليصبح اليوم نموذجاً عصرياً للمدينة العالمية، ويتلمس الزوار في أروقة المعرض الروابط التي تركت آثارها على الأجيال المتعاقبة منذ بدايات قصة قصر الحصن كأول مبنى حجري مستمر في جزيرة أبوظبي، منذ كان قصر الحاكم والشاهد على نشأة المدينة وتطورها ورمزاً لقوتها وشموخها.
المصدر: الاتحاد: نسرين درزي (أبوظبي) 12 فبراير 2020 – 02:12 AM

عن Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2020) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2020)

شاهد أيضاً

مؤسسة ألِف تخصص تمويل طاريء لحماية التراث الثقافي للتخفيف من وطأة كوفيد-19

شبكة بيئة ابوظبي: سويزرلاند، 28 نيسان/أبريل 2020 أعلنت مؤسسة التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق …