الخميس , أبريل 2 2020
أخبار عاجلة
الرئيسية / CSR / مسؤولية مجتمعية / آراء مسؤولة / المفهوم والحاجة إلى التطبيق .. المساءلة الاجتماعية وتحسين الخدمات العامة

المفهوم والحاجة إلى التطبيق .. المساءلة الاجتماعية وتحسين الخدمات العامة

شبكة بيئة ابوظبي: بقلم محمد عبد الهادي، المركز العربي للبحوث والدراسات 25 يناير 2020
يعتبر مفهوم المساءلة الاجتماعية من أهم الغايات والأدوات المساهمة في خلق واقع متقدم ونوعي للإدارة الشفافة والرشيدة في القطاع الحكومى، الأمر الذي يسهم في إخضاع المسؤولين الحكوميين للمساءلة عن أفعالهم، سيما المتعلقة بإدارة الموارد العامة. هذا المفهوم، أصبح العمل به، من أهم الدعائم التي تشارك فيه منظمات المجتمع المدني، من أجل تعزيز قدرتها على الإسهام في عملية تنمية المجتمع، وتحقيق المزيد من الازدهار والرفاه لبناء المجتمعات العاملة فيها.
ومن شأن المساءلة الاجتماعية، أن توفر آليات وأدوات مختلفة كثيرة ومرجعيات من أجل الصالح العام، الأمر الذي يفضح وقائع الفساد والإهمال والقصور داخل الهيكليات التنظيمية بالحكومة، وذلك من خلال تعزيز إمكانية النفاذ إلى المعلومات، ودعم وسائل الإعلام، والحوار المجتمعى، وحملات المناصرة وحشد التأييد والمظاهرات السلمية، وترتبط المساءلة الاجتماعية، أيضاً، بالتنمية المبنية على الحقوق المدنية والتزام مسؤولي الحكومة أمام المواطنين. وعلى هذا النحو، فإن المساءلة الاجتماعية توفر آليات وأدوات لرصد وحماية هذه الحقوق وتؤكد على ضمان أن أعمال الحكومة تعكس مصالح المواطنين.
وفي هذا الشأن، فإن استياء المواطنين من المؤسسات الحكومية يتعلق إلى حد كبير في قضايا عدم الاستجابة لاحتياجاتهم ومطالبهم بمساءلة المسؤولين الحكوميين. فمن خلال توفير المعلومات الهامة والمتعلقة بالحقوق واستحقاقات المواطنين وتبنى ردود الفعل المنهجي لهم، يمكن أن توفر فرص جيدة لتعزيز وسائل وآليات المساءلة الاجتماعية، ومن ثم الاستماع إلى احتياجاتهم وتلبيتها؛ بما يتوافق مع المصالح العامة والفعلية للمواطنين.
وإذا كانت المساءلة الاجتماعية على هذا القدر من الأهمية، وإذا كان المجتمع يسعى إلى المزيد من التقدم والتطور والمحافظة على حسن الأداء وتقديم خدمات ذات جودة عالية تلبي طموحه واحتياجاته، فمن المهم جدًا أن تعمل الدول وحكوماتها على ضمان وجود إجراءات واسعة في سياساتها وخططها العامة ترسخ التزامها بالمساءلة الاجتماعية من لحظة تحديد المشكلة والاحتياج وصولاً إلى الدعوة والتفاوض من أجل التغيير.
كذلك الحال، يرتبط مفهوم المساءلة الاجتماعية ارتباطًا وثيقًا مع المشاركة، لا سيما مشاركة المواطنين والمجتمع المدني، والتي تميّز المساءلة الاجتماعية عن الآليات التقليدية للمساءلة . ففي كثيرٍ من الحالات، لا يشارك المواطنين والمجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني في أنشطة المساءلة الاجتماعية فقط، ولكن يتجاوزونها للشروع بالسيطرة عليها. فبينما تركز العديد من المقاربات التشاركية حصراً على المجتمع بصفة أحادية وفردية، توسع آليات المساءلة الاجتماعية فرص المشاركة على المستوى الكلي وتضمن إشراك المواطنين والمجتمع المدني وحتى المحلي في التحليل أو صياغة الموازنات الوطنية وتربط نتائج عمليات الرصد والتقييم التشاركية بالمسائل المتعلقة بالموازنات والحكم على مستويات تقديم الخدمات العامة … إلخ.
وفي هذا الصدد، يتوجب الاشارة إلى أن نجاح مبادرات المساءلة الاجتماعية يعتمد بصورة أساسية، أيضاً، على قدرة وفعالية الحكومة، فمبادرات المساءلة الاجتماعية تصبح عديمة المنفعة إذا انهارت أجهزة السلطة أو كانت غير فاعلة، وبالتالي يجب تفعيل قدرة الإدارة العامة للحكومة والاستثمار بتنمية القدرات والموارد البشرية فى الخدمة العامة لتصبح أكثر استجابة لمطالب المواطن والمجتمع.
تسعى هذه الدراسة إلى تحديد المقصود بالمساءلة الاجتماعية وظهور مفهومها وتطورها وأدواتها وكذلك التعرف على دور ومساهمة المجتمع المدنى فى تعزيز المساءلة الاجتماعية والعمل على زيادة اهتمام وإشراك المواطنين فى الشئون العامة والمحلية؛ ذلك لكونه يعد التنظيمات الوسيطة بين الدولة والمواطنين وما يتسم به من خبرات وأغراض أنشطة فى التنمية الاجتماعية والاقتصادية فى علاقتها بالبيئة أو ما يعرف بالتنمية المستدامة؛ وأيضا المجالات المتنوعة الأخرى كالحقوقية والثقافية والنسوية…إلخ. ومن ثم التوصل إلى أفضل الممارسات فى ضوء هذه الخبرات الدولية؛ بما يعزز من الدروس المستفادة لتنشيط وتشجيع قيام المجتمع المدنى بدوره المأمول فى نشر قيم وممارسات المجتمع المدنى؛ على أن تصحح الدولة من مسار علاقتها بالمجتمع المدنى وترفع القيود القانونية والإدارية وتساهم فى تحفيز التمويل؛ كل ذلك بغرض خلق مجتمع مشارك وتحسين الخدمات العامة.
لذا تدور الدراسة حول تساؤلات تتعلق ماهية المساءلة الاجتماعية؟ وما هى أبعادها القيمية والوظيفية؟ وما أسباب الاهتمام بها فى إطار العلاقة بين الدولة والمجتمع وإعلاء دور المواطن فى المشاركة واتجاهات الثقة؟ ما هو دور المجتمع المدنى فى تعزيز المساءلة الاجتماعية؟ وما هى نماذج أو صور أفضل الممارسات لأدوات المساءلة الاجتماعية؟ وكيف يمكن الاستفادة منها فى مصر؟ وبالنظر إلى واقع المجتمع المدنى من ناحية وعلاقته بقضايا المساءلة الاجتماعية وأدواره فى مجالات التدريب وإعداد المواطنين للقيام بدورهم فى المساءلة الاجتماعية، كذلك عمليات المسألة نفسها للخدمات الحكومية، كيف يمكن تعزيز ذلك الدور فى مصر فى ظل التحديات التى تواجه عمل منظمات المجتمع المدنى فى مصر؟.

فى ضوء ما سبق تتناول هذه الدراسة عدة محاور على النحو التالى:
– المساءلة الاجتماعية كقيم وممارسة والقضايا المقترنة بها.
– المجتمع المدنى والمساءلة الاجتماعية: اتجاهات نظرية.
– المجتمع المدنى وعوامل نجاح المساءلة الاجتماعية: أفضل الممارسات.
– المجتمع المدنى والمساءلة الاجتماعية فى مصر.
– توصيات ختامية.

أولاً- مفهوم المساءلة الاجتماعية
إن المساءلة الاجتماعية هى نهج لبناء المساءلة يعتمد على المشاركة المدنية، حيث يشارك المواطنون العاديون أو منظمات المجتمع المدني أو كلاهما معاً بشكل مباشر أو غير مباشر في إخضاع الأطراف الحكومية للمساءلة عن أفعالها”. ويمكن للدولة أو المواطنين أو كليهما وضع آليات المساءلة وتدعيمها، لكن ما يحدث في الغالب الأعم هو أن جانب الطلب لا العرض هو الذي يحركها وأنها تعمل بشكل من أسفل إلى أعلى.
في الدول الديمقراطية، تعتبر الانتخابات هي الوسيلة الرئيسية التي يخضع المواطنون بها الدولة للمحاسبة. ومع ذلك، فقد ثبت أن هذه الأداة ضعيفة جدا لمساءلة الحكومة. فالمساءلة الاجتماعية تعنى تأكيد وتفعيل علاقات مساءلة مباشرة بين المواطنين والدولة وتشير إلى مجموعة واسعة من الإجراءات والآليات تفوق عملية التصويت أثناء الانتخابات التي يمكن من خلالها أن يخضع المواطنين الدولة للمحاسبة وكذلك الإجراءات من جانب الحكومة، والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام والجهات الفاعلة الأخرى في المجتمع التي تعزز أو تسهل جهود الحوكمة، أذن تجاوزت المساءلة نطاق التعريف الأساسي بأنها “الاستدعاء للمحاسبة على الأفعال”، ولا يمكن أن توجد المساءلة إلا في ظل الممارسات المحاسبية المناسبة، بمعنى آخر، غياب المحاسبة يعني غياب المساءلة.
يتضح من ذلك أن تحسين الخدمات العامة يعد مدخل هام لتقديم والحاجة إلى المساءلة الاجتماعية؛ وهكذا فأن كافة ممارسات المساءلة الاجتماعية تهدف إلي خلق مساحات لتعزيز الحوكمة التشاركية وتوفير البيئة الداعمة لتمكين المواطنين ومنظمات المجتمع المدني من المشاركة الفعالة سواء في تعديل ووضع القرارات والسياسات أو تتبع المدخلات من أجل تحسين الخدمات العامة المقدمة للجمهور؛ بات واضحاً أن محور تحسين الخدمات العامة يعد المدخل الرئيسي لتعزيز مفهوم المساءلة الاجتماعية وممارساتها حيث تساهم ممارسات المساءلة الاجتماعية في خلق مساحات تفاعل بين جانبي العرض والطلب من أجل تعزيز الوصول للمعلومات وشفافية الموازنات وحرية تكوين المنظمات ومن ثَم تحسين الخدمات العامة.
لذا من الأهمية التطرق إلي تفعيل وتعزيز مشاركة المواطنين من خلال ممارسات المساءلة الاجتماعية التي تُمكن من تتبع المدخلات الخاصة بالخدمات العامة إما بتتبع وتحسين الأداء أو تتبع المخصصات والموارد المالية الخاصة بالخدمات المقدمة للمواطنين كما هو موضح فى الشكل التالى:

المفهوم والحاجة إلى
ويمكن تحديد القضايا ذات الصلة بالمساءلة الاجتماعية كقيم وممارسة، ذلك كما يلى:
1. إن للمساءلة الاجتماعية تأثيرات هامة على صعيد المساواة على أساس النوع الاجتماعي، لأن المرأة ممثلة تمثيلاً متدنياً ومتواضعاً وخاصة في المستويات القيادية بالحكومة، مما يضعف هذا التهميش السياسي قدرة المرأة على تعزيز مصالحها والدفاع عن حقوقها أمام الحكومة. ولتجاوز هذا التحدي، تم العمل على تحديث آليات المساءلة الاجتماعية بعدد من الأدوات التي تعزز قدرة المرأة على إسماع صوتها. مثال ذلك العمل على الموازنات الحساسة للنوع الاجتماعي، ومستويات التقييم ورصد الأداء التشاركية الخاصة بالنوع الاجتماعي والتي تم تصميمها خصيصا لمعالجة قضايا المساواة بين الجنسين.
2. ضرورة الاهتمام والعمل على تعزيز انتشار مبادرات المساءلة الاجتماعية الخاصة بالفئات المهمشة والمستضعفة في المجتمع، والتي يشكل الأطفال والشباب والنساء جزءاً كبيراً منها، فإننا نجد كثير من المبادرات في هذا الخصوص، حيث تتنادى عديد المؤسسات المجتمعية للاهتمام بهذه الفئة واطلاق مشاريع للتعريف بقضاياها ومناصرة حقوقها والدفاع عن تطلعاتها وآمالها. ولو أخذنا قضية التركيز المكثف على حقوق الطفل نرى أن منظمات المجتمع المدني تولي اهتماما كبيرا لها، إذ أصبحت اتفاقية حقوق الطفل العالمية المكون والمحدد الرئيسي لاعتماد والعمل على موازنات خاصة بالطفل وجوانب السياسات ذات الصلة والتابعة لها.
3. كما لا يمكن لنا التطرق إلى المساءلة الاجتماعية دون التعريج إلى قضية أساسية في هذا المجال، وهى: حق الوصول إلى المعلومات. فبخصوص هذه المسألة، فإن الوصول إلى المعلومات وتفسير النتائج وخلق مجالات للحوار والنقاش العام يتوجب أن تكون من العناصر الأساسية في معظم مبادرات المساءلة الاجتماعية. فعندما يتناول عامة الجمهور، من خلال تنظيم الاجتماعات والمناسبات العامة، عرض تفاصيل تحليل الموازنات ونتائج مراجعة الإنفاق العام، أو مراجعة الحسابات أو نتائج رصد وتقييم المشاريع الحكومية، فإنه بذلك يعزز أهمية وتأثير استراتيجيات وآليات التواصل والمشاركة الفاعلة، ويسهم في خلق قوة دافعة للعمل المجتمعي والتفاعل المباشرة مع صناع القرار من المسؤولين الحكوميين. فإعلام المواطنين بحقوقهم ومسؤولياتهم ومشاركتهم بالاهتمامات المجتمعية وحشد التأييد والدعوة وحملات المناصرة وبناء التحالفات والشراكات مع مختلف فئات المجتمع وذوي أصحاب المصلحة من أهم الجوانب الأساسية لإجراءات المساءلة الاجتماعية. ففي كل خطوة من مبادرات المساءلة الاجتماعية هذه، يتم إشراك المواطنين وحشد الدعم والتأييد. فقدرة المواطنين على تنظيم العمل الجماعي وقدرة مؤسسات المجتمع المدني على تسهيل ودعم هذه التعبئة لحشد التأييد للمساءلة يعتبر جانب مهم وحاسم بالنسبة لنجاح مبادرات المساءلة الاجتماعية. ولكن التحدي الأكبر يبقى في الوصول إلى الشرائح المهمشة من المجتمع والتي تتطلب بذل جهداً خاصاً.
4. بينما فيما يتعلق بالإعلام وعلاقته بالمساءلة الاجتماعية، فإن وسائله تلعب دورًا حاسمًا في تعزيز المساءلة الاجتماعية. ففي العديد من البلدان، تشكل وسائل الإعلام المستقلة القوة الرابعة الرائدة في إعلام وتوعية المواطنين ورصد أداء الحكومة وفضح الانحرافات والفساد، إذ تعتبر وسائل الإعلام وسيلة هامة يمكن للمواطنين العاديين من خلالها التعبير عن آرائهم ومناقشة قضاياهم العامة، لا سيما المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعي الحديثة. فكلما كانت وسائل الإعلام مستقلة، كلما أصبحت العوامل التي تسهم في المساءلة ضمن النظام السياسي العام هامة وشفافة. فالإعلام بأشكاله يبقى العنصر المشترك الوحيد والمهم لرفع مستوى الوعي حول القضايا العامة وخلق منصة للنقاشات العامة لمبادرات المساءلة الاجتماعية الناجحة وغيرها.
فى ضوء ذلك تتأكد أهمية المساءلة الاجتماعية ويرجع السبب وراء التركيز المتزايد على المساءلة الاجتماعية باعتبارها استراتيجية مهمة وفاعلة في مختلف أنحاء العالم. هناك ثلاث حجج رئيسية تُطرح لتبرير أهمية المساءلة الاجتماعية—أولها تحسين نظم إدارة الحكم، وثانيها زيادة الفاعلية الإنمائية، أما الحجة الثالثة فهي التمكين.

المفهوم والحاجة إلى
ثانياً- علاقة المجتمع المدني بالمساءلة الاجتماعية: اتجاهات نظرية
إن من أبرز تعريفات المجتمع المدني بما هو “المجال خارج السلطة والسوق والعائلة، حيث ينتظم الافراد والمؤسسات بمختلف اشكالهم وانتماءاتهم للدفاع عن المصالح المشتركة”. وقد شهدت العقود الماضية تناميا لحضور وتأثير منظمات المجتمع المدني على كافة المستويات، دولية لا سيما في المسارات التي نظمتها الأمم المتحدة حول التنمية وحقوق الانسان والبيئة وغيرها، ووطنية خاصة في إطار الشراكات والمساهمات في التخفيف من التحديات الاقتصادية والاجتماعية وتأثيرها على الظروف الحياتية للمواطنين.
ولتلافي تأثير التجارب السلبية لمنظمات المجتمع المدني لا بد من اعتماد معايير لقياس أدائها وتحديد دورها من خلال هذه المعايير. ومن هذه المعايير، المستوى التنظيمي للمنظمة وتقييم الاثر الاجتماعي والسياسي والبعد التنظيمي والهيكلي لاسيما الشفافية والإدارة الرشيدة وتداول السلطة والقيم كالرؤية والأهداف ووسائل العمل ومستوى المشاركة المدنية في أعمالها وأنشطتها والبيئة الخارجية التي تعمل فيها. وفي كل من هذه المعايير، يمكن اعتماد مؤشرات تساعد على قياس أدائها وبالتالي تكوين صورة حقيقية عنها، وبذلك يكون التقييم موضوعيا وواقعيا. ومن الأهمية بمكان فهم الادوار الاساسية التي يمكن لمنظمات المجتمع المدني ان تلعبها في عملية مثل التنمية لكي تتمكن من صياغة البرامج الملائمة لمشاركتها في كل مراحل العملية التنموية ,وبالتالي لا يجوز تحميل منظمات المجتمع المدني نتائج غياب السياسات الوطنية والرؤية التنموية التي تقع ضمن مسؤوليات الدولة او انعكاسات استشراء آليات السوق نتيجة غياب الانظمة التي تحمي المجتمع منها.
وتتيح المساءلة لمنظمات المجتمع المدني في صنع القرارات العامة وإخضاع الحكومة للمساءلة عن أفعالها، ولا سيما فيما يتعلق بإدارة الموارد العامة. وهي طريقة لزيادة الكفاءة في أداء الحكومات عن طريق تمكين المواطن من توضيح احتياجاته، وإشراكه بصورة كاملة في صنع أنشطة الحكومة مثل صنع السياسات وإدارة الماليات العامة وتقديم الخدمات، في حين يتابع أداء الحكومة ويراقبه ويقدم معلومات تقييمية عنه. وبهذا التعريف، فإن المساءلة الاجتماعية تصبح في جوهرها عنصرا رئيسيا في إحلال الديمقراطية، وبالتالي تصبح ذات أهمية خاصة بالنسبة للبلدان التي تمر بمرحلة تحول.

ثالثاً- أفضل الممارسات .. المجتمع المدني وعوامل نجاح المساءلة الاجتماعية
فيما يلي توضيح لدور المجتمع المدنى فى تدعيم المساءلة الاجتماعية وإنجاح تجاربها، حيث أن المساءلة الاجتماعية هي أحدى المجالات الرائدة في أنظمة الحكم الرشيد، وهناك حاليا العديد من ممارسات وأدوات المساءلة الاجتماعية المطبقة في أنحاء عديدة في العالم، بما في ذلك الكثير من التطبيقات في المستويات المحلية التي تزيد من المشاركة المدنية في الأجهزة الحكومية وتعزز المساءلة.
ورغم التباين في تطبيقها نظرا لاختلاف السياقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فإنها تنطوي على العديد من العناصر أو “الدعائم” الأساسية، التي تشترك فيها معظم ممارسات المساءلة الاجتماعية. وهذه العناصر الأساسية هي كما يلى؛
1. الحصول على المعلومات
يعتبر الحصول على أو إنتاج المعلومات ذات الصلة وإتاحتها للجمهور من الجوانب ذات أهمية البالغة للمساءلة الاجتماعية. وكثي ًرا ما يتطلب إيجاد أدلة موثوقة لإخضاع المسؤولين العموميين للمساءلة امتلاك وتحليل كل من المعلومات المتعلقة بجانب العرض من الحكومة ومقدمي الخدمات وكذلك المعلومات المتعلقة بجانب الطلب من المستفيدين من الخدمات الحكومية، والمجتمعات المحلية، والمواطنين. ويتيح الجمع بين بيانات جانب العرض وبيانات جانب الطلب لمنظمات المجتمع المدني تكوين قاعدة معلومات ثرية ويمكن التعويل عليها في الإجراءات التدخلية في مجال المساءلة الاجتماعية.
2. إعلاء صوت المواطن
من الدعائم الأساسية للمساءلة الاجتماعية إعلاء صوت المواطنين بما لديهم من احتياجات وآراء وبواعث قلق، وهو ما يساعد الحكومة في تفهم أولويات المواطنين بشكل أفضل وتحسين سبل تقديم الخدمات للناس. وتشير المقولة الشائعة” من الصياح إلى المحاسبة” إلى أهمية صوت الشعب كوسيلة لترشيد ونقل وإيصال الرأي العام بفاعلية إلى واضعي السياسات على نحو مثمر وإيجابي. وهناك استراتيجيات مهمة في هذا الصدد منها: خلق متنفس ومنتديات للنقاش العام من أجل إرساء مبدأ الحوار بين المواطن والدولة وبناء ثقة المواطنين ووعيهم بحقوقهم. كما تشمل هذه الاستراتيجيات أيض ًا تيسير إقامة الائتلافات والتحالفات من أجل تجميع الآراء وتدعيم صوت الموا َطنة، والاستخدام الاستراتيجي لكل من أشكال ووسائل الإعلام الحديثة والتقليدية. ومن التحديات البارزة في هذا المقام التأكد من قدرة الجماعات المهمشة على إيصال أصواتهم.

3. الاشتراك في عملية تفاوض من أجل التغيير
إن القدرة على تحفيز استجابة المسؤولين العموميين وتحقيق تغيير طويل الأمد أكثر العناصر تمثل أهمية وصعوبة في أية استراتيجية للمساءلة الاجتماعية. ويجوز أن تكون عملية التفاوض منفصلة أو ذات طابع مؤسس ي، ويمكنها أن تأخذ شكل التفاعل المباشر بين المواطنين والدولة ، أو اللقاءات على مستوى المجتمعات المحلية مع المسؤولين الحكوميين، أو الأشكال غير المباشرة للتشاور والتفاوض. وقد أظهرت التجارب أن هناك طريقاً وسطاً بين الاثنين، ألا وهو الاستعانة بميسر أو وسيط مدرب، يمكن كذلك أن يكون ذا فاعلية كبرى في ضمان قيام علاقة مثمرة بين المواطن والدولة وإيجاد ممارسات أكثر إيجابية تقوم على المشاركة.
هكذا يمكن استعراض العوامل الهامة لضمان نجاح تطبيقات ومبادرات المساءلة الاجتماعية فى ظل ما يمكن أن تساهم به مؤسسات المجتمع المدنى وذلك من واقع التجارب والممارسات العملية على النحو التالى:
1. إن المساءلة الاجتماعية هي أكثر بكثير من مجرد أدوات ومهارات، حيث أن نجاح مبادرات المساءلة الاجتماعية يعتمد على السياق الذى تعمل فيه، وهذا يؤكد أنه على الرغم من أن الأساليب والأدوات للمساءلة الاجتماعية هي جانب مهم جدا من تعزيز المساءلة الاجتماعية الا أن النجاح النهائي لمبادرات المساءلة الاجتماعية يتوقف على السياق الذي تستخدم فيه هذه الأدوات، والمبادئ والقيم التي تحكم استخدامها، من يشارك فيها؟ وكيف؟ لذلك، فالمساءلة الاجتماعية ليست مجرد استحداث أدوات وآليات بل هي عبارة عن تغيير عقول وبناء علاقات وتطوير قدرات.
2. يجب عند ممارسة وتطبيق أحدى أدوات المساءلة لابد من التعرف على الأطراف الفاعلة /أصحاب المصلحة، فالتحليل الرسمي والغير رسمي للأطراف الفاعلة يعتبر خطوة حاسمة في تصميم أي مبادرة من مبادرات المساءلة الاجتماعية. هذا التحليل ينبغي أن يفيد في تحديد مجموعة كاملة من أصحاب المصلحة سواء المؤثرة في المبادرة أو التي تتأثر بالمبادرة وكذلك يفيد في تقييم علاقات المساءلة وعلاقات القوة فيما بينها. وأثناء اجراء هذا التحليل فإنه من الأهمية بمكان فك مفاهيم واسعة سواء المتعلق منها بالحكومة والمتعلق بالمجتمع المدني وتفهم الطبيعة المعقدة والغير متجانسة لهذه الكيانات واستكشاف تنوع الآراء والمصالح والعلاقات بينها وفيما بينها. استخدام النهج الذى يتيح لك التعامل مع كل من جانب العرض وجانب الطلب. في مبادرات المساءلة الاجتماعية تصبح التدخلات على كل من جانب العرض (الحكومة) وجانب الطلب (المواطن / المجتمع المدني) ذات أهمية شديدة، بالرغم من أن المبادرات الفردية قد تتعامل مع مجموعة واحدة فقط من العوامل الا أنه ينبغي لها أن تسعى إلى أن تأخذ في الاعتبار نقاط القوة والضعف والفرص والتحديات على كل من العرض وجانب الطلب ، وتذكر أن المواجهة ما بين الطرفين هي مفتاح الحل.
3. إن العقوبات والحوافز هي مفتاح الحل فالتجربة تبين أن الجمع ما بين الحوافز والعقوبات غالبا ما تكون الأكثر فعالية في تحقيق تعزيز المساءلة الاجتماعية. فمن الأفضل أن تقدم مبادرات المساءلة الاجتماعية المكافآت للسلوك المسئول (على سبيل المثال، شهادات تقدير ، ردود فعل ايجابية ، ومكافآت أو ترقية على أساس تقييم العميل) فضلا عن احتمال عقوبة أو عقوبات (على سبيل المثال، اخطار لفت نظر، وإجراءات قانونية، وتخفيض في الدرجة الوظيفية) للسلوكيات الغير مسئولة.
4. يجب أن يوائم أو يتوافق النهج مع السياق. فنهج المساءلة الاجتماعية يعتمد اعتمادا كبيرا على السياق الذي تطبق فيه. ولذلك فإن ما حول القرارات هي الأداة التي ستستخدم ومن سيتم اشراكهم وعما اذا النهج الذى سيتم اتخاذه نهجا سياسيا أو واقعيا وإلى أي مدى ينبغي أن تكون آليات المساءلة الاجتماعية مستقلة أو مؤسسية، يجب أن تتم على أساس كل حالة على حدة.
5. إن الوصول إلى المعلومات ووسائل الإعلام أمر بالغ الأهمية. جودة وإمكانية الوصول إلى المعلومات العامة والبيانات هو أحد المحددات
6. هناك عدد من الشروط الرئيسية لنجاح آليات المساءلة الاجتماعية ولا غنى عن توافرها. في كثير من الحالات، قد تحتاج الجهود الأولية للمساءلة الاجتماعية إلى التركيز على تعزيز حرية الإعلام، ومعالجة عدم رغبة الإرادة السياسية للكشف عن المعلومات، أو تعزيز القدرات التقنية للمؤسسات العامة لتسجيل وإدارة وإتاحة البيانات ذات الصلة. دور وسائل الإعلام المستقلة في تثقيف المواطنين ومراقبة الأداء الحكومي أمر بالغ الأهمية. في العديد من البلدان، يمكن أن تلعب الإذاعة المحلية دورا هاما بشكل خاص في إعلام وإعطاء صوت لسكان الريف و/أو الأميين. وتعتبر الاستخدام الاستراتيجي ودعم كل من الاعلام التقليدي والحديث عامل مشترك لمعظم مبادرات المساءلة الاجتماعية الناجحة.
7. إن أدوات المساءلة الاجتماعية تعمل بشكل أفضل عندما يجد كل من المواطنين (مستخدمي الخدمة) والقطاع العام ( مقدمي الخدمة) المنفعة المتبادلة والقيمة في استخدامها. يمكن للمواطنين التماس مكاسب كبيرة في تحسين الشفافية والتأثير على عملية صنع القرار في القطاع العام. وعلى الجانب الآخر يستفيد مقدمي الخدمات والموظفين العموميين من وجود إدارة شفافة وتحسين شرعية.
8. في بعض الدول قد يكون التزام القطاع الحكومى بالشفافية ومفهوم مشاركة المواطنين في صنع القرار غير متكافئ وفى هذا السياق يصبح تقديم أدوات المساءلة الاجتماعية من خلال مبادرات تجريبية أو يتم تقديمها بشكل تدريجي لحشد الدعم لتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة والحكم التشاركي، وبالمثل، قد لا يكون المجتمع المدني والمواطنين على استعداد لدعم المساءلة الاجتماعية بسبب عدم الثقة في القطاع العام أو عدم وجود ثقافة المشاركة المدنية. وفى هذا السياق يمكن تقديم وادخال أدوات المساءلة الاجتماعية بطريقة تدريجية لبناء مثل هذه الثقافة بتعزيز الطلب على المساءلة من أجل مزيد من الاصلاحات.

رابعاً- المجتمع المدني والمساءلة الاجتماعية في مصر
تشير تجربة مصر في تطبيق المساءلة الاجتماعية حتى الآن إلى قيمتها في تحسين المساءلة وفي تحسين الخدمات بمختلف القطاعات، وفي إعطاء المواطنين قدرة على التعبير عن الرأي بوصفهم المستخدم النهائي. ويعد ما يظهره الربيع العربي من اهتمام متزايد بالحكم الديمقراطي نقطة بداية مهمة لمشاركة المواطنين في تحسين الخدمات، وغير ذلك من المجالات الرئيسية للإدارة العامة، مثل صنع السياسات وإدارة المالية العامة. وتظهر آليات استطلاع آراء المواطنين أن المساءلة الاجتماعية لديها إمكانية حقيقية لإحداث تحول في طريقة تقديم الخدمات الحكومية والعامة.
‏ ومع بدء حكومات المتعاقبة في مصر في إرساء أسس ديمقراطية جديدة عقب ثورتين، ‏يبدو واضحا أن الرسالة الآتية من المواطنين ولا سيما الشباب والمرأة تتمثل في رغبتهم في أن يشاركوا في العملية. ومن شأن ممارسة المساءلة الاجتماعية تسهيل هذه المشاركة، ‏مع تشجيعها لإدخال تحسينات حقيقية على أسلوب عمل الحكومات وعلى الخدمات المقدمة. ‏ويمكن أن يسهم في تدعيم التحول السياسي بعدة طرق مهمة، منها:
‏1- أن يبعث برسالة مفادها أن الحكومة المصرية لا بد أن تلتزم بمزيد من الشفافية والمساءلة، ‏وتسمح للمواطنين بالنهوض بدور نشط في صياغة هذه الإصلاحات وتنفيذها.
‏2- أن يجعل السياسات أكثر اتصالا باحتياجات المواطنين. ويمكن أن يساعد توفير آليات المشاركة في حوار السياسات على الحد أيضا من مخاطر عدم الاستقرار السياسي. حيث كان الإقصاء من أمور الحكم من العوامل المهمة التي كانت سببا لتفجر الثورات العربية.
‏3- تمكين المواطن من المطالبة بخدمات أفضل وبالرقابة على استخدام الموارد العامة، ‏وهو ما يضعه في موقف يجعل منه عنصرا مهما في محاربة الفساد بالجهاز الحكومي والمحاباة وسيطرة النخبة.
وما المساءلة الاجتماعية إلا صورة من صور المساءلة تنبثق عن أفعال المواطنين ومنظمات المجتمع المدني الرامية إلى مساءلة الدولة على سبيل المثال في المخالفات الانتخابية والفساد والانتهاكات الحقوقية وتصحيحها وتحسين عمليات مراجعة الإنفاق العام، وكذلك الجهود المبذولة من الحكومة والأطراف الفاعلة الأخرى (وسائل الإعلام، القطاع الخاص، الجهات المانحة) لمساندة هذه الأفعال.
ومن شأن المساءلة الاجتماعية توفير مجموعات إضافية من المراجعات والتوازنات للدولة من أجل الصالح العام، مما يفضح وقائع الفساد والإهمال والقصور التي لا يتوقع أن تعالجها أشكال المساءلة الأفقية أو لا تقدر على معالجتها. على عكس صور المساءلة الرأسية الأخرى مثل الانتخابات، يمكن غالباً ممارسة المساءلة الاجتماعية بشكل مستمر من خلال وسائل الإعلام والسلطة القضائية وجلسات الاستماع العامة وهيئات المحلّفين المشكلة من المواطنين والحملات والمظاهرات، إلخ. وهكذا فإن آليات المساءلة الاجتماعية تكمّل وتعزز آليات المساءلة الحكومية الرسمية، بما في ذلك الآليات السياسية والمالية والإدارية والقانونية.
في ضوء ما سبق يمكن القول بأن آليات وأدوات المساءلة الاجتماعية تساهم في تعزيز الخدمات العامة والاستقرار والنمو الاقتصادي؛ حيث أن هناك آليات وأدوات مختلفة كثيرة يمكنها تعزيز المساءلة الاجتماعية (مثلاً، تعزيز إمكانية النفاذ إلى المعلومات، أو تعزيز وسائل الإعلام المستقلة، أو استخدام أدوات معينة مثل بطاقات مرئيات المواطنين أو هيئات المحلّفين المشكلة من المواطنين).

وللمساءلة الاجتماعية قيمة جوهرية. ويمكن لآلياتها أن تسهم فيما يلي:
‏- إرساء وتطبيق سياسات تستجيب لمصالح المواطنين.
‏- ضمان تخصيص الموارد للمجالات والخدمات التي يحتاج إليها المواطنين.
‏- رصد تدفق الموارد للحد من الفساد.
‏- مراقبة نوعية ما يقدم من سلع وخدمات.
وعلى نحو أشمل، ‏فإن بيئة السياسات، ‏التي تتسم بالشفافية والتي تساعد المساءلة الاجتماعية على وجودها،‏يمكن أن تؤدي إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية. وتظهر البحوث الاقتصادية أن البلدان التي تتمتع بدرجة أعلى من الشفافية تكون أكثر قدرة على المنافسة؛ وأن ارتفاع معدلات الاستثمار الأجنبي المباشر والقدرة على المنافسة يرتبط بارتفاع النمو.

ويمكن للمساءلة الاجتماعية تعزيز نواتج التنمية والتقدم نحو تحقيق التنمية البشرية بوجه عام علاوة على تحقيق وتوطين أهداف التنمية المستدامة بتعزيز الروابط بين الحكومات والمواطنين من أجل:
· تحسين محور تركيز تقديم الخدمات العامة.
· رصد الأداء الحكومي وتعزيز الحكم المتجاوب أو الحكومات المفتحة.
· التأكيد على احتياجات الفئات المستضعفة في صياغة السياسات وتنفيذها.
· المطالبة بالشفافية وكشف الإخفاق الحكومي والفساد وتعارض المصالح.
· تيسير إقامة روابط فعالة بين المواطنين والإدارة المحلية في سياق اللامركزية.
· تمكين الفئات المهمشة المستبعدة تقليدياً من العمليات المتعلقة بالسياسات.

تجدر الإشارة إلى أنه قد نظمت اللائحة التنفيذية لقانون نظام الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979 وفقا لآخر التعديلات عبر أربع مواد دور المواطنين فى الرقابة والمساءلة الاجتماعية، ففى مادتها (41)؛ للمجلس الشعبى المحلى بالاتفاق مع المحافظ أن يقرر تمثيل المنتفعين من المواطنين فى الإدارة والإشراف على المشروعات والأجهزة والوحدات والخدمات العامة، والتى تقوم على إدارة وتسيير المشروعات والخدمات العامة بالمحافظة، وذلك فى أثنى عشر مجال محلى على النحو التالى؛ التعليم، الثقافة، الصحة، الشئون الاجتماعية، المعاشات والتأمينات الاجتماعية، النقل والمواصلات، الإسكان، المياه، الكهرباء، الصرف الصحى، توزيع السلع التموينية والشعبية، المساجد.
كما حددت المادة (42) شروط التمثيل لضمان الشفافية لمشاركة الفعالة من المواطنين فى الإدارة والرقابة الشعبية المحليين، ومن أهم الشروط؛ النزاهة والغيرة على الصالح العام، مقيم بالوحدة المحلية، لا يكون عاملا فى تلك الجهة الإدارية أو من أعضاء مجلس النواب أو المجالس الشعبية المحلية.
هذا وقد بينت المادتين (43) و(44) دور ومهام لجان المنتفعين وبالتعاون مع الأجهزة المختصة بالمرفق العام فى بحث السياسة العامة للمرفق ومتابعة وتقييم أوجه النشاط بما يؤدى إلى حسن أداء الخدمات، وبغرض الحد من تعارض المصالح ومكافحة الفساد اعتبر ممثل المنتفعين متطوعا مكلفا بخدمة عامة لا يجوز له الحصول على مبالغ أو مزايا أو معاملة خاصة فى التعامل معها، ويحكم كل ذلك بلائحة يصدر بها قرار من المحافظ المختص. تجدر الإشارة فى هذا الصدد أن المادة التى سبقت مواد لجان المنتفعين وإشراك المواطنين، وهى المادة (40) من اللائحة التنفيذية لقانون نظام الإدارة المحلية قد عززت من دور المجالس الشعبية المحلية فى سلطة الرقابة على مختلف المرافق والأعمال فى نطاق المحافظة فى إطار من التعاون بين المجلس المنتخب والجهاز المعين للإدارة المحلية، من خلال الطلب من المحافظ تقديم تقارير الأنشطة مدعمة بالبيانات الإحصائية ومعدلات الإنتاج والخدمات، وعرض تقارير دورية عن تنفيذ خطط التنمية المحلية ودراسة كيفية مواجهة المشكلات والمعوقات.

توصيات للحكومة والبرلمان لتفعيل دور المجتمع المدني في المساءلة الاجتماعية
هكذا بعد هذا الاستعراض، قد اتضح ارتباط مفهوم المساءلة الاجتماعية ارتباطًا وثيقًا مع المشاركة، لا سيما مشاركة المواطنين والمجتمع المدني، والتي تميّز المساءلة الاجتماعية عن الآليات التقليدية للمساءلة . ففي كثيرٍ من الحالات، لا يشارك المواطنين والمجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني في أنشطة المساءلة الاجتماعية فقط، ولكن يتجاوزونها للشروع بالسيطرة عليها. فبينما تركز العديد من المقاربات التشاركية حصراً على المجتمع بصفة أحادية وفردية، توسع آليات المساءلة الاجتماعية فرص المشاركة على المستوى الكلي وتضمن إشراك المواطنين والمجتمع المدني وحتى المحلي في التحليل أو صياغة الموازنات الوطنية وتربط نتائج عمليات الرصد والتقييم التشاركية بالمسائل المتعلقة بالموازنات والحكم على مستويات تقديم الخدمات العامة، الخ.
ويظهر واضحاً أن مؤسسات المجتمع المدني قد نجحت، إلى حدٍ مقبول، في تنفيذ الدور المطلوب منها. وقد أظهرت بأن لديها القدرة التشاركية الذاتية على تحقيق نتائج تشغيلية كبيرة مثل تحسين الأداء واتخاذ تدابير تصحيحية، وكذلك نتائج عملية مثل التغييرات المؤسسية والحكومية والعلاقات التنظيمية والتي تم تحقيقها باعتماد المنهجية المنظمة لمبادرات المساءلة الاجتماعية خلال المراحل المختلفة.
إلا أن ذلك، لا يعني أن نرضى بواقع تطبيق معايير المساءلة الاجتماعية على هذا النحو. فالأمر يتطلب أكثر من ذلك، مع ضرورة تشكيل منتدى أو عنوان واسع؛ تتلاقى فيه معظم مؤسسات المجتمع المدني؛ لتتدارس وتتعاون من أجل خلق حالة متينة ودائمة تساهم في تطبيق مجمل مطالب هذه المساءلة، وتفعيل مضامينها بصورة مستمرة.
خلاصة القول: إن المساءلة الاجتماعية هي التي تدفعنا إلى أداء واجباتنا حين لا يوجد حسيب أو رقيب سوى ضمائرنا. هذه المساءلة هي التي تحركنا لأداء واجباتنا الوطنية والمجتمعية، لذلك غرسها وتعزيزها في المجتمع يصبح ذا أولوية قصوى وأهمية كبيرة لأنها تساعد في توجيه جهودنا وتوظيفها لخدمة المجتمع الذي أصيب بالانحراف الاداري والقيمي.
إن تعزيز حس المساءلة الاجتماعية قضية مهمة للفرد وللمجتمع بأسره. فبدونها لا تنهض المجتمعات ولا تتقدم، وبدونها لا تستطيع الدولة توحيد جهود الأفراد ووضعها في مسارها الصحيح لخدمة أغراض التنمية الشاملة.
فى ضوء على ذلك نقدم فيما يلى عدة توصيات للفاعلين الرسميين وغير الرسميين فى صنع السياسات التى تعنى بدور المجتمع المدنى وتعزيز المساءلة الاجتماعية:
– إن المشاركة النشطة للمواطنين في الشؤون العامة تتطلب بيئة مواتية. فمن شأن سن التشريعات الملائمة للتشجيع على ‏حرية التعبير، وإجراء انتخابات حرة مستقلة ، ‏وحرية تكوين الجمعيات، ‏أن يوفر ضمانات مهمة للمواطنين ينبغي أن تكون لها أولوية في عملية التحول.
– إن تواصل الحكومة مع المجتمع المدني أمر بالغ الأهمية لبناء الثقة وإشاعة الطمأنينة: ففي مناخ ما بعد الثورات الذي يتسم عادة بارتفاع مستوى التطلعات، يمكن للحكومة الجديدة أن تغتنم الفرصة لإشراك المواطنين وأصحاب المصلحة من جميع فئات وشرائح المجتمع في عملية صنع القرار بجميع مستوياتها: سواء منظمات المجتمع المدني، أو المجتمعات المحلية، أو ممثلي الفقراء والمحرومين، أو الجماعات الدينية، أو النسائية. وينبغي دعم هذه المشاركة بآليات ‏للحوار الحقيقي.
– إن إفصاح الحكومة مسبقا عن المعلومات المتعلقة بخططها خلال الفترات الانتقالية يساعد على ترويض تطلعات. فخلال الفترات الانتقالية، تواجه الحكومة تحديات تتمثل في الاستجابة لمطالب متعددة في الوقت ذاته. ويتمثل جزء من نجاح تركيا على سبيل المثال في إدارة الفترات الانتقالية في إعلان خطط عملية واقعية وجداول زمنية متوقعة لتحقيق المعالم الرئيسية لتلك الخطط، وهو نهج أسفر عن مساندة واسعة النطاق للحزب الحاكم من مواطنين لديهم المعلومات اللازمة.
– من الأهمية بمكان الاستثمار في تحسين الخدمات من خلال إقامة علاقات شراكة مع المجتمع المدنى والمستخدمين للخدمات: فالمشاركة الشعبية التي تقودها منظمات المجتمع المدني يمكنها أن تؤدي إلى تحولات ملموسة في طريقة تقديم الخدمات. وجدير بالذكر أن منظمات المجتمع المدني باستطاعتها أن تكون حليفا قويا للحكومة في إحداث التغيير الإيجابي، وعادة ما يتم ذلك في مجال تقديم ‏الخدمات.
– إن المشاركة مع نطاق واسع من أصحاب المصلحة يزيد من شرعية الحكومة الجديدة ومن استدامة الاصلاحات. خلال الفترات الانتقالية تفتقر الحكومة الجديدة ‏إلى الشرعية اللازمة لتنفيذ إصلاحات طويلة المدى. وتواصلت الحكومة مع منظمات المجتمع المدني والأكاديميين ومراكز البحوث والجماعات الدينية والجماعات الطلابية. من الدروس الرئيسية المستفادة أن أي نظام سياسي منفتح وتشاركي يحتوي الجميع ويخضع للمساءلة يستطيع أن يحقق التوافق الوطني المطلوب وإثارة شعور الجماهير بالمسؤولية وكسب مساندتهم لأولويات الإصلاح الوطني والأهداف الإنمائية.
إن الإجراءات المعتمدة على التشاور مع المستفيدين من خلال لامركزية الإصلاحات والتنمية المدفوعة باعتبارات المجتمعات المحلية هي التي تكفل مشاركة المواطنين وتحسين الخدمات: وبالنظر إلى أن التحولات تستغرق وقتا، فإنه يمكن للحكومات الجديدة أن تركز على تنفيذ برامج تعطي نتائج سريعة، كبرامج التنمية المدفوعة باعتبارات المجتمع المحلي. وعلاوة على ذلك، فقد يسهم اتباع الأساليب المعتمدة على التشاور مع المستفيدين خلال عملية التحول في مساعدة المواطنين على تحديد احتياجاتهم بأنفسهم، ويساعد على تدعيم المؤسسات المحلية، وإرساء أسس ثقة المواطنين في الحكومة.
مصادر البحث
– عمرو لاشين، الحوكمة من منظور اقتصادى، برنامج التنمٌية الاقتصادية للأجيٌال القادمة فى مصر والعالم العربى،، الجامعة الأمريكية بالقاهرة، كلية الشئون الدولية والسياسات العامة، برامج تدريب القيادات العليا، فى الفترة من 9 إلى 13 أكتوبر 2016، ص ص 7 -19.
– برنامج الحوكمة والمشاركة المدنية – هيئة كير الدولية – مصر وشبكة المساءلة الاجتماعية بالعالم العربي، برنامج التعلم من أجل الممارسة (L2P)، القاهرة، سبتمبر 2014، ص ص 3 – 6 الدراسة القبلية لمعرفة الوضع الراهن للمساءلة الإجتماعية في الدول الأعضاء للشبكة، فى الرابط التالى:
http://ansa-aw.net/Home/resources/our-knowledge-products/baseline-study
– برنامج الحوكمة والمشاركة المدنية – هيئة كير الدولية – مصر وشبكة المساءلة الاجتماعية بالعالم العربي، برنامج التعلم من أجل الممارسة (L2P)، القاهرة، سبتمبر 2014.
– شبكة المساءلة الإجتماعية فى العالم العربى – ترسيخ ثقافة وممارسات المساءلة الاجتماعية بالعالم العربي؛ فى الرابط التالى
http://ansa-aw.net/Home/resources/our-knowledge-products/baseline-study
– حسين عبد المطلب الأسرج؛ تجربة العالم العربي في تطبيق المساءلة الاجتماعية؛ مجلة العلوم الاجتماعية؛ في الرابط التالى:
http://swmsa.net/articles.php?action=show&id=2114
– مفهوم المساءلة الاجتماعية – منتدى المساءلة الاجتماعية – تجمع لجان المرأة الوطني الأردني:
/http://social-accountability.com/jnfw/a
– مالينا آارمن (وآخرون)؛ المساءلة الاجتماعية: مقدمة إلى الفكرة والممارسات المستحدثة، أبحاث التنمية الاجتماعية المشاركة والعمل المدنى، البنك الدولى؛ رقم البحث 76 – ديسمبر 2004.
– محمد عبد الهادى، انعكاس الحوكمة على مشاركة المواطنين فى المحليات، مجلة الديمقراطية، العدد 65، (القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، يناير 2017)، ص ص 121 – 122.
المصدر: المركز العربي للبحوث والدراسات

عن Eng. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2020) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2020)

شاهد أيضاً

تغير المناخ في مصر .. ما بين التهديدات وسبل المواجهة

شبكة بيئة ابوظبي: بقلم ريم عبد المجيد، المركز العربي للبحوث والدراسات، 25 يناير 2020 كان …