الأربعاء , أكتوبر 16 2019
أخبار عاجلة

الحكاية من أولها

وأنَّى شِئْتِ يا طُرُقي فَكُوني أَذَاةً أو نَـجَـاةً أو هَلاكـا (المتنبي)
1
لأن المعرفة كانت في الأصلِ، شجرةً مُغريةً وشهيّةً؛ فلقد مَدَّ الرَّجُل الصّلصاليّ الجائع والعاري يدهُ، وأكلَ منها. ولأنهُ عُلِّم الأسماء وحدها؛ فلقد أراد معرفة الأفعال أيضاً. ولأنهُ رفض البقاء على جَهْلهِ، فلقد حاول أن يعرفَ ذاتهُ، وما حولهُ، ويصبح عارفاً بما يجهل.
كان يريد أن يعرف فقط لا أكثر. لكنهُ قُذِفَ بهِ في شبهِ انتحارٍ مُعْلنٍ، من حافَّةِ الأزلياتِ البكرِ، إلى مفازات أرضٍ قَفْر. وهكذا، رفضتهُ السّماء في ابتدائها، وحاربهُ الشّيطان، وحُكِمَ عليهِ – مع آلهِ – بالنفي الأبدي.
2
الرَّجلُ السَّاقط من الأعالي، في زمنِ اليباب المطلق. نَفَتْهُ معرفتهُ وافتدى بسقطتهِ الكبرى تلك، انبعاث الجنس البشري برمّته.
3
المنفى إذاً، كان شرط الوجود وقرين المعرفة. والمنفي كان سبب الموجود وقرين العارف.
4
المعرفة ينبوع حياةٍ متحوِّلةٍ. إلاَّ أنها شُرِطَت بنفي مَن يطلبها.
لكن متى نعرفُ من دون أن نُنْفَى؟ ومتى لا تصبح المعرفة منفى؟
5
لا تستوي المعرفة مع الأغلال، ولا يتقدّم العارف من دون حريةٍ يستحقها.
6
الحريّة شرط المعرفة. شرط الحياة. شرط المحبّة. شرط آدميتنا.
وكلّ ما عدا ذلك، دُخان وغبار.
7
أرضٌ توضعُ في صندوقِ زجاج. هي جثَّةٌ توضع في متحف شمع.
ومعرفةٌ تتبعها غيمةٌ من السَّكاكين. هي حياة تساق إلى حتفها حتماً.
8
هكذا هي الصورة الانطولوجيّة، لمصير المعرفة في بقاعنا.
معرفة حرِّمت علينا في الأعالي. ومعرفة حرِّمت علينا في الأسافِلِ.
يا للكارثةِ. يا للهول! فكيف نفكِّر إذاً؟ ولماذا نوجد؟ وأين نعيش؟ وإلى أين نمضي؟
9
في ظروفٍ وحشيّةٍ ولا إنسانيّةٍ، مثل هذه التي نعيشها اليوم. وفي ظل ذهنياتٍ إسمنتيّةٍ حقيرةٍ، ومتطرفة في تعصّبها، مثل تلك.
تصبح المعرفة حقل ألغام، ويصبح العارف شهيد لُغْمٍ اعتباطي.
10
المعرفة. قالوا: خطيئة، والجهل إيمان. والحريّة جريمة، والجهل غفران!
هكذا ظلَّ أولئك القتلة والجهلة، مَنْ استقالوا من التاريخ. يعقرون بأحقادهم وفتاويهم، فضاء الدّين والدّنيا، ويدفنون المعرفة.
ولكن، كيف لنا أن نصدِّقَ هذا الهراء كله؟ والضحايا يتساقطون كالمطر في كل مكان، بسبب أفعالهم الدنيئة.
11
إذا كانت المعرفة خطيئة، فهل كان مِن الممكن بدونها، أن يؤمن الإنسان أو يثق بأي شيء؟ هل كان سيتعرّف على ذاته وعلى العالم من حوله؟ وهل كان سيعرف كيف يفرِّق بين حقيقة الخير والشَّر، أو الصواب والخطأ؟ ثُمَّ لو لم تبزغ كلمة (منفى) في فضاء تلك الأبدية المتعالية. هل كان للخليقة أن توجد؟ وهل كان للحياة من وجود أصلاً؟
12
نعم. ليست المعرفة خطيئة، يُعاقب عليها المرء بالنفي والاغتراب.
الخطيئة هي ألَّا نعرف وأن نُحارب المعرفة، وأن نعبد الجهل كصنمٍ،
وأن نستبدل أدمغتنا بحجر، وأن نعيش كغبار.
13
العارفون بالجهل قِلة، والجاهلون بالمعرفة كثر.
14
أدعياء المعرفة ومسوخها، يكمن خطرهم في أنهم يلوِّثون البيئة الذهنية والروحيّة للمجتمع، كما يلوثون المياه الصالحة للشُرب. وما علينا سوى تعقيم أرض المعرفة، وتنقيتها من سمومهم.
15
المعرفة ليست أن نَعْرِفَ ما يُعْرَف وأن نطفو على السطح كالأخشاب.
بل إن نَعْرِفَ ما لا يُعْرَف وأن نرفع الألماس من الأوحال.
16
عندما تبدو المعرفة، على أنها أرض السفر ووطن المجاهيل، يظهر العارف على أنهُ مسافر أبديّ في تلك الأرض الخفية ذاتها.
17
العارف ليس مَنْ شَدَّ وثاقهُ بوطنٍ، وجلس يهذي كالمعتوهِ تحت خيمتهِ.
العارف من رفع الوطن إلى مستوى المعرفة، إلى مستوى الحلم، إلى مستوى الحياة ذاتها. واستطاع حَمْل وطنه معهُ إلى أقصى العوالم وأكثرها مشقَّة للعقل والحلم والروح.
18
أجل! الأوطان تعيش في داخلنا. لكنها تسافر أيضاً. وتتنقل من مكانٍ إلى مكان، كالبواخر والطيور والغيوم والقصائد والأقمار السيّارة، وتعود إلى موقعها من جديد.
انظروا. أليس كوكبنا الصغير والجميل هذا، هو الذي يدور حول الشّمس؟
19
الوطن إذاً ليس جغرافيا ولا اسم فحسب. الوطن عشق وسؤال مفتوح
وتمكين من حقّ السؤال والمساءلة والاستنتاج.
20
العارف بالنسبة للوطن شفاعة وميلاد شيءٍ جديد، والجاهل ريح نَكِرة تميل كلما مِلْنا.
21
ما أكثر مَنْ يثرثرون عن الأوطان ويتشدقون بقشورها،
وهم أكثر من يجهل معناها، وأسرع من يتسابق على إفسادِ روحها وقبرها.
22
المعرفة طعام طازج مطبوخ للتّو، والعارف هو طبّاخ ماهر يضفي على الطعام نكهتهُ ونَفَسهُ، في كلّ طبخةٍ جديدة.
23
ما يُعرف هو خبز يابس يكسر الأسنان.
وما لا يُعرف هو خبز طازج يذوب في الفم.
24
ما يُعرف هو في مُلك الغير، وما لا يُعرف هو في ملك الذات الشغوفة والمسافرة وحدها من دون توقف.
25
إن تسمِّية الشيء المسمّى سلفاً، لا تعني أي شيء. إنها ترداد ببغاوي لما يُقال. الخروج من تابو التسمِّية، وتحطيم نظام الاسم والفعل؛ ثم العودة المرفرفة لأصل الشيء في ذاته، هي المعرفة على أصولها، بل هي أيضاً الإبداع في المطلق.
26
ما إن ينفصل المرء عن الخَلْقِ والأشياء، حتّى يعثر على حريته الضائعة، ويخرج من الأسوار العالية للحماقة والخداع والعبودية، ويسقط من مَشيمة الصور الزائفة.
27
البواطن درس المعنى. وطن الذات والعالم المجهول، وهي الفضاء الخُلَّبيّ للمنفى.
28
ما فائدة الجري وراء سرابٍ كاذبٍ لا يُورثنا سوى العماء والبلاهة؛ بينما الينابيع الصافية تسيلُ في دواخلنا ولا نراها.
29
مَنْ مشى على رأسهِ معتقداً بمُلُوكيتهِ، كان من الأجدى لهُ أن يتخلى عن حُلْمِ المملكة، ويتَعَلَّم كيف يمشي على قدميهِ أولاً.
30
ليس كلّ من وضع التّاج فوق رأسهِ صار مَلِكاً.
وليس كلّ من تسوّل في الطرقات أصبح شحاذاً.
هذا هو الفرق، بين ظاهر الشيء وباطنه.
31
بوذا الكبير كان أميراً ومن نسل ملوك، ولكنه من أجل بلوغ حقيقة الاستنارة الكبرى، لبس ملابس النُسَّاك وتسوَّل قُوْتهُ مثل الشحاذين تماماً. والمهاتما غاندي، كان الرئيس الفعلي لهند ما قبل الاستقلال، ولكنه مات مُعدماً، ولم يضع التّاج، ولم يقبل بهذا المنصب ولا بغيره مطلقاً.
32
إذا كان الواحد منّا، يأتي لهذا العالم مشروطاً بوزر خطيئةٍ لم يرتكبها، ولم يعشها، ولا يعرف عنها شيئاً. فهو محكوم عليهِ إذاً، بالنفي غيابياً قبل الولادة.
أليس هذا منتهى الوقاحة، ومنتهى العبث أيضاً؟
33
لا يعيش الإنسان لكي يكفِّر عن خطأ لم يرتكبهُ، بل يعيش لكي يرتكب أخطاءً جديدةً تدُلّهُ على تخوم الحقيقة.
الإنسان، أولاً وأخيراً، هو حقيقة أخطائه!
34
عندما يُلْغَى الخطأ من الوجود، لا يعود للوعي ولا للتجربة ولا للحقيقة من وجود. وجود مجهول لكائنٍ جاهلٍ بالأحرى.
35
هناك خطأ فرد. وهناك خطأ مجتمع. هناك خطأ دولة، وهناك خطأ أُمَمْ.
فَرِّق ما بينهم، يتعافى ذهنكَ وتَسْلَم.
36
الأخطاءُ أحياناً، وربما في كلِّ الأوقات، تُوَرَّث مثل الجينات.
من جِيْلٍ إلى جِيْل، ومن قَرْنٍ إلى قرن، ومن ثقافة إلى ثقافة.
وهذه أقبح الأخطاء، وأكثرها مدعاةً للكشف والهجوم.
37
الخطأ دجّال. يحلو له تقديم نفسه للبُلْهِ، على أنه هو الحقيقة ولا شيء سواه. ولكن أمام الحكماء تراه يمسح أحذيتهم.
38
لا تعاتب الكلب. لأنهُ نبح عليك، بل عاتب أُذُنكَ التي أصغت إليهِ،
وعقلكَ الذي أدخله إلى رأسكَ.
الخطأ كلب عوَّاء أيضاً!
39
ليس أخطر على العالم وعلى الحياة، من فرض الحقائق المطلقة على الناس والشعوب.
فباسمها وبسببها، ما زالت ترتكب أفظع المجازر والحروب والمآسي الإنسانية. الحقائق المطلقة أخطاء مطلقة.
إنها عصبية قَبَلِية، تَجُبُّ ما قبلها وما بعدها.
40
الجهل والوهم وقود الخطأ، والخطأ وقود التجربة، والتجربة وقود المعرفة، والمعرفة وقود السفر، والسفر وقود المجهول، والمجهول وقود الإبداع، والإبداع وقود الحقيقة. فانظر، في أيّ واحدةٍ منها، أنتَ تُقيم؟
41
ليس المنفى حالة وقتية وآنية، تنتهي بانتهاء المسبب في وجودها. إنها بالأحرى مشروع حياة كاملة، تبدأ من الولادة وحتى الممات.
42
مَنْ يظن الوطن خالياً من المنفى، هو أشبه بمن يظن أن المنفى خالٍ من الوطن.
وَهْمَان لغَبِيَيْنِ في حالةِ سُكْر.
43
وسِّعْ عليك منفاك، تَسَعُ نَفْسكَ ويَسَعكَ العالَم. ضيِّقْ عليكَ منفاك، تصبح قبراً والعالَم يصبح شاهدة قبرك.
44
حين يُسَيَّس المنفى، يصبح حجاباً وسيركاً وغطاء تابوت.
وحين يتم التخلي عن هذا الرداء المصطنع، يصبح حريةً ووطناً منشوداً للجميع.
45
المنفى المُسَيَّس هو، صُدْفة سيئة الحظ والمآل وقابلة للزوال.
والمنفى الأنطولوجي هو مصير حتمي لطالب المعرفة الجديدة على طول الدرب.
46
يصبح المنفى كذبةً خالصةً ومكاناً وَحْلِيّاً بامتياز، عندما يتحوّل إلى سوق لبيع الضلال وشراء الذِّمم، وتطفو فوق مياهه النقية بقعة هائلة من زبالة الخديعة.
47
الوطن الحقيقي للمنفى: هو خارج الزمان والمكان. خارج كل الأوطان والبلدان. بل هو خارج كل عتاقة وماضوية. إنه هناك، في تجليات الجديد دائماً.
48
لا يحكم المنفى أحد، ولا يحرسه أحد، ولا يوجد على الخريطة، ولا يصل إليه كل من هبَّ ودبّ كذلك.
49
المنفى يشبه الشّعر. يشبه القصيدة المنفية.
50
لا يوجد المنفى في لبوس الخارج. الخارج أحياناً خديعة المنفى. شكله الزائف. صورته المشوهة. المنفى الصافي دائماً في الداخل. يرقد في أحشائنا، ويكبر في أرواحنا، ويسير معنا أينما سرنا.
51
لو لم يعلم ديوجينس الكلبيّ، بأن المنفى يسكنُ في داخله، وأن الحقيقة تحتاج إلى أكثر من نور الشّمس، وأن الحياة لا تُعَرَّف بقشورها.
لما اختار الإقامة في برميل. ولما حمل فانوساً في وضح النهار وسار يتجوّل في شوارع أثينا كالمسرنم.
52
بالنسبة للبعض، يبدو المنفى مكاناً وحشياً وكارثياً بامتياز. وللبعض الآخر، يبدو شاطئ نجاةٍ يستحق التضحية بالنَفْس للوصول إليه.
اسألوا أصحاب الهجرة السرِّية مثلاً، يخبروكم بذلك؟
53
الورقة التي سقطت بسبب العاصفة بعيداً عن محيط الشجرة، قد تبتعد وتموت ولا تعود إلى مكانها أبداً.
بينما الصخرة المغبرة التي سقطت من قمّة الجبل إلى قاع النهر.
قد تغادر موطنها مثل الورقة تماماً. ولكنها قد تتحوّل إلى بيت للأسماك والنباتات، وينمو فوقها العشب وتغمرها المياه العذبة في كل حين.
54
أيُّها الغريب. أرْزُنْ في قاربِ المنفى وتأمَّل.
الرِّيح عاصفة، الدرب طويل، والساحل لا وجود له.
55
المنفى قيثارة أروفيوس السّاحرة. حجر الفلاسفة الثمين.
ولكن مَنْ يجيد العزف عليها، ويُحوِّل الرَّماد إلى ذهب؟
56
الرجل الذي سقط من حافَّة الأزليات، وتحمَّل رضَّة المنفى الكبرى من أجلنا جميعاً، ألا يستحق – على الأقل – يوماً عالمياً واحداً لذكرى ولادتهِ؟
المصدر: الاتحاد: عبد العزيز جاسم 24 أبريل 2019 – 12:20 AM

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2017) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2017)

شاهد أيضاً

“التوعية المرورية: حياتك غالية”

مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية يعقد محاضرته رقم (687) شبكة بيئة ابوظبي: الامارات، أبوظبي 20 …