الأربعاء , يونيو 26 2019
أخبار عاجلة
الرئيسية / إعلام مستدام / ثقافة مستدامة / الهند.. أُعطية الفصول

الهند.. أُعطية الفصول

– أرض عجائب الثقافات والفنون والنمل الكاشف للذهب
– الكهوف الهندية هي “دارات للفنون” قائمة بذاتها وأشهرها كهوف أجانتا في ولاية مهارشترا وفيها صور ملونة لم تتغير منذ آلاف السنين
– حضارة وادي السند هي من أقدم الحضارات في الهند وهي تؤشر على أن القدماء كانوا يقطنون على ضفاف الأنهار
– يعد “الفيدا” اقدم كتاب ليس في الهند فحسب وإنما في العالم كله وهو يمثل ديانة تعتمد البساطة وتقديس الطبيعة

تتجلى عظمة الهند أكثر ما تتجلّى بتعدديتها الإثنية والدينية والمعتقدية والثقافية واللغوية والحضارية منذ آلاف السنين، ولذلك هي أرض التاريخ العريق والآثار العجائبية التليدة والفنون الجميلة المتولّدة والمتطورة برسوخ (ولا سيما البدئية منها) منذ عصر ما قبل التاريخ وحتى القرن العشرين الميلادي.
على الرغم من تقدمها وتطورها العلمي والتكنولوجي، ما زالت الهند على طبيعتها البكرية. ومن مظاهر هذه الطبيعة البكرية الخالدة ما نشاهده في أودية كشمير المتوجة بالثلوج، وبرج الجذور الحيّة في ولاية ميغالا المكّون من جذوع شجر المطاط والجوز معاً، وقد وصفه كلود ليفي شتراوس بـ«المنحوتة الطبيعية الأكثر سحراً في العالم». وهناك شلالات شوجيناكال في ولاية تاميل نادو، الذي يخلق رذاذها دخاناً من الماء الأنقى فيه شفاء للناس أكثر من العسل، علاوة على رمال صحراء ولاية راجستان المضاءة بنورها الأحمر الشفاف، و«قصر الرياح» في عاصمتها جايبور، هذه التحفة المعمارية التي بنيت على شكل تاج كريشنا إله الهندوس.

أرض الرحالة
وعُرفت الهند أيضاً بأنها أرض الرحالة العظام في التاريخ، مثل اليوناني ميغاسثينيس والصيني فاهيان، فضلاً عن البيروني وابن بطوطة والخوارزمي من العرب والمسلمين.
وتكمن أهمية ميغاسثينيس أنه أول رحالة يوناني أو غربي قدم إلى الهند، ليس بصفته سفيراً لملك اليونان سيلوكس في القرن الثالث قبل المسيح فقط، وإنما في تجواله في هذه البلاد الشاسعة طولاً وعرضاً، ووضعه كتاباً مفصلاً عن الهند، تطرق فيه إلى تقاليد وعادات أكثر من 118 جماعة هندية، وإلى نمط عيشها وسكنها وآدابها وفنونها وسياساتها ونظم حكمها. كما يمكن اعتبار كتابه سجلاً حافلاً بالمعلومات عن الأعراق الهندية المختلفة وحكماء الهند وفلاسفتها في ذلك الزمن، فضلاً عن أنواع الحيوانات المفترسة والعقارب الملونة والثعابين العجيبة والأفيال البيض والنمل الكاشف للذهب. ومن خلال هذا الكتاب الفريد، لم يطّلع أهل اليونان على أحوال الهند الحضارية والحياتية الطبيعية فحسب، بل اطلعت معهم أيضاً عليها سائر البلدان الغربية.
أما الرحالة الصيني فاهيان، فيُعدّ ثاني أهم رحالة زار الهند في منتصف القرن الخامس الميلادي؛ وكان من أتباع الديانة البوذية والإيغال المعرفي التفقّهي بتعاليم غوتاما بوذا، لذا زار كلاً من ولايات بيهار وبنغال وبنجاب وأترابراديش.. وغيرها.. وغيرها، وألّف كتاباً عن رحلته تطرق فيه إلى سكان تلك المناطق وإلى تقاليدهم وعاداتهم وحسن ضيافتهم ومدى صداقتهم للغريب وحال المودة والإخلاص فيما بينهم. وتعد كتاباته مصدراً من مصادر تاريخ الهند للقرن الخامس الميلادي، وتتيح لنا فرصة الاطلاع على آثار الحضارة الهندية السائدة قبل ألف وخمسمائة سنة.
وفي أواخر القرن العاشر الميلادي بدأ اهتمام العرب والمسلمين بالهند، خصوصاً بعد الحملة العسكرية التي شنّها محمود الغزنوي على البلاد، ما أدّت نتائجها إلى قدوم كثير من جموع المسلمين ومعهم نخب أدبية وفكرية وعلمية ومتصوفة، فضلاً عن مؤلفين موسوعيين. وفي تلك الفترة قَدِم الرحالة أبو ريحان البيروني إلى الهند؛ وكان مولعاً للغاية بلغة هذه البلاد وأدبها وفنونها وعاداتها وتقاليدها، فاختلط مع القوم حتى تعلّم اللغة السنسكريتية وأكثر من مطالعة كتب الأدب والتاريخ والفنون بتجلياتها المختلفة آنذاك، حتى تمكن من تأليف عدد من الكتب عن الهند ومن أشهرها كتاب الهند، حيث ألقى فيه الضوء بشكل مسهب على المجتمع الهندي والأديان والعلوم الطبية والفلسفة والكيمياء والجغرافيا وعلم صناعة الأصنام والأعياد وعلم الفلك وغيرها من العلوم. ويشتمل هذا الكتاب على 180 باباً ويقدم مشهداً شاملاً للأوضاع الاجتماعية والثقافية السائدة في الهند خلال فترة تمتد من أواخر القرن العاشر إلى مستهل القرن الحادي عشر الميلادي.
وبعد مرور أربعة قرون تقريباً، أي في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، وصل رحالة كبير ومعجز من المغرب، اسمه عبدالله محمد ابن بطوطة إلى الهند في عهد السلطان محمد بن تغلق. ويقال إن ابن بطوطة قطع المسافة من شمال إفريقيا إلى إيران والهند وحتى الصين لوحده مشياً على الأقدام، وزار مدن الهند جميعها، وأدرج في مذكرة رحلته، بقدر من التفصيل، حديثاً عن سكانها وأمرائها وملوكها، حيث يكتب في أحد الموضوعات: «إن نظام البريد في الهند ممتاز. تُقطع المسافة بين مدينتي دلهي وملتان عادة في خمسين يوماً، ولكن الأخبار عن طريق البريد تصل في غضون خمسة أيام فقط. فالبريد قسمان: قسم عن طريق الحصان، والآخر عن طريق المشي على الأقدام، حيث يتبدل الساعي بعد مسافة معينة، مما يضمن وصول البريد بسرعة وسهولة».

«دارات» الفنون
على مستوى الفنون الجميلة بتنويعاتها في الهند، فلا بدّ من القول إنّ الكهوف الهندية، هي «دارات فنون» قائمة بذاتها منذ سحيق الحقب، ومنها مثالاً لا حصراً، كهوف أجانتا التي تقع في ولاية مهارشترا، وتتمتع بشهرة عالمية لما يوجد فيها من صور قديمة نادرة تعود إلى فترة ما بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي، اضطلع بها البوذيون كجزء من نشر فلسفتهم الدينية عبر الأساليب الفنية، وشيدوا فيها الأنصاب التذكارية المعروفة بـ«ستوبا». ويبدو من خلال مشاهدة الصور المرسومة على الجدران أن الأيدي الفنية البارعة، هي التي رسمت تلك الصور بالطين، ثم لونتها بألوان مختلفة بدرجة حرارة معينة. والألوان التي استعملت في هذه الصور تشمل بشكل أساسي الأحمر والأصفر والبني الداكن والأخضر والأزرق، فضلاً عن استخدام الكلس والصمغ وبعض المواد الأخرى للتلوين. ومما تتميز به هذه الألوان أنها لم تتغير، على الرغم من مضي آلاف السنين.
هذه المعلومات وغيرها الكثير يتضمنها كتاب مهم للغاية عنوانه «تاريخ الهند: ثقافتها وفنونها الجميلة» للمؤلف الهندي عتيق رحمن صديقي، ترجمة د. حبيب الله خان ومراجعة د. زبير أحمد الفاروقي. والكتاب المنقول إلى اللغة العربية للمرة الأولى عن اللغة الأردية، سيصدر في غضون شهرين ونصف الشهر عن «مؤسسة الفكر العربي» في بيروت.
تجدر الإشارة، وكما نعرف من الكتاب، إلى أنه أُلِّفت كُتُبٌ كثيرة حول تاريخ الهند وثقافاتها وفنونها الجميلة في لغات الهند المُختلفة، وبخاصةٍ اللُّغة الإنجليزيّة، التي لم يكتب بها المواطنون الهنود فحسب، وإنّما عددٌ لا يستهان به من المؤرِّخين وأساطين الفنّ والثقافة والمحقِّقين في مجال الآثار القديمة من البلدان الأخرى أيضاً. ولكنْ لا يتوافَر كِتاب باللُّغة الأرديّة يُلقي الضوء على جوانب هذا الموضوع كافّةً، والكُتُب التي وُضِعَت في هذه اللُّغة ليست إلّا تراجم للكُتُب الإنجليزيّة أو تتناول تاريخَ الهند فحسب، أو أنّها مخطوطاتٌ تتعلّق بالتاريخ الإسلاميّ أو تاريخ القرون الوسطى وقد حقّقها ونشرها بعض عُلماء اللُّغة العربيّة والفارسيّة.

وادي الحضارة
بحسب المؤلف زوِّدنا ويزوّدنا عِلمُ الآثار القديمة بموادَّ تُساعدنا في الكشف عن حقائق العصور الماضية، ونعثر عليها في أحايين كثيرة إبّان عمليّة الحفر للأراضي، وهي تتجلى في الأواني الفخّاريّة القديمة، والأسلحة والكِتابات والمباني الأثريّة القديمة. وبهذه الطريقة، اكتشفنا، من أقدم الحضارات في الهند إلى حدّ الآن، «حضارة وادي السِّند» التي يعود تاريخها إلى حوالي خمسة آلاف سنة. ثمّ تمّ العثور على بعض العِبارات المكتوبة على الصخور والجلود والنّحاس وأوراق الأشجار، وهي بالخطّ البراهمي (Brahmi) أو (الخاروسثي) (Kharosthi)، لأنّ الإنسانَ لم يتمكّن من اختراع الورق قبل القرن الأوّل الميلاديّ. وهذه الكِتابات تدلل بالمعلومات على حضارة العصور القديمة وحياتها اليوميّة. فضلاً عن ذلك، هناك الأوبانيشادس (Upanishads) والأساطير والملاحم، بما فيها الرامايانا (Ramayana) والمهابهارتا (Mahabharata) والبوراناس (Puranas) وقِصص الجاتاكا Jataka)) البوذية التي تفيدنا بالمعلومات عن عصورها.
إذاً، تعد حضارةُ وادي السِّند أقدمَ حضارةٍ في الهند، ومن مُدُنِها الرئيسة هارَبَّا وموهينجو دارو اللَّتان تمّ العثورُ عليهما خلال الحفريّات الأثريّة، ويعود تاريخهما إلى خمسةِ آلاف سنة، وهما من المُدن الحضاريّة التي نشأت وازدهرت في ذلك العصر. والموادّ الأثريّة القديمة مثل المباني والمجوهرات والهياكل البشريّة القديمة والأواني الفخاريّة، التي تمّ اكتشافها في كالي بانغا ولوثال وروبار وغيرها من الأماكن، تُلقي الضوءَ على حضارة وادي السِّند، وتدلّ على أنّ الناسَ في قديم الزمان كانوا يقطنون على ضفاف الأنهار، ومنها على سبيل المثال نهر السِّند في الهند غير المنقسمة، والنيل في مصر، والفرات في وادي الرافدين، ويعود تاريخ هذه المستوطنات إلى الزمن نفسه.
قبل حوالي ألفَي سنة من ولادة المسيح، شهدت الهندُ عصراً مهمّاً للغاية، ظهر خلاله على السّاحةِ الهنديّة الشعب الآريّ. وقد أجمَع المُحقِّقون على أنّهم دخلوا بلاد بهارات (Bharat) عابرين بلدان آسيا الوسطى، واستوطنوا منطقة بنجاب على ضفاف نهر ساراسفاتي (Sarasvati)، واستولوا تدريجياً على المَناطق المُجاوِرة، وكانوا أكثر تقدُّماً من ناحية الحضارة والمهارة العسكريّة مقارنةً بالشعب المحليّ، وكانوا يمتلكون وسائل الحرب المتطوِّرة، وانتشروا بشكلٍ تدرّيجيّ في المناطق الواقِعة في سهول نهر الغانج (Ganges) في شمالي الهند، وفي الدكن (الاسم القديم لمدينة حيدر آباد في جنوب الهند) حتّى جبال فيندهياشال (Vindhyachal)، واطّلعوا على أهمّ كِتاب دينيّ وأقدسه وأقدمه في الهند، وهو «الفيدا» (Vedas). يُعَدّ «الفيدا» أقدمَ كِتابٍ ليس في الهند فحسب، وإنّما في العالَم كلِّه، وهو يُمثِّل ديانةً تعتمد على البساطة، وفيه ذكرٌ للقوى الطبيعيّة التي قد شهدها الناس وجرّبوها، وهي متمثِّلة في طلوع الشمس وغروبها، وفصول الشتاء والصيف، والرِّياح والأمطار والفيضانات، ولكنَّ الذهنَ الإنسانيّ لم يستطعْ أن يُدركَ كيف تحدُث هذه المظاهرُ ومَنْ هو المسؤولُ عن حدوثها؟ فبدأوا يعبُدون مثل هذه القوى الطبيعيّة، باعتبارها القوى الكبرى في العالَم، ونجد ذكرها في كِتاب ريغ فيدا (Rigveda)، فأصبح الشعب الآريّ أيضاً يؤمِن بالفيدا ويَعتبِر هذه القوى قوًى إلهيَّةً، يعبدُها ويصلّي لها، ويُقدِّم لها القرابين والأضاحي عند الشدائد.
قام الشعبُ الآريُّ بوضع قاعدةٍ للمجتمع بحسب الضرورة، وبموجبها قسّم المجتمع إلى أربع طبقات هي: طبقة البراهمة (Brahmin)، التي تكوَّنت مِمَّنْ كانوا مرتبطين بالأمور الدينيّة، وطبقة التشاتريا (Kshatriya) وكان أفرادُها مهرةً في فنّ القتال، وطبقة «فَيْشيا» (Vaishya)، التي اشتغلت بالتجارة والزراعة، وطبقة شودرا (Shudra) التي كانت تشتغل بالمِهن الدنيئة والمحتقَرَة، وكانت شؤون المجتمع تُدار على أساس هذا النظام، وازدهر الشعبُ الآريُّ وانتشر في أنحاء الهند كافّةً مُمثِّلاً الحياة الحضاريّة، ويُعدّ ذلك الزمن العصر الأخير من عصر الفيدا. وفي هذا العصر قُسِّمت الفيدا إلى أربعةِ أقسام، ثمّ في الفترة اللّاحقة ظهر كِتابان هُما: رامايانا ومهابهارتا المليئان بالنَّصائح. يحتوي كِتاب رامايانا على قصّة الأمير راما من منطقة آيودهيا، وقِصص زوجته سيتا، ورافانا. أمّا المهابهارتا، فيحتوي على قصّة الحرب بين ملك هاستينابور وأولاده باندواس (Pandavas) وكورافا (Kaurava)، وقد حدَثت هذه الحرب قبل ولادة المسيح بحوالي ألفٍ ومئة سنة، وجزء خاصّ من هذا الكِتاب يُعرَف باسم بهاغافادغيتا (Bhagavad Gita) الذي يحتوي على القصّة الكاملة لكريشنا (Krishna)، ومن هنا تبدأ الديانة الهندوسيّة في الهند.

شجرة التين
في تاريخ الهند القديم، وكما نعرف من الكتاب، يحظى القرنُ السادسُ قبل الميلاد بأهميّة كبيرة على الصعيد العالميّ، حيث وُلِد في هذا العصر بعضُ الفلاسفة والمُصلِحين مع رسالاتِ الخير والسلام، ومنهم فاردهامانا مهافير (Vardhamana Mahavira) وغوتاما بوذا (Gautama Buddha) اللّذان قاما بتأسيس الديانة الجينيّة والديانة البوذيّة على وجه الترتيب. والقاسم المشترَك بين هاتَين الشخصيّتَين هو أنّهما رفعا صوتَهما ضدّ المعتقدات البالية والشرور الاجتماعيّة والتَّضحية بالحيوانات والعنف وحياة الطَّرب والتَّرَف. وإنّه لمن محض المصادَفةِ أنّ في زمنٍ واحدٍ تقريباً انطلقت التعليمات المماثِلة من كِلتا الدِّيانتَين في مُدن الهند الشرقيّة أمثال فيشالي وكاشي وراج غير.
وُلد فاردهمانا مهافيرا مؤسِّس الديانة الجينيّة، في العام 540 قبل الميلاد قرب مدينة فيشالي في ولاية بيهار، في أسرة ملكيّة، ولكنّه آثر أن يتخلّى عن حياة التَّرَف والرَّغَد، ويقود حياة الزهد والتقشُّف، وبعدما بلغ الثالثة والأربعين من عمره، وقد أمضى ثلاثةَ عشرَ عاماً على التوالي في التأمُّل الرّوحيّ، قدّم أمام الناس التعليماتِ الفلسفيّةَ للدِّيانة الجينيّة المبنيَّة على الكرم والجود والنجاة وفلسفة اللّاعنف، ووَجَدَ في هذه الأمور حلاً لنجاة الإنسان، وتوفّي في العام 468 قبل الميلاد، عن عمرٍ يُناهِز 72 عاماً، في منطقة ماغاد قرب راج غير.
أمّا غوتاما بوذا، فاسمُه الأصليُّ هو سيدهارثا (Siddhartha)، وهو أيضاً ابنُ الملك، وُلِد في العام 563 قبل الميلاد قرب كابيلا فاستو (Kapilavastu) في ولاية بيهار، تزوّج، وهو ابنُ السّادسة عشرة، من أميرةٍ جميلةٍ اسمُها يشودهرا، فأنجبتْ له ابناً سُمِّي بِـ راهول، ولكنّه سرعانَ ما تبرّم من حياة الرَغَد والتَّرَف، وسَئِم من الحياة بعد ما رأى مظاهر الموت والمُعاناة والفقر والمرض، وتيقّن بأنَّ الحياةَ الدنيويّة فانيةٌ، وأنّ الإنسان يعاني بعد الشباب من المشكلات والشيخوخة، ما دفع به ذات ليلةٍ، وهو في سنّ التاسعة والثلاثين، للخروج من القصر فجأةً واللُّجوء إلى مكانٍ بعيد في الغابة والاختفاء فيه، حيث نبذ مَباهِج الحياة الدنيويّة جميعها، وأمضى ستَّ سنوات على التوالي في العبادة والتأمُّل. وذات يومٍ عندما كان جالساً تحت شجرة التين الهنديِّ في بوده غايا (Bodh Gaya)، غارقاً في تأمُّلِه وعبادته، رأى شعاعاً من النّور، ووَجَدَ فيه وسيلةً للنجاة، ومنذ ذلك الحين عُرِف باسم غوتاما بوذا، وأسّس الديانة البوذِيّة، وألقى أوّلَ خطبةٍ له في سارناث (Sarnath) قرب مدينة فارانسي. قدَّم فيها أمام العالَم فلسفةً مفادُها أنّ الدنيا مليئةٌ بالهموم والأحزان، والسببُ الوحيدُ لهذه الأحزان هو الحبُّ المُفرِط للدُّنيا، والطريقُ الوحيد للتخلّص من هذه الأحزان هو أن يتخلّى الإنسانُ عن الملذّات والمَباهِج الدنيويّة، وأن يكون صادقاً مع نفسه ومع الآخرين ومع الحياة نفسها.
لقد أولى غوتاما بوذا كلمةَ الصدق أهميّةً كبيرةً، وشدَّد على اتِّباع الصدق والإخلاص في الأفعال كافّةً، واعتبر التطرُّفَ والعنفَ من أسوأِ الأعمال في الدُّنيا.

ثانجافور.. المدينة اللوحة
ليست الهندُ اسماً لأيّ حضارة أو ثقافة معيَّنة، بل هي بلاد تحتوي على آثار حضاريّة بعددٍ يفوق الحصر والتقدير، فضلاً عن مَعالِم العديد من الأديان، ونسمع فيها أصوات كثيرٍ من اللُّغات، وتُشكِّل رياح الفصول الموسميّة المختلفة هويَّتها. وكلّما يجري الحديث عن أهميّة المُدن التاريخيّة في هذه البلاد، يَبرز على خريطتها الجغرافيّة اسمُ مدينة «ثانجافور» (Thanjavur). وتشتهر هذه المدينة الواقعة في ولاية تاميل نادو على بُعد 250 كيلومتراً من عاصمتها مَدْراس، بالمعابِد التي تجذب الأنظارَ، والنماذج الرائعة للفنون الجميلة، وانتشار فنون الرَّسم والتصوير فيها منذ أكثر من ألف سنة تقريباً. ويرى بعضُ المؤرِّخين أنّ سلسلة ظهور هذه المدينة إلى عالَم الوجود تعود إلى القرن الرابع قبل المسيح. ويُقال إنّه في الزمن الذي كان فيه غوتاما بوذا ومهافيرا جين يُلقِّنان الناس دروسَ فلسفة اللّاعنف والإيمان والعمل في منطقة شماليّ الهند، كانت تجري في منطقة الدَّكَن، أي جنوب الهند، وبالتحديد في مدينة ثانجافور، تجري حملة ترويج النظريّات الهندوسيّة ونظريّة البراهمة للحياة، فضلاً عن بناء المعابِد وتماثيل الآلهة والآلهات الهندوسيّة، وكان فنّ الموسيقى والرّقص يُشكِّلان جزءاً رئيساً لهذه المَعابِد. وكانت مدينة ثانجافور مركزاً رئيساً للحياة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة بحسب تعاليم «الفيدا» الكِتاب المقدَّس عند الهندوس. ولم تمضِ فترة قرنٍ واحد فقط حتّى دبّ الضعفُ في كيان الدولة، وتعرَّضت الأعمالُ التنمويّة فيها للركود، ومع أنّ منطقتَي آندهرا وكرناتكا كانتا تشهدان النموّ والازدهار، دخلت هذه المدينةُ في غياهب الإهمال والنسيان.
ولكنَّ المنطقة عادت إلى مكان الصدارة ثانيةً في القرن العاشر الميلاديّ، وبرزت على ساحة الهندسة المعماريّة والفنون الجميلة، والفضل يعود في ذلك إلى حكّام سلالة تشولا. وكانت المنطقةُ قبل القرن العاشر الميلاديّ تحت سيطرة حكّام سلالة بالافا (Pallava) وبانديان (Pandyan). وسعى حكّامُ سلالة تشولا إلى تطوير هذه المدينة من ناحية الفنّ والعِمارة، وركّزوا عنايتهم الخاصّة على بناء المعابِد والتماثيل بالأحجار الصلبة في شكلٍ دائريّ، وبالأخصّ تماثيل الإلهَيْن شيفا وفيشنو، واستخدموا في الأعمال الإنشائيّة الأحجارَ الصلبة بدلاً من الأخشاب والطّوب والطين.
ويكمنُ الجانب الآخر لمدينة ثانجافور من وجهة نظر الفنون الجميلة في نماذج فنّ الرّسم والتصوير الذي ذاع صيته ليس في منطقة الدَّكَن أي «جنوب الهند» فحسب، بل في الهند بأسرها لِكوْنه مدرسة متميِّزة في هذا المجال. وعندما كانت الحضارةُ المَغوليّة تجتاح شمالَ الهند ووسطها في القرن الثامن عشر الميلادي، كانت مدينة ثانجافور هي الأخرى تُقدِّم نماذجَ متميِّزة لثقافتها وتقاليدها آنذاك.
ومن خصائص هذه المدينة إيلاء اهتمامٍ خاصّ بالأدب والشعر التاميليّ. ومن أحد أسباب ذلك اهتمام مُفَكِّري المدينة وسكّانها بالدِّيانة بشكلٍ خاصّ. وممّا يستحقّ الذكر أنّ الموسيقى والرَّقص وترديد الأناشيد في ذِكر الإله كان من المُمارسات الشائعة في هذه المعابِد، وهو عزف الموسيقى ومُمارسة الرقص في هذه المعابِد، فضلاً عن ترديد بعض الأناشيد في ذِكر الإله والمعبود، وقد وَرَد ذكرها في الأدب التاميلي مرارا ًوتكراراً. وتُعدّ الأبياتُ الشعريّة التي كانت تُغَنّى مع الرَّقص المعروف بـ «بهارات ناتيام» مثالاً واضحاً لذلك. وبالجملة، تعود أهميّة مدينة ثانجافور التاريخيّة إلى ثلاثة أسباب: أولها المَعابِد التاريخيّة، ثانيها فنّ الرسم والتصوير، وثالثها الأدب والشعر.

مماثلة
ثمّة مماثلةٌ كبيرةٌ بين تعليمات الديانتَين الجينيّة والبوذيّة، مع فارقٍ بسيط، وهو أنّ الأولى تُشدِّد على انتهاج النهج المتطرِّف في كلّ الأعمال، في حين تُفضِّل الثانية انتهاجَ النهج الوسط أو المُعتدِل في الأمور جميعها. وفيما تأخذ الديانةُ الهندوسيّة الفروقاتِ بين الطبقات الاجتماعيّة والطبقات الاقتصاديّة بعَين الاعتبار، يُعرَف الإنسان في الديانة الجينيّة والبوذيّة بأخلاقِه وأعماله. توفّي غوتاما بوذا في العام 483 قبل الميلاد في كوشي نغر في ولاية بيهار.

الخط العربي.. زينة العمارة الهندية
إذا تتبَّعنا تاريخَ فنّ الخطّ أو الكِتابة عَلِمنا أنّه بدأ بعمل سطرٍ على الصخور عشوائيّاً بمساعدة قطعة من الحجر. وتدلّ الدِّراسات على أنّ الإنسانَ الذي نشأ وتربّى في حضارة وادي السند كان قد عمل نقوشاً على الأحجار في مدينتَيْ هاربّا وموهنجودارو قد لا تخلو من معانٍ ومفاهيمَ لم يتمّ الاطِّلاعُ عليها أو على طريقة قراءة تلك النقوش من خلال البحوث والدِّراسات التي أُجريَت حتّى الآن.
لكنّ الشكلَ الأوّل للكِتابة، والذي أَمكن قراءته وفهمه يُدعى «الخطّ البراهمي» الذي يرجِع إلى عصر سلالة مَوْرِيَا الحاكِمة، وبعد وقتٍ قصير ظهرَ خطٌّ جديد باختلاط الخطّ الفارسي والخطّ الآراميّ في شمال غرب الهند يُعرَف بـ«الخطّ الخاروشتي» ومن خصائصه أنّه كان يُكتَب ويُقرأ من اليمين إلى اليسار مثل العربيّة والفارسيّة، ويستطيع مَهَرَة هذا الخطّ أن يكتبوا به ويقرؤوه حتّى في يومنا هذا.
أمّا فيما يتعلّق بتاريخ الخطّ الإسلاميّ، فلَم يمضِ عليه وقتٌ طويل حيث نشأ وتطوَّر في القرون الوسطى بانتشار الإسلام، وذلك باللّغتَين العربيّة والفارسيّة اللّتَين كانتا وسيلتَين أساسيَّتَين لنشر الدين الجديد.
وعلى الرّغم من أنّ العربَ كانوا مشهورين جدّاً حتّى في العهد الجاهليّ في مجال الشِّعر وتُعد المُعَلَّقات السّبع خيرَ نموذجٍ لنبوغهم الشعريّ، إلّا أنّه لا يُعرَف بالتحديد بأيّ خطٍّ كانوا يكتبون قصائدَهم في ذلك الوقت. وبعد ظهور الإسلام ظهرَ شكلٌ جديد للخطّ في الكوفة في القرن الأوّل من الهجرة يُعرَف بالخطّ الكوفي. وبحسب الدِّراسات التي أُجريَت حتّى الآن، فإنّ نماذجَ الخطّ العربيّ الأوّليّة التي تمّ العثورُ عليها هي في هذا الخطّ الكوفيّ، حيث لم تكُن الكِتابةُ رائجةً بشكلٍ عامّ بين سكّان الشرق العربي حتّى القرن السابع الميلاديّ، فكان الشعراءُ يحفظون قصائدَهم عن ظهر قلب ويُنشِدونها في المجالس والمناسبات، ولكنّ تسجيل القرآن والأحاديث أو أقوال الصَّحابة بالكِتابة كان أمراً ضروريّاً لكي لا يُشَكِّكَ فيها المُشَكِّكون ولا يرتابَ فيها المُرتابون. وهكذا يرجع الفضل إلى الإسلام في تطوير فنّ الخطّ بشكلٍ نظاميّ ويُعرَف شكلُه البدائيُّ بالخطّ الكوفيّ وتقوم نماذجُه الأوّليّة بالحروف الجليّة الكبيرة على أشياءَ ناعمة مثل الجلد وقشرة النخيل.
في القرن السابع الميلاديّ أصبحت مكَّةُ والمدينة والطائف والبصرة والكوفة ودمشق مراكزَ مهمّة لفنّ الخطّ، فازدهر فيها هذا الفنُّ وتطوَّر إلى حدٍّ كبير، حيث بدأ المَهَرَةُ من الخطّاطين يكتبون القرآن والأحاديث بالخطّ الكوفيّ، وهكذا ظهرَ العربُ على الساحة بفضل مهارتهم في فنّ الخطّ، وهُم كانوا متخلِّفين سابقاً في الفنون الجميلة. ويُقال حقّاً إنّ فنّ الخطّ تحفةٌ ثمينة من الإسلام للناس جميعهم في العالَم.
وسرعان ما تجاوز هذا الفنُّ صفحاتِ الكُتُب وأصبح يُزخرِف المباني والعملات والمَساجد والقباب والمَقابر والأسلحة وغيرها من الأشياء، ولم يَعُد يُستخدَم بدافع الشعور الدينيّ فحسب، بل بدأ استخدامُه لزخرفة الأشياء المختلفة. ولم يكد القرنُ العاشر الميلاديّ أن ينتهِيَ حتّى ظهر نوعٌ آخر من الخطّ يُدعى «النسخ» ورموزُه مدوَّرةٌ مقارنةً بالخطّ الكوفيّ، ويُمكِن كِتابتُه بقدرٍ أكبر من السرعة والسهولة. فقَلَّ استعمالُ الخطّ الكوفيّ تدريجياً وحلّ محلّه هذا الخطّ الجديد، ويُقال إنّ شخصاً اسمُه ابن مُقْلَة هو الذي أبدَعَ هذا الخطَّ في بغداد في القرن العاشر، وله أشكالٌ فرعيّة عديدة راجَ استعمالُها في البلدان المختلفة باختلافٍ بسيط. وازداد هذا الخطُّ قبولاً بسرعةٍ إلى أنْ شاع استعمالُه في أرجاء العالَم الإسلاميّ كافّةً. وما زالت اللُّغة العربيّة وكذلك القرآن الكريم يُكتَب بهذا الخطّ.
بعد وقتٍ قليل تمّ إبداعُ خطٍّ جديدٍ على أساس «النّسخ» يُدعى «خطُّ الثلث»، ومن ميزاته أنّ الحروفَ تُزيَّن في سطرٍ واحد مقسَّم إلى ثلاثة أجزاء بما يوهِم بأنّه شيءٌ مُزَخرَف، وتوجد نماذجُ هذا الخطّ على الباب الرئيس لتاج محلّ في الهند. وثمّة نمطٌ آخر للخطّ أكثر زخرفةً يُدعى «الرِّقاع» أو «التوقيع» وتُكتَب الحروف فيه بشكلٍ يُماثِل الحيّة المتعرِّجة أو الشلّال. وفي البداية لم يكُن هناك فرقٌ بين «الرِّقاع» و«التوقيع»، ولكنّ الرِّقاعَ أصبح أكثرَ زخرفةً فيما بعد. وظهرت خطوطٌ عديدة في ما بعد تُسمّى «زلف عروس» (ضفيرة العروس)، و«خطّ كُلزار» (خطّ البستان)، و«خطّ طأو وس»، و«خطّ لرزه» (خطّ الارتعاش)، و«خطّ بَهار» (خطّ الرّبيع)، و«خطّ ماهي» (خطّ السّمكة)، وكلُّها مبنيَّة على مبادئ خطّ النَّسخ، وبما أنّ فنَّ الخطّ لم يعُد استعماله منحصراً في الكِتابة، بل أصبح يُستعمَل للأغراض الجماليّة في الأشياء والصُّوَر، تركَّز الاهتمامُ على تطويره أكثر من أيّ وقتٍ مضى.
في أواخر القرن الثاني عشر تجاوز فنُّ الخطّ الإسلاميّ حدودَ بلاد العرب وانتشر إلى البقاع الأخرى من العالَم، فنال رواجاً كبيراً في الهند. وثمّة نماذج من الخطوط في الهند، برزت منذ وصول السلطان محمود الغزنوي؛ وهي على بعض المباني والمقابر التي تمّ بناؤها في عصره، ومعظمُها ليست في حالةٍ جيّدة أو أنّها قد تحوَّلت إلى أنقاض، وهناك نماذج كثيرة للخطّ أيضاً من عهد السلاطين، ففي دلهي ثمّة نماذج رائعة للخطّ الكوفي وخطّ النَّسخ على محاريب منارة قُطُبْ وعلى جدرانها وفي مسجد قوّة الإسلام، وكذلك على جدران مسجدٍ في أجمير يُعرَف بـ «كوخ يومَيْن ونصف يوم». وهذه البناياتُ الثلاثُ تُمثِّل النماذجَ الأولى الكاملة للفنّ المعماريِّ الإسلاميِّ على أرض الهند.
…………………………………………………………………………..
أ. ف.
المصدر: الاتحاد: أحمد فرحات 24 أبريل 2019 – 12:31 AM

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2017) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2017)

شاهد أيضاً

“دبي للخط العربي” رحلة تفاعلية في حَرَم العراقة والجَمال

4 أقسام ترتقي بالذائقة الفنية وتُثري الحصيلة المعرفية شبكة بيئة ابوظبي: دبي – الإمارات العربية …