السبت , سبتمبر 21 2019
أخبار عاجلة
الرئيسية / إعلام مستدام / ثقافة مستدامة / معرض أبوظبي للكتاب.. رواق الأمم

معرض أبوظبي للكتاب.. رواق الأمم

من الهند الى الامارات. جسر تواصل للثقافات والحضارات
– بات معرض ابوظبي للكتاب مرتبطاً بمسيرة النمو والازدهار على كافة الاصعدة داخل الامارات
– عرفت الامارات طريق المواطنة الكاملة عبر تجريم الازدراء للأديان أو للآعراف وصدر القوانين التي تعاقب على الكراهية
– عرفت دول الخليج هجرة عمالية واسعة من الهند ونظر اليها بوصفها رصيداً مضافاً الى قواعد البناء الانساني

قبل بضعة أعوام وصف مدير معرض فرانكفورت للكتاب الدولي «يورغن بوس»، معارض الكتب حول العالم بأنها جسور للحوار بين الحضارات والثقافات بشكل مفيد وفعال في آن واحد.. والمعروف أن معرض فرانكفورت الدولي، لصيق ووثيق الصلة بمعرض أبوظبي الدولي للكتاب، وهذا الأخير بات يمثل في عالمنا العربي أحد أهم المعارض، والذي تتولى دائرة السياحة والثقافة في أبوظبي تنظيمه كل عام، وتشهد الدورات المتلاحقة له على حقيقة راسخة، وهي أنه ينمو بشكل سريع ومطرد في العالم العربي، وبخاصة في ظل الإيمان الإماراتي بأن الاستثمار في البشر، ليس أقل أهمية من الاستثمار في الحجر، وأن «الكلمة» المكتوبة هي في الأصل فعل ومنشأ الثقافة، وهي أداة التعارف الرئيسة بين الأمم والشعوب، عبر مراحل التاريخ المختلفة، وبين الأجناس والأعراق المتباينة.

لأكثر من خمسة وعشرين سنة، من عمر معرض الكتاب في أبوظبي، التزمت إدارة التنوير أدبياً ومالياً، بتوسيع وتعزيز الأعمال العالمية المتعلقة بصناعة الكتب، ولهذا بات المعرض مرتبطاً بمسيرة النمو والازدهار على الأصعدة كافة داخل دولة الإمارات بشكل عام.
في عام 1981 أطلق المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيّب الله ثراه»، معرض أبوظبي للكتاب، تحت اسم «معرض الكتاب الإسلامي»، ثم ما لبث أن تحول إلى معرض أبوظبي للكتاب عام 1986، وأقيمت أولى دوراته في المجمع الثقافي، قبل أن يصبح حدثاً سنوياً ثابتاً في عام 1993، ونقل إلى مركز أبوظبي الوطني للمعارض.
حين أشرنا سابقاً إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد أضحت فعلاً وقولاً «رواق الأمم»، في القرن الحادي والعشرين، فإننا لم نكن نغالي أو نماري، ذلك أن المعرض يحرص كل عام على استضافة أهم دور النشر العالمية والإقليمية والعربية، وتنظيم فعاليات بمشاركة صنّاع النشر في العالم تسهم في تطوير صناعة النشر، وفتح الآفاق الجديدة للناشرين العرب والأجانب، كما يحرص المعرض في كل دورة على إثراء فضاء العرض ببرامج فكرية ثقافية ذات صلة بالواقع، إلى جانب عروض فنية تجذب الزوار، وتشكل قيمة مضافة للحدث.

متماثلات
يعن لنا أن نتساءل على أبواب المعرض هذا العام: أي جسر ثقافي وإنساني جديد تقيمه الإمارات هذا العام مع العالم الخارجي؟
الجواب يقودنا إلى جمهورية الهند، سيما وأن العلاقات الإماراتية ـ الهندية استراتيجية منذ أزمنة بعيدة، ويأتي المعرض هذا العام ليرسّخ جذورها.
كثيرة هي المتشابهات بين الهند والإمارات، ومؤكد أن مصفوفة المتماثلات التي جعلت الهند اليوم في مصاف الدول الكبرى، هي عينها التي لابد لها أن تقود الإمارات إلى موقعها وموضعها الأخلاقي والاجتماعي، العلمي والاقتصادي الفريد.
حرص الآباء المؤسسون في الهند المعاصرة مثل غاندي ونهرو ومن جاء من بعدهم من قيادات الصف الأول على الالتزام بقيم التعايش الديني وتكريسها في الدستور الهندي.
كان هذا التوجه كفيلا بأن تنهي الهند عقوداً طويلة من الصراعات، واعتبرت مبادئ الليبرالية العلمانية في الوثيقة الأساسية، العمود الفقري للهند الحديثة، كان ذلك يعني بوضوح قطع الطريق على التعصب والإقصاء والتخوين، وقد حمل نهرو أول رئيس للهند بعد الاستقلال راية العلمانية، وجعلها شعار حزب المؤتمر، وتم رسمياً تبني مبدأ الدولة العلمانية في الدستور، باعتباره الطريق الأمثل لتحقيق الحداثة السياسية، وتمهيد الأرض لتربة وطنية واحدة.
وبالنظر إلى الإمارات، نجد أن زايد الأب المؤسس قد سلك مسلكاً مشابها وإن اختلفت الشعارات الرسمية الخاصة بالعلمانية، فقد استطاع جمع الإماراتيين تحت راية الاتحاد، وفتح أبواب التسامح والتصالح واسعة أمام الجميع، وأتاح مساحة عريضة من المودات الإنسانية، ومن الشراكات الوحدانية والإيمانية.
وفي عهد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عرفت الإمارات طريق المواطنة الكاملة، عبر تجريم الازدراء للأديان أو للأعراق، وصدرت القوانين التي تعاقب على الكراهية، لتمضي الإمارات في درب قريب الشبه جداً من روح الهند، حيث الدولة تقدر وتحترم عقائد الآخرين، وتعمل على أن تسود قيم الإخاء، ما يعزز السبيكة الاجتماعية للدولة، وفي هذا نجاحها وفلاحها.
قبل بضعة أيام كان معرض أبوظبي الدولي للكتاب يشارك في فعاليات مهرجان الألوان «هولي»، والذي أقيم بمنتزه خليفة في أبوظبي، كنوع من الاحتفاء بالهند، ضمن فعاليات المعرض، وكنوع من ترسيخ مفهوم التسامح، عبر تسليط الضوء على التنوع الثقافي الغني الذي تحتضنه دولة الإمارات.
احتفالية «هولي» في حد ذاتها كانت دعوة لكل من يعيش على أرض الإمارات، مواطنين، أو مقيمين، للخروج من ضيق الإيديولوجيات، وجمود الدوجمائيات القاتلة، إلى رحابة الإبستمولوجيات، أي المعرفة المنفتحة في غير خجل أو وجل على الآخر، وبدون صغر ذات أو إحساس مؤسلب بالدونية. كانت الاحتفالية في حد ذاتها جسراً بين العرب والهنود، وربما الأدق بين العالم والهند، فعلى أرض الإمارات اليوم تتعايش شعوب وقبائل الأرض، من مشارق الشمس إلى مغاربها في تجربة إنسانية رائدة.
بعيون العرب رأى الجميع رقصات المطر الهندية، والتقاذف بالألوان، وقرع الطبول الهندية، في امتزاج وتلاق لحضارات مختلفة، تظللها من حسن الطالع رؤى إماراتية تنويرية تحت رعاية وزارة التسامح، ودعما لاستكشاف ودعم الإبداعات الأدبية والفكرية.

تبادل
ما الذي يعنيه مشاركة الهند في معرض هذا العام؟
بالقطع يمكن القول إنه فرصة جيدة للمؤلفين والكتاب والباحثين، من ذوي الاهتمامات المشتركة، لتبادل المعارف والنقاش حول مواضع الاختلاف والتشابه الغريبة بين البلدين في مجالات الأدب والثقافة، الفن والموسيقى، السينما وفنون الأداء، وفي كل الأحوال فإنه فرصة للمثاقفة الخلاقة، حيث البشرية أسرة واحدة، لا جماعات إثنية وطائفية، ومحاصصات عنصرية، لا تولد إلا المزيد من الكراهية في النفوس.
عرفت دول الخليج هجرة عمالية واسعة من الهند طوال العقود القليلة الماضية، ومن الإنساني جداً أن أحداً لم ينظر إليها بوصفها اختصاماً من الحضور الجمعي الإنساني، بل كان ولا يزال النظر إليها بوصفها رصيدا مضافا إلى قواعد البناء الإنساني هناك.
في هذا السياق يتيح معرض أبوظبي للكتاب الفرصة لتوثيق العلاقات الفكرية والذهنية والتي لا تلبث أيضاً أن تنعكس في شكل نجاحات اقتصادية، كما يتيح الفرصة أمام المستثمرين الراغبين في اكتشاف المزيد من الفرص التي يمكن الاستفادة منها في ظل حرص مجموعات ودور النشر الهندية على التواجد في المشهد الثقافي الخليجي، من أجل تسهيل التواصل مع الجاليات الهندية المتواجدة في الإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى مشاركة مؤلفين وكتّاب وأدباء من الهند، كسفراء لأدب بلادهم ذات التعددية الثقافية والثراء الأدبي والفني.
حين تحل الهند ضيفاً على معرض أبوظبي فإن ذلك يفتح مساراً تنويرياً وتاريخياً أيضاً للبحث في العلاقات الثقافية والأدبية بين الهند والعالم العربي، علاقات تتجاوز الحاضر إلى مئات السنين التي خلت، تأثر فيها الطرفان بعضهما ببعض.
إننا نرى بعض الإشارات إلى بعض البضائع الهندية مثل الفلفل وإلى أجناس الهند مثل الزط والميد في أحاديث الرسول (ص)، كما نرى في بعض التفاسير أن آدم عليه السلام قد نزل في أرض الهند، ويقول الإمام السيوطي عن ابن حاتم وابن عساكر عن الحسن، قال: اهبط آدم بالهند (الدر المنثور 56).
وفي العصر العباسي، بفضل التبادل الثقافي بين العرب وغيرهم من الشعوب الأخرى، قد ورد في الأدب العربي ذكر الهند وعلمائها، علومها وآدابها، كما نرى في «البيان والتبيين» للجاحظ، وفي كتب التاريخ والرحلات ملاحظات عن الهند بشيء من البسط والتفصيل، ولما بدأ في عصر المأمون ترجمة العلوم الأجنبية إلى اللغة العربية، استدعى العلماء والحكماء الهنود إلى بغداد.
وقد تمّت كثير من التفاعلات في مجال الموسيقى، والكاتب العربي الشهير الجاحظ أشاد بالموسيقى الهندية في كتاباته، ويقال إنه لم يترجم أي كتاب في الموسيقى الهندية في بغداد، ولكن المؤرخ الإسباني القاضي «سعيد الأندلس» (1070م) كتب عن كتاب اسمه «نفر» ومعناها «ثمار الحكمة»، في الموسيقى الهندية توصل إليه العرب. ووفقاً له فإن هذا الكتاب يحتوي على الألحان والأنغام، ومن الممكن أن يكون الكتاب قد وصل إلى العرب من خلال الترجمة من الفارسية، وكان يحمل عنوان «فوبر» بالفارسية، والتي تعني «الثمر الجديد».

امتداد
تأتي الهند إلى أبوظبي عبر معرض الكتاب لتذكّر العرب والهنود بأن هناك جسراً قوياً امتد بين الجانبين في العقود السابقة، لا سيما في خمسينات وستينات القرن الماضي، وعندما كانت الهند ـ وهي لاتزال ـ صديقاً مخلصاً للعالم العربي، قادرة على الصمود والتحدي، عبر جبهة عدم الانحياز، ما يعني أنه صمود على الحق ونصرة المظلوم.
حضور الهند والهنود في معرض أبوظبي للكتاب، يميط اللثام لأجيال شابة إماراتية وعربية، أفريقية وشرق أوسطية، أوروبية وأميركية، عن وجه حضارة ممتدة في بطون التاريخ لعدة آلاف من السنين، حضارة حوت ثقافات وفنونا وتراث وتقليداً معرفي عريقة، مع كل ما يعنيه ذلك من غنى وتنوع في المخرجات الثقافية والإبداعية، في الفنون والتأليف والنشر والمنجز المعرفي، ومع ما يعكسه هذا الاحتفاء من رؤية إماراتية بعيدة المدى في بناء جسور التواصل الحضاري مع الثقافات العالمية في مواطنها الأصلية.
حضور الهند في معرض أبوظبي للكتاب يضعنا ويضع العالم برمته أمام أحد أهم الدروس الإنسانية في التعايش والتماسك، في التلاحم والبناء، فالهند ذات المخزون الثقافي والحراك الأدبي والعلمي والفني، تتعايش في داخلها مع وجود نحو 24 لغة رسمية، ومئات اللهجات المحلية، ومع ذلك فإنها تصدر للعالم نموذجاً غير مسبوق من الديمقراطية، فعلى سبيل المثال، ورغم أن المسلمين هناك أقلية عددية لا نوعية، فإنهم لم يستنكفوا ذات يوم أن يختاروا رئيساً مسلماً لدولتهم (عبدالكلام)، هذا في الوقت الذي يعاني العالم فيه من عودة القوميات وصحوتها، وارتفاع حدة الأصوليات الضارة وكارثيتها.
طريق الإمارات ـ الهند، جسر للإنسانية، للمعرفة، للمودات البشرية، للتعايش الخلاق، والانفتاح الثقافي الإماراتي، وكذا الاحتفاء بثقافات الآخر على أرض الإمارات الطيبة، طريق يعزز من وضعية الإمارات كرائدة للسلام الإقليمي والدولي، في عالم أحوج ما يكون لصانعي السلام، دون أن نغفل أن ذلك كله لم يكن له أن يجد طريقه على الأرض من دون توجيهات القيادة الرشيدة، وإسهاماً في تحفيز التحول إلى اقتصاد المعرفة، وتفعيل السياحة الثقافية التي تمثل معارض الكتب وفعالياتها الثقافية المصاحبة إحدى أهم مظاهرها المشرفة.

رحلة نوال السعداوي
كان الأدب والكتاب رائدين في توصيف شكل وعمق تلك العلاقة، ففي كتابها «رحلاتي حول العالم»، تقول الأديبة الدكتورة نوال السعداوي، إحدى رائدات الحركة النسوية في مصر والعالم العربي، إنها زارت الهند ورأت معالمها، وفي بداية الرحلة تشهد أنها لم تشعر بغربة في بلد غريب، وأنها عندما كانت تمشي في شوارع الهند تنسى أنها في بلد الهنود وتظن أنها في مصر، وهي في هذه الرحلة تستغرق في أعماق الفكر الهندي، وتتحدث عن بعض الكاتبات الهنديات، مثل الكاتبة الهندية الشهيرة «كاملاداس»، والتي تصفها، بأنها تمسك بالقلم، كأنه مشرط في يد جراح تشف اللحم وتكشف النخاع، وتكتب عن حياتها بالشجاعة التي تكتب بها عن حياة الآخرين.
المصدر: الاتحاد: إميل أمين: 24 أبريل 2019 – 12:20 AM

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2017) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2017)

شاهد أيضاً

لا بد من إعادة شرح التصورات لاستعادة الدين من مختطفيه

سعادة تركي بن عبدالله الدخيل، سفير المملكة العربية السعودية لدى دولة الإمارات العربية المتحدة في …