الأحد , يوليو 12 2020
أخبار عاجلة

تنمية اجتماعيه (1) التفكير خارج الصندوق (16)

شبكة بيئة أبوظبي: بقلم الباحثة: سيلفا صائغ، باحثة في العلوم الإنسانية الاجتماعية 2 مارس 2019
الحب شيء بسيط، أليس كذلك؟ فأنت تحب أسرتك وأصدقائك، وهم يحبونك بدورهم. إنك تجد شخصاً تشعر اتجاهه بالحب، ويبادلك هذا الحب، إنه شيء يحدث دون تدخل منا أو جهد. حقيقةً وعلى وجه اليقين، أنه أمر أكثر تعقيداً من ذلك، فدائماً ما يتسم الحب بين الناس بالتعقيدات، وما ذلك إلا لأن تركيبة الناس معقدة، ويمكن تجربة الحب واختباره والوصول به إلى أقصى حدوده، أحياناً نحب الشخص الغير مناسب، أو قد نبالغ في الحب أو لا نعطي القدر الكافي منه، قد نشعر به ولكن لا نعرف كيف نعبر عنه، قد نعاني في سبيل العثور عليه أو نشك فيما إذا كنا قد وجدناه. غالباً ما يحتل الحب قمة مشاعرنا ويغوص إلى أعماق أعماقنا، ويتملكنا لحد أننا نفقد السيطرة على مشاعرنا، يمنحنا ما يكفي من السعادة وما يكفي من الألم، يلغي مفهوم العمر والزمان والمكان والاختلاف بين كل إنسان، فالحب يمنح القدرة على ما لا قدرة لك عليه. الحب هو ما يجعل العالم يدور، يفتح جميع الأبواب المغلقة، والحب هو كل ما تحتاج إليه. وبما أن الحب شيء عظيم، فلكل عظيم مفتاح نعبر به إلى مكنونات هذه العظمة.
سابعاً: الاختلاف والحب
يبقى سر الانجذاب هو الاختلاف الأبدي والفطري والأول بين الرجل والمرأة، ثم يكبر الرجل والمرأة، وتبدأ معالم الاختلاف تظهر وبشدة بينهما، ويبدأ كذلك الاختلاف في طبيعة التعامل مع هذا الاختلاف بين الأشخاص، فمنا من يرفض رفضاً تاماً فكرة أن يلتقي شخصان يختلفان في أشياء عدة، ونجده يحاول بشتى الطرق أن يغير من طباع وتصرفات وميول من يحب، وقد يفشل في ذلك وتضطرب الحياة، وقد ينجح ويصبح الطرف الآخر فاقداً لهويته، تابعاً للطرف الأول. ومنا من يقبل بالاختلاف كأمر واقع لكنه يفشل في التعامل معه، ونجده مضطرب في حياته، ويحاول تجنب الحديث في كثير من الأمور مخافة تفجير خلاف. وهناك من يتفهم الاختلاف وينجح في التعامل معه، ويستخدمه في إثراء الحب وتغذيته. إنه لأمر مضجر وممل أن نعيش مع شخص يشبهنا تماماً، فيما نرى، ويرفض ما نرفض، ويرفع إصبعه موافقاً عند كل مناقشة، فهذا مما يعطي لحياتنا وللعلاقة بشكل عام لوناً باهتاً سلبياً، قد نحبه لفترة لكننا سنمله بعد حين، ولكن عندما لا نحترم الاختلاف بيننا، ونراه تحدياً وتعدياً علينا، نبدأ في فقد مساحات من الحب الذي يجمعنا، بعدها تبدأ محاولة إنقاذ الحب بسلك أحد الطريقين:
 الأول: أن نُخرس أي صوت يدعونا لقول ما نراه، ونكبت بداخلنا مشاعرنا، كي نُرضي الطرف الآخر، ونريه كيف أننا نحبه ونوافق على ما يقول، وغالباً هذا ما تلجأ إليه معظم النساء.
 الثاني: توجيه حرب شرسة ضد الطرف الآخر، في محاولة لتغييره كي يصبح كما نحب ونريد. وهذان الشكلان أبداً لا يحلان القضية، عندما ننظر حولنا نرى كثيراً من البيوت اختارت أن تمرر الأيام وتتفق على وضعية الهدوء والتراضي بينهما، ترضى بأن يطغى جانب الهدوء والسلم على جانب الحب المشتعل الدائم القائم على الإدارة الصحيحة لفن الاختلاف، وهذه النظرة في الحقيقة هي إلى حد كبير نظرة العقلية العربية.
ثامناً: الحب في عصر التكنولوجيا:
خلدها التاريخ بكونها أسطورة السفن التي غرقت بعد إقلاعها بساعات، وخلدتها الدراما بعدما صنعت منها حدثاً درامياً أخرجت فيه كل ما من شأنه أن يدغدغ حواس المراهقين، والباحثين عن رؤية صورة للرومانسية والحب، وكم من دموع ذرفت وهي تشاهد (تيتانيك) وكم من قلوب خفقت لهذا الحب الدرامي. إنني إذ أقلب نظري يمنة ويسرة أجزع وأنا أشاهد الحب الحقيقي يخفت في حياة الناس، أحقاً لم يصل لهؤلاء سوى صورة واحدة للحب أتتهم من شظايا التيتانك، أو من حدث درامي تركي أو عربي أو حتى أجنبي، أو عبر أثير أغنية تشعل نار المشاعر المتقدة، أو فصول رواية تبث الحب من بين السطور.
منذ زمن كانت كلمة قالها في الصحراء قيس بن ذريح حين أحب لبنى وخطبها وتزوجها، ثم طُلقت منه بفعل ضغوط خارجية ومات الحب وقيل: “الزواج يقتل الحب” فلا يتبقى منه سوى ذكرى قد تذوي مع شريك جديد لا يُنسي الحب الأول لكنه يغطيه كما تغطي الظلمة نور الشمس. وفي هذا الزمن الإنترنت يبدو كأنه الزواج الذي يقتل الحب، فهو يتحرك في اتجاهات عدة لا يترك أثراً في الهواء الذي ينساب فيه لكنه يحطم العقول، ويخترق الأمزجة والنفوس والضمائر، فبظهور مواقع التواصل الاجتماعي، تأتي ثورة المعلومات الهائلة عبر الإنترنت، فيسارع بشر كثر إلى الإفادة من كل ما تقدمه التكنولوجيا الحديثة من متعة ومعرفة وتواصل افتراضي قد يتحول إلى تواصل محسوس مع الزمن وبحسب طريقة التعاطي مع التقنيات المتاحة، ولهذا تبدلت مفاهيم تعاطينا مع الحياة وحركتها الدائبة وصرنا لا نتوقف عند شعور بعينه ولا نستسلم لإحساس يعترضنا، فالحب أصبح رقمياً، والشعور بقيمة الآخر قد تنهار في لحظات مع توافد ملايين المعلومات والصور التي سببت لنا عمى دائماً، لكننا لا نكاد نفقهه مباشرة بسبب ما يوفد من خداع لأنفسنا و أمزجتنا، الحب يضيع، يتحول إلى معلومة تجمع شخصين و تتيه عنهما ثم تنفصل فتفصل بينهما بسياج الكتروني مكهرب، يتحول الحب إلى مجرد كلمات عابرة باردة، وكلمات سر لا تفتح صفحات معطلة أو تم قرصنتها.
الإنترنت لا يتيح الصحراء التي أتاحتها الطبيعة لقيس وللعاشقة لبنى، ولا تلك التي تهيأت لعنترة وعبلة، هناك إحصائية تقول أنه: حوالي 31 بالمئة من الناس في نيويورك تعرفوا على حبيبهم الآخر عبر الأنترنت، التكنولوجيا لا تغير الحب بل تغير طريقة عيشه والإحساس به، ولكن هذا لا يلغي إن العديد من العلاقات التي نجحت واستمرت، حصلت عن طريق الإنترنت. وتقبُل هذا يكون باختلاف الزمان واختلاف التفكير. وإن وسائل التواصل الاجتماعي كانت دواء لجروح الغربة والبعد وآلام الشوق، ووسيلة للاتصال غير المباشر، وأتاحت الفرص للعيش مع بعض عبر الشاشات الذكية.
تاسعاً: الحب عند الرجل والمرأة:
لأننا كثيراً ما نغفل الانتباه إلى الأشياء الصغيرة، لذا نجد أنفسنا وقد أضعنا من بين أيدينا خيراً كبيراً، إن عاطفة الرجل تبدأ من عينيه كما أن عاطفة المرأة تبدأ من أذنها، فيحتاج الرجل إلى فتنة الصورة وتحتاج المرأة إلى سماع كلمات الغزل والحب، إلا أن هذا لا ينفي أن جميع البشر رجالاً ونساء ينجذبون إلى الجميل سواء كان في الحديث أو الصورة أو الرائحة. للرجال مصطلحاتهم الخاصة، وقاموسهم الذكوري وألفاظهم التي يجيدون التعامل بها والتواصل من خلالها، ولأن الرجال عمليون، فبالتالي يلجؤون إلى الكلمات العملية القاطعة والحاسمة، والجافة في كثير من الأحيان. أما مشاعر المرأة فتحتل أهمية كبيرة لديها، وأحاسيسها ورومنسيتها يجب أن يُنظر لهم بعين التقدير والاهتمام. وإن قلنا بأن التفكير والنشاط الذهني يحتل أهمية كبيرة عند الرجل، فإننا يجب التأكيد على أن العاطفة وحديث القلب جزء من شخصية المرأة وطبيعتها. هناك اختلاف بين الرجل والمرأة بكل شيء، فيعمد الرجال دوماً للقول نحتاج كتباً لفهم المرأة ودوماً المرأة لا تستطيع أن تفهم أسلوب الرجل وبالتالي تقر بأن الرجل لا يفهمها.
لكل من الرجل والمرأة سيكولوجية خاصة في الحب وفي التعبير عنه، وعندما يحيط كل منهما علماً بطبيعة الآخر، يسهل التفاهم ويدوم الحب، وملح العلاقة الخلاف فلا يخلو الأمر من خلافات تعطي للحب لوناً وتبعده عن الروتين، المرأة حساسة بطبعها ومهما سعت للتفوق والنجاح وإثبات الذات فطبيعتها الأنثوية تطغى عندما تكون مع من تحب، فتتحول إلى طفلة تحتاج للاهتمام والرعاية، ومهما أحب الرجل وكان منفتحاً فهو يبحث في حبيبته عن صورة الرجل الحاضن الحامي.
عاشراُ: حب الذات:
يتمحور الحب بشكل عام حول الآخذ والعطاء، فإذا كان المرء يستطيع منح ما يكفي من الاهتمام والحب لنفسه، فعلى الأغلب يمكنه منح هذه المشاعر للآخرين، هذا بخلاف محبة النفس والأنانية. ” لا يمكننا أن نحب الآخرين مالم نتمكن من حب أنفسنا ” قول مأثور يحمل العديد من المعاني والدلائل، أبرزها أن الحب يزدهر ويكبر عندما نقدمه للآخرين، ولكنه دائماً يبدأ من النفس، عندما يحب المرء ذاته فإن العالم من حوله يصبح أكثر جمالاً وجاذبية و نجاحاً، عندما يحب المرء ذاته فإنه يصبح شخصاً أفضل، فذلك يحسن الحالة النفسية والعاطفية، التي تنعكس إيجاباً على الصحة والحالة الجسدية، عليك قبل التوجه لحب الآخر، أن تؤمن بنفسك وتحب ذاتك، لكي تستطيع أن تحب وأن تكون ممن يستحق أن يُحب، وذلك من منطق ” فاقد الشيء لا يعطيه ” ولكن بين حب الذات والنرجسية خطاً فاصلاً، ويلزم للحفاظ عليه الالتزام بالواقعية وبحدود حب الذات.
حادي عشر: طبيعة الحب وكيمياؤه:
تلك الغريزة التي تدفع الإنسان للوقوع في الحب أنتجت بعض أشهر الأوبرا الإنسانية والمسرحيات والروايات وأكثر القصائد مسّاً للمشاعر، والأساطير والحكايات الخرافية، وهكذا جمّل الحب العالم وغمر معظم البشر بالبهجة الهائلة والفرح، على أن الحب حين يُهان أو يستخف به، بوسعه أن يجلب أشد ألوان العذاب النفسي والجسدي ضراوة، والقتل والغضب والانتحار وشيوع معدلات الطلاق في المجتمعات حول العالم. كم من الرجال والنساء أحبوا بعضهم البعض في كل الحقب والعصور التي سبقتك وسبقتني، كم من أحلام قد تحققت وأحلام لم تتحقق، كم من علاقات الحب الممزقة للقلوب امتصها هذا الكوكب. من أوروك في سومر القديمة، تأتي القصائد باللغة المسمارية على الألواح الآشورية، تلك التي تمجد غرام إنانا، الملكة السومرية، بدوموزي راعي الغنم، ” حبيبي يا بهجة عيني ” هتفت إنانا إلى محبوبها قبل أربعة آلاف سنة.
وكبعض الدراسات عن كيميائية الحب فإن ارتفاع نسبة الدوبامين بالمخ (مادة كيميائية تتفاعل في الدماغ لتؤثر على كثير من الأحاسيس والسلوكيات) ينتج عنها زيادة هائلة في تركيز الإنسان على شيء محدد ومن ثم الدوافع الحاسمة والسلوك محدد الاتجاه، وهي كلها خصائص مركزية في الحب.
والغرام هو دافع بدائي في المخ، وقد عرّف عالم الأعصاب (دون بفاف) هذا الدافع بأنه حالة عصبية (نسبة للخلايا العصبية) تعمل على حشد الطاقة وتوجه السلوك للحصول على احتياج بيولوجي محدد ليعيش الكائن الحياة أو يتكاثر. من المهم جداً أن نذكر أن كل الدوافع الأساسية يصاحبها ارتفاع مستويات الدوبامين بالمخ والحب كذلك، ومثل كل الدوافع الأخرى فإن الحب احتياج ولهفة، فنحن نحتاج إلى الطعام والماء والدفء والمحب كذلك يشعر باحتياجه للمحبوب.
لقد صدق افلاطون حين قال منذ ألفي عام أن إله الحب “يعيش في حالة احتياج”، إن مناطق القشرة المخية ما قبل الجبهية سوف تقيم الملاحقة، تضع الخطط التكتيكية، وتحسب الربح والخسارة، تسجل التقدم نحو الهدف عاطفياً وجسمانياً وحتى الاتحاد الروحي مع المحبوب. ” المخ أوسع من السماء ” هكذا كتبت إيميلي ديكنسون الشاعرة الأمريكية. إن هذا الجزء الذي يزن ثلاثة باوند (أي المخ) يمكن له أن ينتج احتياجاً قوياً يخضع له العالم أجمع (إنه الحب).
الأطفال يقعون في الحب، في إحدى الدراسات المهمة عن رومانسية الطفولة، سجل حوالي خمسة من الصغار أنهم أحبوا مثل أولئك الذين في عمر الثامنة عشرة، الرجال والنساء في عمر السبعين والثمانين وحتى التسعين، أيضاً يشعرون بسحر الحب، في دراسة حول 255 من المراهقين والشباب ومنتصفي العمر من الرجال والنساء ومسنين، وجد العلماء أنه لا يوجد فروق حادة في مشاعر الهوى بينهم، فالعمر لا يصنع أي اختلاف في المشاعر الرومانتيكية.
ما الحب؟ يتساءل شكسبير متأملاً، ولم يكن الشاعر الكبير أول من تساءل، أتصور أن أسلافنا تأملوا ذلك السؤال قبل ملايين السنين وهم متحلقون حول لهيب النار في خيامهم، أو بينما يرقدون على الأرض ويرقبون النجوم، الحب حالة لا وصف لها ولا تفسير، صندوق بكل ما يحوي من سعادة وألم جميل الحب سفينة تبحر بالشخص لأبعد مدى، قال عنه أعظم الشعراء: الحب جحيم يطاق … والحياة بدون حب نعيم لا يطاق. ” وليم شكسبير ”
الحب ليس رواية يا حلوتي، بختامها يتزوج الأبطال … هو أن نثور لأي شيء تافه، هو يأسنا هو شكنا القتّال هو هذه الكف التي تغتالنا ونقبل الكف التي تغتال. ” نزار قباني ”
الحب لا يقتل العشاق … هو فقط يجعلهم معلقين بين الحياة والموت ” جان جاك روسو “.

المراجع:
1.ريتشارد تمبلر، قواعد الحب، الطبعة الثانية 2010..
2. كريم الشاذلي، لغات الحب، الطبعة الأولى 2010.
3. هادي جلو مرعي، صحيفة المثقف.
4. موقع العرب، محمد رجب، 2015.
5. هيلين فيشر، ترجمة: فاطمة ناعوت، أيمن حامد، لماذا نحب؟ الطبعة الأولى 2015.

عن Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2020) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2020)

شاهد أيضاً

تنمية اجتماعيه (1) التفكير خارج الصندوق (15)

شبكة بيئة أبوظبي: بقلم الباحثة: سيلفا صائغ، باحثة في العلوم الإنسانية الاجتماعية 21 فبراير 2019 …