السبت , أبريل 20 2019
الرئيسية / CSR / أقلام مسؤولة / سيلفا صايغ / تنمية اجتماعيه (1) التفكير خارج الصندوق (14)

تنمية اجتماعيه (1) التفكير خارج الصندوق (14)

شبكة بيئة أبوظبي: بقلم الباحثة: سيلفا صائغ، باحثة في العلوم الإنسانية الاجتماعية 12 فبراير 2019
تتمة لما بدأناه عن صندوق الغضب في المقالة السابقة.
خامساً: الفرق بين الغضب والمضايقة:
طبقاً لمعظم التحليلات النفسية فالاختلاف الأساسي بين الغضب والمضايقة هو اختلاف في الدرجة، فالغضب أكثر شدة من المضايقة، مثال ذلك أغضب من قتل شخص لحيوان وأتضايق من مضغ اللبان، وهناك فرق في قبول الاستجابة أثناء الغضب والمضايقة، فالأشخاص المتضايقون في الغالب يحاولون إخفاء مشاعرهم وأن يتركوا الموقف بأقصى سرعة ممكنة. والشخص الغاضب من جهة أخرى يمكن أن يخرج عن طريقه ويسعى إلى المواجهة باختصار. فالفرق بين الغضب والمضايقة نوعي وكمي أيضاً، فإذا كنت غاضباً قليلاً فلا يعني هذا أكثر من أنك متضايق جداً، ويظهر الغضب في السطح البيني بين الذات والمجتمع بطريقة تختلف عن طريقة المضايقة.
سادساً: كيف نعيش بالغضب وبدونه:
أشار ألبيرت أليس (عالم النفس الأمريكي طوّر عام 1955م العلاج السلوكي الانفعالي العقلاني) في مطلع كتابه عن الغضب، كيف نعيش بالغضب وبدونه، بأن هناك الكثير من المشكلات الصعبة التي تواجه الإنسان وتعمل على إحباطه أو تمنعه من الوصول إلى أهدافه والحصول على ما يريد، فهي أشياء موجودة فعلاً، ويتساءل أليس، لنا خيار ألا نغضب من هذه المنغصات اليومية؟ ويجيب عن هذا التساؤل بأن معظم علماء النفس اتفقوا على أنه لا بد للشخص من أن يشعر بالغضب حتماً، فهم يرون الرضيع حديث الولادة معبراً عن العواطف بالمقارنة بالغضب والغيظ في الساعات الأولى من الحياة، كما أنه على مدار العصور أو فترات النمو واجه كثير من البشر مشاعرهم الخاصة التي تنم عن الغضب، ويقول أليس أن هناك وجهة نظر تؤيد أن الإنسان يحتاج إلى الغضب ليحمي نفسه من هجمات العالم العدائي والعدواني، فإذا لم يغضب ليحمي نفسه أصبح معرضاً لسيطرة الآخرين عليه ويستغلونه ويعرضون حريته للخطر وممتلكاته، ويستغلون سلبيته أو ما يسمى (طبيعته الطيبة) بإساءة استخدامه لكي يحصلوا على مكسب شخصي لهم دون أن يهتموا بمصلحته، وعلماء النفس الذين يعتنقون وجهة النظر هذه يقولون أنه إذا لم يستعد الإنسان للقتال ليحصل على ما يريد فإن أمامه فقط البديل ليظل سلبياً صامتاً يستغله الآخرون ويمنعونه من تحقيق أهدافه.
تخيل نفسك في حديقة مع أطفالك ورأيت كلب في الشارع ينوي الهجوم على أطفالك، فينشط على الفور وضع المخاطر، وتتحفز وتتسارع دقات قلبك، ويبدأ الغضب والعنف يسيطران على مشاعرك وتهجم على الكلب مباعداً إياه عن أطفالك، فتغضب وتصيح بشراسة وتركل وتضرب بغضب، هذا النوع من الغضب هو رد فعل ” القتال أو الفرار ” فرد الفعل الفسيولوجي هذا هو ما يهيئ أجسادنا لصد الخطر أو الفرار وفقاً لعلم النفس التطوري.
سابعاً: الغضب عند المراهقين:
تتميز مرحلة المراهقة أيضاً بالتغييرات الانفعالية العديدة التي تطرأ على المراهق، وأغلب هذه الانفعالات من النوع الحاد العنيف الذي يجعل صورة المراهق غير صورة الطفل الهادئ الوديع التي كان عليها في المراحل السابقة، فهو الآن يثور ويغضب، وثورته ليست من النوع البسيط كثوراته وهو طفل، وغضبه ليس من نوع الغضب الذي كان ينتهي لوقته متى ربتت الأم أو الأب على كتفه، وإنما الغضب هنا لا ينتهي بسهولة، وثورات المراهق ليست موجهة في حقيقتها لشيء محدد أو للأم أو الأب بالذات، وإن ارتبطت وقت حدوثها ببعض الطلبات أو الاحتكاكات العادية التي كان يمكن أن تمر بسلام، وإنما هي ترجع في حقيقتها إلى طبيعة المرحلة التي يمر بها والمشاكل التي تواجهه وأنواع الصراع التي يتعرض لها ولا يستطيع أن يتصرف بالنسبة لها، ولعل في تتبع بعض العوامل وأنواع الصراع التي يتعرض لها المراهق من هذه الناحية، ما يلقي الضوء على طبيعة المراهق وطبيعة العوامل التي تحركه وتوجه تصرفاته، فمن ناحية نجد أن نمو المراهق، وما يطرأ على جسمه، وطبيعة التغييرات الفسيولوجية التي تتميز بها هذه المرحلة تسبب له قلقاً بالغاً، فهو يرى التغيرات التي تطرأ على جسمه ولا يفهم حقيقة بعضها، ويشعر كما لو كان هو الشخص الوحيد الذي تحدث له هذه التغييرات وكذلك الحال بالنسبة للتغييرات الداخلية التي تحدث للمراهق والتي يشعر بها ويود أن يعرفها وأن يفهمها كذلك، ولا يجد من الأبوين بالمثل أو مدرسي المدرسة أو غيرهم تشجيعاً على مناقشتها معه أو تفهيمه إياها، فالغضب هو المتنفس الطبيعي للمراهق، ولكل ما يتعرض له من تغيرات، وخاصة عندما يحاول الخروج من دائرة الطفولة إلى دائرة الشباب، ويبدأ البحث عن شخصيته المستقلة المحاطة بإدارة الأب والأم، فعلى الوالدين التعامل بذكاء تجاه هذه الإدارة، لأن المراهق يفهم نضجه على أنه يريد التخلص من سلطة الوالدين فهو أصبح كبيراً ويستطيع اتخاذ قراراته من وجهة نظره، وأفضل أسلوب للتعامل مع المراهق التعود على حرية المناقشة والمشاركة في الرأي، وترك مساحة من الحرية ومنحه الثقة مع المراقبة.
ثامناً: نتائج الغضب وطريقة التعامل معه:
1. إن الغضب ينبع من الاعتقاد اللاعقلاني واللامنطقي.
2. الغضب انفعال قوي نوعاً ما يميل إلى التداخل أو الامتداد إلى مجالات أخرى في حياة الإنسان، فمعظم الناس عندما يغضبون يعبرون عن أنفسهم بطريقة عدائية بارتباطات لا يشعرون بالغضب معها، وفي الغالب نجد أن هذا يخلق توتراً لا ضرورة له وجو غير مريح وغير إنتاجي.
3. الاكتئاب والقلق الناجمان عن التوتر المتزايد النابع من الغضب يمنع الأداء الفعال في نواحي أخرى من حياة الشخص.
4. الحالتان المندمجتان (2،3) يمكن أن يخلقا استجابات سلبية من الأشخاص الآخرين تسبب بدورها الشعور بالنقد الشديد للنفس، ومع أشخاص كثيرين يأخذ النقد أكثر الأشكال من تحقير الذات.
5. أن تكرار الغضب المركب من مزيج من التأثيرات الجانبية المذكورة آنفاً يمكن أن تخلق توتراً صعباً داخل النفس وفي علاقة الإنسان بالآخرين.
وهناك بعض الطرق المنخفضة للتعامل مع الغضب:
1. أعلن غضبك، قل لمن أغضبك ” إنني غاضب منك “، تماماً كما تقول إني متعب أو إنني أشعر بالخوف.
2. انبذ الغضب على أنه شيء غير ملائم حتى إذا عوملت بصورة سيئة أو بطريقة ظالمة، وواجه الحقيقة، وهي أنك الذي خلقت غضبك الخاص، وأنت لست في حاجة إلى ذلك.
3. اطلب المساعدة من صديق وأظهر له أن لديك مشكلة في التعامل مع الغضب، فمن الممكن أن يقدم لك بعض الخطط والنصائح ليساعدك على التخلص من الغضب وأن يجعل علاقاتك بالآخرين أفضل.
4. أظهر غضبك وقل لنفسك وبصراحة ” انظر دعني أواجه الغضب “، فبمجرد أن تعلن تعبك لنفسك وتعمل على تلطيفه يمكن حينئذ أن تختار أو لا تختار.
5. اقبل نفسك بغضبك فبمجرد أن تدين أو تعلن نفسك بسبب أعراض العصاب لديك (القلق – الاكتئاب – الغضب ومشاعر عدم الجدارة ….) فإنك تميل إلى إيقاف كل التقدم في تخليص نفسك من مثل هذه الأعراض.
6. توقف عن جعل نفسك قلقاً ومكتئباً ومحقراً لذاتك فكما تتعلم أن تقبل نفسك مهما كنت تشعر بالغضب أو مدى حماقة تصرفك عندما تكون غاضباً فإنك تستطيع أن تتعلم تقبل نفسك مع أي سلوك آخر لك خطأ أو سيئاً.
وطبقاً لموقف علماء النفس فهناك أحد البدائل الثلاثة للتعامل مع الغضب، ويعلق أليس على هذه البدائل بالآتي:
• البديل الأول: أن يشعر الإنسان بالغضب ولكنه يكبته ويقمعه، إخماد الغضب لن يفيد كثيراً والحزن الذي لا يعبر عنه الإنسان سوف يسبب مزيداً من الأضرار أكثر من المشاعر التي نعبر عنها بحرية وبصراحة. حيث تقرر نظرية السوائل المتحركة أن الغضب والعواطف الأخرى تتجه إلى الزيادة في شدتها والتمدد تحت ضغط مثل البخار في الغلاية.
• البديل الثاني: أن يشعر الإنسان بالغضب ويعبر عنه بحرية، فعلى العكس من ذلك، فإذا ترك الإنسان نفسه للتعبير الحر عن الغضب فمن الممكن أن يواجه كثيراً من المشاكل بين الحين والحين، فالآخرون سوف يفسرون هذا التعبير الحر عن الغضب بأنه عمل عدواني خارجي، فربما يحبسون أنفسهم عنك أو يستجيبون لك بصورة دفاعية بمزيد من العداء.
• البديل الثالث: يتمثل في الغضب البناء أو العدوان الإبداعي، فحاولوا حل المشكلة، بهذا البديل وهو ما يطلقون عليه (العدوان الإبداعي) ويختلف هذا عن طريقة التعبير الحر السابقة حيث إن الإنسان يعبر عن نفسه بصورة أكثر انضباطاً وتأمل في الغالب، ضد الرجاء في أن الآخرين سوف ينصتون برغبتهم إلى وجهة نظره ويتفهمونها.
الغضب هو العقاب الذي نعاقب به أنفسنا على خطأ اقترفه شخص آخر ” إيمانويل كانت ”
لكل فعل رد فعل ولكل شيء في الحياة كفتان فيها الجيد وفيها المُضر، وأفضل الأمور الوسط فليس من الجيد أن تكون غضوباً فإنك تنقص من عمرك عمراً، وليس من الجيد أن تكتم الغضب فقد يسبب أضراراً جسدية بالغة.
وأوجز الصادق النيهوم، الكاتب والفيلسوف الليبي، بمقولته عن تلافي الغضب “افتحوا نوافذكم على العالم، وواجهوا أنفسكم، ودعوا الأشياء تنال قيمتها الحقيقية بدون إقحام لعامل الغضب والرضا.

المراجع:
1. د. عصام عبد اللطيف العقاد، سيكولوجية العدوانية وترويضها، دار الغريب، 2001.
2. سامر حمدان، موقع موضوع، 2015.
3. جيل لندنفيلد، إدارة الغضب، مكتبة جرير، إعادة طبع الطبعة الرابعة 2008.
4. د. ابراهيم وجيه محمود، المراهقة، دار المعارف، 1981.

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2017) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2017)

شاهد أيضاً

تنمية اجتماعيه (1) التفكير خارج الصندوق (13)

شبكة بيئة أبوظبي: بقلم الباحثة: سيلفا صائغ، باحثة في العلوم الإنسانية الاجتماعية 6 فبراير 2019 …