الأربعاء , أبريل 1 2020
أخبار عاجلة
الرئيسية / CSR / أقلام مسؤولة / سيلفا صايغ / تنمية اجتماعية (1) التفكير خارج الصندوق (3)

تنمية اجتماعية (1) التفكير خارج الصندوق (3)

شبكة بيئة أبوظبي: بقلم الباحثة: سيلفا صائغ، باحثة في العلوم الإنسانية الاجتماعية 14 يوليو 2018
تطرقت في المقالة السابقة إلى الطريق لاكتشاف عالمنا والتعرف إليه، وعرَّفت الصندوق، وذكرت أمثلة عن بعض الصناديق في حياتنا، وسأفصِّل بذكر بعض الصناديق وأكثرها انتشاراً في حياتنا، مما يساعد في البحث واكتشاف الصناديق الخاصة لكل شخص، رغم تعدد وتنوع الصناديق علَّ هذه المقال تكون باباً للوصول بكل شخص إلى صناديقه ومعرفتها.
بدايةً: لازال ما نعرفه اليوم عن الإنسان محدوداً بالمقارنة بما نعرفه عن عناصر البيئة الأخرى والعالم المادي والطبيعي، وحتى هذا القليل المحدود من المعرفة العلمية بالإنسان غير معروف إلا للقلة القليلة المتخصصة، ومن هذا المنطق نرى أن دراسة علم النفس يجب أن تعتمد على مبدأين هما: الصرامة والتشويق.
الصرامة التي تفترضها قواعد المنهج العلمي الذي أصبح اليوم مطمح العلوم الإنسانية والطبيعية، والتشويق الذي يجب أن تثيره موضوعات علم يركز على موضوع من أكثر الموضوعات إثارة للفضول وحب الاستطلاع وهو الإنسان، وهذا المنطق يدفعنا لتحليل ذواتنا والبحث عنها وفيها، فلكل إنسان ” أنا ” خاصة به، ومن حق كل شخص أن يكتشف طاقته وإمكانياته ونقاط ضعفه ومقاومتها والتحرر منها، لذا سنفصِّل بالحديث عن الصناديق التي تحبسنا داخلها ولو أننا من الصعب أن نحيط بها كلها لتعددها وتنوعها عند كل شخص، ولكن سأسعى قدر الإمكان للإحاطة بأهم الصناديق المكبلة حياتنا وتكون مثالاً يساعدك لإيجاد صناديقك ولو لم تُذكر هنا.
القسم الثاني: التعرف على الصناديق
أولاً: كيف دخلنا إلى الصندوق:
تشير الإحصائيات الصادرة من منظمة الصحة العالمية إلى تزايد هائل في انتشار الاضطرابات النفسية في العالم نتيجة لعوامل كثيرة ومتداخلة، نفسية وبيولوجية واجتماعية، وتتسبب في تدهور ومعاناة يمتد تأثيرها من المريض إلى الأسرة والمجتمع. وهذه الاضطرابات تأسرنا وتأخذنا إلى طرقات مختلفة لا نريدها. وكذلك فإننا نتصارع ونتحدى كثيراً، لنتخلص من الضغوط، لكن واقع الأمر أننا نحقق المزيد منها، كذلك نميل إلى أن نكون معتدلين أكثر من كوننا مفرطين في كل ما نقوم به، إلى درجة أننا نفقد تركيزنا. فمن الممكن أن تصبح المشاعر مهيمنة في بعض الأوقات إلى درجة أننا لا نعرف إن كنا نشعر بالسعادة أو الحزن أو كليهما، فالضغوط والتأثيرات الخارجية والداخلية هي ما يقودنا إلى داخل الصندوق وتجعلنا نستسلم له فيستحوذ علينا، وهناك أفعال تجعلنا محتجزين داخل الصندوق ومن هذه الأفعال: (الجهل، الصداقة المزيفة، الاستسلام للسيطرة، التسرع، الخيانة، التعصب، الازدواجية، اللامبالاة، الكذب، ادعاء معرفة كل شيء، الانطوائية، التكبر، الحديث المبتذل وغيرها كثير)، هذه بعض الأفعال التي تتواجد بكثرة في حياتنا أو حياة من حولنا، فتجعلنا أسرى الصندوق.
ثانياً: التعرف على الصناديق داخلنا:
لقد تحدثنا مسبقاً عن بعض الصناديق، وهي متعددة وكثيرة، ويصعب تحديدها جميعها ولكن سنذكر أهم الصناديق وأكثرها قرباً إلينا وأسراً لنا، ومن أهم هذه الصناديق:
1) صندوق الخوف: وهو أكبر الصناديق، وممكن أن يكون من الصناديق المفيدة في بعض الأحيان، كالخوف من الانتحار، أو الخوف من أن نؤذي من نحبهم، ولكن بالمجمل الخوف هو من أكبر القيود للإنسان في الحياة وفي التقدم والتغيير. الخوف هو أصل الصناديق الأخرى التي تعد بطريقة أو بأخرى فروعاً لشجرة الخوف، فهذا الصندوق متعدد الأبعاد، ويشمل: الخوف من الفشل ومن النجاح ومن الخسارة ومن فقدان الحب أو الاهتمام ومن الوحدة ومن الألم البدني أو النفسي ومن سخرية الآخرين ومن الوقوع في الخطأ، وهناك العديد والعديد من المخاوف الأخرى، فما ذكرته لا يعد إلا قطرة صغيرة في بحر ” الخوف ” وربما تعكس بعض السلوكيات والمشاعر كالغضب والإحباط والاكتئاب والحزن، وقد تكون المخاوف خاصة أو عامة، معروفة أو مجهولة، مبررة أو من وحي خيالنا. فالخوف من التعرض للألم البدني أو النفسي قد يجعلك تتحملين الاستمرار في علاقة فاشلة، الخوف من الوقوع في الأخطاء فقد يجعلك صامتاً في اجتماع لطرح الأفكار في العمل. فإنك تقبع داخل صندوق الخوف، نظراً لأنه كيان معروف وأن المجهول الكبير المنتظر بالخارج يبدو أكثر ترويعاً.
2) صندوق الماضي: هناك الكثير من التجارب المختلفة التي قد تترك آثاراً كبيرة وذكريات مؤلمة لمن مروا بها، فالذكريات قد تكون كبيرة جداً أو صغيرة جداً إلا أنها تترك أثراً لا يمحى. وأيضاً ممكن أن تكون مواقف حياتية نصادفها كل يوم، إلا أنها قد يكون لها تأثير خاص في حياتك، مثل:
• الإهمال أو الإيذاء (بدنياً أو لفظياً أو عاطفياً).
• تجاهل الآخرين.
• مشكلات مالية.
• اختلافك عن أترابك بطريقة ما.
• فقدان شخص حبيب.
وغيرها كثيراً مما يجعلنا أسرى لصندوق الماضي لما في حياتنا من مراحل كل إنسان يمر بها ولها عند كل إنسان تأثير خاص. فإما أن تجعلنا حبيسين هذا الصندوق أو نتخطاها.
3) صندوق الكمال: يتخذ البعض الكمال أسلوباً لحياتهم، إلا أن هناك عيوباً تتعلق بالعيش داخل هذا الصندوق. وقد لا تكون الخسارة بالنسبة لهؤلاء ممن يلتصقون بصندوق الكمال كبيرة أو واضحة، غير أنها بالنسبة للآخرين الذين يعيشون مع هؤلاء الذين يظنون أنهم دوماً على صواب، قد تكون فادحة. يبدأ السعي نحو الكمال في سن صغيرة عندما يتربى الطفل في بيئة يسودها النقد الدائم و / أو حيثما تكون التوقعات المغالية فيما يتعلق بالسلوك هي القاعدة العامة. فيصبح الطفل متزعزعاً في تقديره لذاته حيث إنه يرى أن قبول الناس له يرتبط ارتباطاً لصيقاً بأدائه.
إذاً: ماذا يحدث إذا لم يستطع الإنسان التحكم في صندوق الكمال الذي يسيطر على حياته؟ يمكن لهذا الأمر أن يؤثر على الجوانب الثلاثة المتعلقة بحياة الإنسان وهي: العمل والعلاقات الاجتماعية والصحة. حاول أن تدرس صندوق الكمال بعناية وتذكر أن جذوره ممتدة داخل صندوق الخوف، وخطط لنفسك لأن تفشل ولكن في نطاق ضيق أو حاول أن تجبر نفسك على تغيير الروتين ولو ليوم واحد، ثم حاول أن ترى ما إذا لاحظ الآخرون ذلك فيك، فربما تندهش وتكتشف شيئاً جديداً لم تتخيل أنه ممكن بالنسبة لك.
4) صندوق الفراغ: الفراغ هو ذلك الشعور الذي يترك الإنسان مثقلاً بالهموم أو يسلبه حيويته، فيشعر بانعدام الهدف أو يشك في قيمته في هذه الحياة. حتى من يمتلك هدفاً يسعى إليه عندما يصله ويحتفل بنجاحه وصوله للهدف، سيبدأ بعد ذلك بالشعور بالفراغ والبحث عن هدف آخر يسعى إليه. فلذلك أبدأ الآن في تحديد احتياجاتك الفعلية في الحياة. ابحث عن طريقة توقف بها الضوضاء التي تحيط بحياتك واستمع إلى الصوت الذي يتحدث بداخلك على الرغم من اعتقادي بأن صندوق الفراغ يعد من أصعب الصناديق في تحديده وفهمه، فإنه يمكن التخلص منه مهما كانت درجة تعلقك به، قم فقط بأداء ما عليك. ربما يكون الفراغ من صنعنا كأشخاص، يجب فهم ذواتنا والتصالح مع أنفسنا والبحث عن جانب آخر من الحياة يحقق الإثارة والتغيير، فالفراغ هو صندوق كبير ومن وجهة نظري فالحياة بأسرها تعيش في صندوق الفراغ.
5) صندوق التفكير بالانتحار: الانتحار هو حل طويل المدى لمشكلة قصيرة المدى.
الانتحار هو الطريق الذي لا رجعة منه، فكم من الأشخاص حاولوا الانتحار أملاً منهم في أن يسمع أحد صرختهم، فهم لا يرغبون حقاً في الانتحار، ولكنهم ينهون حياتهم بأي وسيلة، فاعلم أنه هناك أكثر من وسيلة لجذب انتباه الآخرين لك والحصول على المساعدة منهم غير الانتحار. هناك دائماً أمل في الحياة، وكل ما ينبغي فعله هو أن تفكر في الفرص المتاحة أمامك وتقرر الخروج من هذا الصندوق المدمر. فصندوق الانتحار هو هاجس لكل ضعف يختبأ وراء هذا الصندوق، وبمجرد حبك لنفسك تستطيع أن تتغلب على هذا الصندوق.
6) صندوق الأسرار: سواء أكان هناك شخص يخفي عنك سراً ولا تملك أنت السيطرة على الموقف، أم تخفي أنت سراً عن الآخرين، وتحتفظ به لنفسك أو أن تكون مؤتمن على سر، فإن هذا يمكن أن يكون من أشد الأمور التي يمر بها الإنسان في حياته قسوة، ففي كل الأحوال قد تسبب تلك المسألة قدراً كبيراً من الضغط النفسي. السؤال هنا هو: ما الثمن الذي ندفعه مقابل الاحتفاظ بهذه الأسرار؟ فالسر حمل ثقيل على القلب يجعلك في فوضى دائمة تتخبط بين الصحيح والخطأ.
7) صندوق توقعات الآخرين: كم من البشر يتخذون قراراتهم بناءً على ما يعتقده الآخرون. وكم من البشر تتقيد حياتهم بناءً للآخرين. إنه من المهم جداً أن تعرف أنه حتى لو تعلق الأمر بمن هم داخل دائرة حياتي الشخصية، فهم لا يعيشون حياتي، ولا يشعرون بما أشعر به، ولا يلمون بأفكاري الدفينة، أو يؤدون مهامي، وطالما أنني صريحة وصادقة معهم وأحبهم دون شرط أو قيد وأهب نفسي لهم وأحس بمشاعرهم وأحترمها، فلن أكون مجبرة على العيش داخل صندوق توقعاتهم تجاهي.
ربما يكون صندوق الخوف هو الصندوق الأكبر لتأثيره الواسع على باقي الصناديق، أما بالنسبة لي فقد أنهيت بالصندوق الأهم والأقوى والأكثر انتشاراً. فجميعنا نعيش داخل هذا الصندوق دون أن ندري، وخاصة في مجتمعاتنا العربية، فلا بد لنا من التخلص من هذا الصندوق لنعيش بسلام داخلي.
ربما ستجد نفسك في أحد هذه الصناديق وربما ستساعدك هذه الصناديق في فهم نفسك والبحث عن الصندوق الذي يحبسك داخله، فالإحاطة بكل الصناديق أمر صعب فلكل شخص حياته وماضيه وذكرياته ومخاوفه وأشياء يحبها وأشياء يكرهها، ولكن أقول: من السهل عليك أن تعرف الصندوق الذي يحتل حياتك ويؤثر فيها، ولكن من الصعب أن تعرف كيف تخرج منه، اعرف نفسك أبحث عنها، ففي الحياة الكثير من الأمور التي تجعلنا عبيداً لها، فكن أنت وساعد نفسك.
تذكر أنك ستظل عالقاً في هذه الصناديق مدى الحياة طالما اخترت ذلك. فالأمر كله يرجع إلى اختياراتك، وقد يبدو الهروب من هذا الصندوق بطيئاً وصعباً في البداية، ولكن إذا قررت ذلك ستصل بالتأكيد إلى غايتك.
ثالثاً: كيف نفكر خارج الصندوق متى نفكر داخله
“يحمل كلٌ منا بداخله خبراً يدعو للتفاؤل، وهو أنك لم تتعرف بعد على ما يمكن أن تصل إليه في هذه الحياة، ولم تدرك كم الحب الذي يوجد بداخلك، أو ما يمكنك إنجازه، فأنت لم تعلم بعد حجم إمكانياتك ” آن فرانك.
لا يقع الإنسان الذي يتمتع بثقة كبيرة بالنفس فريسة صناديق الخوف الكبيرة، كما أنه لا يحبس نفسه داخل الصناديق الصغيرة، هو يملك درعاً واقياً يقوم بحمايته.
إن العولمة بآليتها الرهيبة تضغط على الناس من أجل جعلهم يهتمون بالمصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة، والتنازل عن المبدأ في سبيل المنفعة، وإيثار العاجل على الآجل، كما أنها تفرض معايير جديدة للحصول على العيش الكريم، إذ أنه من الآن فصاعداً لن ينفع أي شيء عادي، وسيكون المستقبل للأشياء المتفوقة والباهرة، وهذا كله يحتاج منا أن نتعلم من جديد كيف نتشبث بمبادئنا وأصولنا، وأن نتعلم كيف نطور امكاناتنا ومهاراتنا، وكيف نكون دائماً في الطليعة الخيِّرة والمنتجة. فعلينا إذاً أن نعرف ذاتنا كما ذكرنا سابقاً ونكتشف صناديقنا لكي نستطيع مجابهة العولمة ومعرفة متى نفكر داخل الصندوق ومتى نفكر خارجه.
فأحياناً تكون بعض الصناديق مرتبطة فينا بسبب من الأسباب، لذلك علينا الخروج منها والتدرب على كيفية النظر لهذا الصندوق من الخارج دون أن نكون أسيرين له. فنتحكم به ونأخذ منه ما نريد دون أن نستسلم له.
برأيي أهم ما قيل وكتب هو أن: الجهل هو أخطر مشكلة واجهها الإنسان على مدار التاريخ، والمشكلة الكبرى أن يكون المرء جاهلاً بأنه جاهل، فيدعي المعرفة دون أن يمتلكها.
فكر في الصورة التي يمكنك رسمها لنفسك لتمنحك القوة والثقة، وتقبل بصدر رحب كافة الأفكار التي يمكن أن تخطر ببالك. قدِّر ما تريد أن تمثله لنفسك وللآخرين وصمم صورة لنفسك تقوم على هذه الأفكار.

المراجع
1. د. عبد الستار ابراهيم، كتاب الإنسان وعلم النفس، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، يناير 1978م.
2. د. لطفي الشربيني، كتاب الطب النفسي وهموم الناس، منشأة المعارف، 2003م.
3. ديان ديكون ومايك فانس، كتاب التفكير خارج الصندوق، مكتبة جرير، الطبعة الأولى 2002م.
4. ماري جوفاي، كتاب التفكير خارج الصندوق، إعداد قسم الترجمة بدار الفاروق، الطبعة الثالثة.
5. أ.د. عبد الكريم بكار، كتاب اكتشاف الذات، دليل التميز الشخصي، دار وجوه للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة 1431ه.

عن Eng. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2020) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2020)

شاهد أيضاً

تنمية اجتماعيه (1) التفكير خارج الصندوق (16)

شبكة بيئة أبوظبي: بقلم الباحثة: سيلفا صائغ، باحثة في العلوم الإنسانية الاجتماعية 2 مارس 2019 …