الإثنين , أكتوبر 21 2019
أخبار عاجلة
الرئيسية / CSR / مسؤولية مجتمعية / رياضة مسؤولة / يمكنك البدء في الركض في اَي عمر

يمكنك البدء في الركض في اَي عمر

العدد 2 من المجلد الثالث والخمسون 2016 2016/01
ماهر ناصر هو مدير شعبة التوعية، إدارة شؤون الإعلام، بالأمم المتحدة.
لم يكن الركض من النشاطات التي كنت أحب ممارستها اثناء طفولتي في رام الله ولَم اركض الا لمسافات قصيرة اثناء اللعب مع أطفال اخرين أو في دروس التربية البدنية في المدرسة أو للهرب من الجنود اثناء المظاهرات. وفِي العام 1986، ركضت مع صديق لي كان يمارس الركض كل يوم لمدة تتراوح من 45 الى 50 دقيقة اثناء ساعة الغداء. ولكني لم استطع الركض لأكثر من 20 دقيقة وانتهى بي الامر بركوب الحافلة والعودة الى الملتقى الفكري العربي، المنظمة غير الحكومية في القدس الشرقية التي كنّا نعمل كلانا فيها في تلك السنة. وكانت تلك بداية ونهاية تجربتي في الركض في أوائل عشرينيات عمري. ولَم ابدأ في الركض مرة اخرى إلا في عام 2013 بعد ان بلغت سن الخمسين ببضعة أشهر.
وفي 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 فعلت شيئا لم أتصور قط أنني سأتمكن أبدا من القيام به، وهو: أنني أكملت ماراثون مدينة نيويورك في العدو. وكان هذا هو أول ماراثون أشترك فيه، وعندما اجتزت خط النهاية قلت لنفسي إنه سيكون آخر ماراثون أشترك فيه. وكنت أعلم أن الركض مسافة قدرها 26.2 ميلا (42.2 كيلومترا) سيكون منهكا، ولكنه كان أكثر إنهاكا للجسم وللعقل مما توقعت، وعاهدت نفسي ألا أكرره أبدا.
وإكمال ماراثون لم يكن يمثل بالنسبة لي نهاية في حد ذاته. فعندما أكملت دراستي الثانوية حصلت على منحة دراسية من وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا). ولقيت المنحة تقديرا بالغا من أسرتي التي تضم ستة أطفال، لأن ثلاثة من أشقائي كانوا طلبة في الجامعة عندما أكملت تعليمي الثانوي. وتوفير التعليم هو أثمن استثمار يمكن أن يقدمه اللاجئون الفلسطينيون لأولادهم. فالأسر تكون على استعداد للتضحية بالكثير من أجل كفالة إكمال أولادهم الدارسة في المدارس، والانتظام في الدارسة في جامعة والحصول على أعلى شهادة، إن أمكن. وعلى مر السنين، انخفض عدد المنح الدراسية التي تقدمها الأونروا للاجئين الفلسطينيين، وهذا العدد يتوقف على تبرعات الجهات المانحة. وقد قررت، باعتباري مستفيدا سابقا من البرنامج، أن أساعد بدوري الطلبة المحتاجين على إكمال دراساتهم الجامعية والحصول على الشهادة التي يحلمون بها والتي تتضرع أسرهم إلى الله ليلا ونهارا أن يتمكنوا من الحصول عليها.

وأصبحت عضوا في منظمة عدائي الطرق في نيويورك، واشتريت حذاء ركض وركضت في أول سباق لي مسافته 4 أميال في السنترال بارك في نيسان/أبريل 2013. ومنذ ذلك الحين، ركضت في حوالي 30 سباقا آخر، منها ثلاثة كانت نصف ماراثونات، وواحد كان ماراثونا كاملا، وخمسة كانت سباقات لمسافة 10 كيلومترات، والبقية كانت في معظمها سباقات لمسافة تتراوح من 4 إلى 5 أميال. ولا تملك، عندما تشترك في سباق، أن تغالب الانجراف وسط طاقة وحماس آلاف العدائين من حولك. فالعداؤون من جميع الأعمار والقدرات يصطفون، سواء كانت السماء تمطر أو كانت الشمس ساطعة، منتظرين بلهفة انطلاق إشارة البدء قبل أن ينطلقوا في الركض بسرعات مختلفة وبأساليب متباينة. ويكون الهدف بالنسبة لغالبية العدائين هو إكمال السباق وربما تسجيل أفضل رقم قياسي شخصي فيما يتعلق بتلك المسافة. وبالنسبة لي، كانت السباقات مدرجة أيضا في البرامج التدريبية لأنصاف الماراثونات أو لماراثون مدينة نيويورك. وكانت هذه السباقات توفر لي حافزا كبيرا على مواصلة التدريب وكانت تمثل تغييرا عن عمليات الركض الانفرادية على امتداد النهر الشرقي (East River)، أو في السنترال بارك، أو على جهاز المشي الكهربائي. وتوفر السباقات أيضا وسيلة لضمان الاشتراك في ماراثون العام التالي. وتلتقي هناك بعدائين آخرين وتسمع منهم عن أهدافهم وتطلعاتهم، وأيضا في كثير من الحالات عن القضايا التي يجمعون أموالا من أجلها، من قبيل بحوث السرطان، أو منظمة خيرية في الحي، أو منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف).
وفي عام 2014، فاتحتني ثلاثة من الزميلات، بعد أن علموا باهتمامي الجديد بالركض، في الاشتراك في سباق يسمى ”اركض 10 واطعم 10“، كان مقررا إقامته يوم 21 أيلول/سبتمبر من ذلك العام. وأتاح السباق لكل عدّاء أن يختار القضية التي سيجمع أموالا من أجلها. واخترت أن أجمع أموالا من أجل نداء الطوارئ الخاص بالأونروا لصالح غزة من أجل المساعدة على إطعام 10 أسر لمدة شهر؛ فمبلغ 080 1 دولارا سيوفر لأسرة الإمدادات الغذائية الشهرية الأساسية. ومع أنني لم أبلغ هدفي الأصلي، فقد استطعت أن أجمع 350 5 دولارا، وهو ما يكفي لإطعام 5 أسر لمدة شهر. وبوجود هذه التجربة في ذهني، ومع بدئي في التدريب من أجل ماراثون مدينة نيويورك في حزيران/يونيه 2015، أنشأت صفحة لجمع الأموال على منصة تمويل جماعي وأطلعت أسرتي وأصدقائي وزملائي عليها من خلال الفيسبوك وبريدي الإلكتروني. وكنت أنشر على الصفحة بصفة منتظمة آخر المستجدات بشأن تدريبي والأموال التي جُمعت على مدى أسابيع. وأشعر بالامتنان لما لقيته من مساندة وتشجيع هائلين. وكل مرة كدت فيها أن أكف عن الركض على سبيل التدريب لإحساسي بالتعب الشديد أو لشدة الحر أو شدة البرد، كنت أتذكر عدد التبرعات التي قُدمت على صفحتي المخصصة لجمع الأموال والرسائل التي تثلج الصدر التي بعثها أولئك الذين ساندوا قضيتي مساندة كاملة. وعندئذ كنت أرتدي حذاء الركض وأقوم بالركض للمدة التي أخصصها لذلك اليوم. ولو لم أكن قد ربطت ركضي بهدف جمع أموال ولقيت هذه المساندة الساحقة لما ركضت مسافة الخمسمائة ميل تقريبا في الأسابيع العشرين التي سبقت الماراثون، أو لما استطعت إكمال الماراثون نفسه. فقد كان الالتزام بهدف يؤثر على حياة آخرين أمرا أساسيا دفعني إلى إيجاد الوقت والطاقة للركض مسافة تتراوح من 25 إلى 30 ميلا كل أسبوع.

وخلال الأسابيع العشرين للتدريب الخاص بالماراثون جمعت 000 29 دولار. وبفضل مساندة وسخاء أسرتي والأصدقاء والزملاء، حصلت كل من ياسمين ونور ووردة على منحة دراسية ستغطي تكاليف الدراسة لمدة أربع سنوات في الجامعة. وتدرس ياسمين اللغة الإنكليزية والأدب الإنكليزي في جامعة بيرزيت بالقرب من رام الله، وتدرس نور اللغة الإنكليزية في جامعة النجاح في نابلس. أما وردة فهي تدرس لتكون معلمة في جامعة الأقصى في غزة. وقد حصلت الفتيات الثلاث على درجات تراوحت من 96.6 إلى 97.6 في المائة في امتحان التوجيهية (امتحان إنهاء الدراسة الثانوية) الذي يؤديه جميع خريجي المدارس الثانوية في فلسطين. ولم يتسن تقديم منحة رابعة، لأن الأونروا تشترط على الجهات المانحة تأمين مبلغ قدره 000 8 دولار لتغطية رسوم التعليم لمدة أربع سنوات من الدراسة والمبلغ الذي جمعته حتى الآن يقل عن ذلك بمقدار 000 3 دولار.
وقد التحقت، تحضيرا لماراثون مدينة نيويورك، ببرنامج تدريبي على الإنترنت، وانضممت إلى مجموعة من المشاركين في برامج على الفيسبوك، وطلبت مشورة، ممن كنت أعلم أنهم اشتركوا سابقا في مارثون، بشأن مواضيع مثل أفضل أحذية الركض التي يجب أن أشتريها، والملابس التي يجب أن أرتديها في السباق، وأفضل وقت في اليوم للتدريب، وأفضل أساليب الإماهة والإمداد بالطاقة، وما هو الطعام الذي يجب أن أتناوله الليلة التي تسبق الماراثون، وكيف أُبقي على تركيزي وحماسي. وبطبيعة الحال، ذكر الجميع ”الجدار“ – أي النقطة التي يريد عندها جسدك وعقلك أن تترك السباق وتصبح عندها الرغبة في التوقف رغبة عارمة. و ”الجدار“ يشعر به المرء عادة بين الميل الحادي والعشرين والميل الثالث والعشرين، وهي مسافة أطول تدريب على الركض قبل الاشتراك في ماراثون. وعندما اشتركت في ماراثون مدينة نيويورك أصابتني الدهشة لأنه بينما كان الجميع يتحدثون عن ”الجدار“ لم يذكر أحد ”الحاجز“ عند الميل الرابع عشر، ولا ”السور“ عند الميل الثامن عشر، ولا ”الحفرة“، وهي الأسوأ، عند الميل الخامس والعشرين، التي تجعلك خائر القوى. وعندما تصل إلى ”الحفرة“، عليك فعلا أن تجبر نفسك على إكمال ذلك الميل الأخير وذلك الممشى الممتد مسافة قدرها 0.2 ميل على امتداد غرب السنترال بارك الذي يفضي إلى خط النهاية في الحديقة.
وبإكمال ماراثون مدينة نيويورك في عام 2015 أكملت برنامج 9+1 – أي تسعة سباقات وفرصة لمتطوع واحد – اللازم للتأهل لسباق العام التالي. ومن ثم، عندما وصلت رسالة البريد الإلكتروني من عدائي طرق نيويورك، لم أتردد في تسجيل اسمي للاشتراك في ماراثون عام 2016. ومثلما فعلت في عام 2015، سأبدأ سريعا في جمع أموال من أجل مزيد من المنح الدراسية في فلسطين. وآمل أن أحطم الرقم القياسي الذي حققته في العام السابق وأن أجعل المزيد من الفتيات والفتيان قادرين على تحقيق تطلعهم إلى الالتحاق بالجامعة.

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2017) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2017)

شاهد أيضاً

المسؤولية الاجتماعية في الدوري الياباني أنموذجاً

شبكة بيئة ابوظبي: دلال الدوسري 16 يونيو 2018 يعتبر دوري المحترفين الياباني من أقوى الدوريات …