الإثنين , أكتوبر 21 2019
أخبار عاجلة
الرئيسية / CSR / مسؤولية مجتمعية / رياضة مسؤولة / تعزيز الرياضة لتنمية الإنسان وسلامته: المكونات النفسية للاستدامة

تعزيز الرياضة لتنمية الإنسان وسلامته: المكونات النفسية للاستدامة

مجلة الأمم المتحدة: العدد 2 من المجلد الثالث والخمسون 2016 2016/01

جونو ماهان غاري، الحاصل على درجة الدكتوراة في علم النفس، فهو أستاذ في قسم تعليم المستشارين بجامعة كين (Kean) في نيوجيرسي، بالولايات المتحدة الأمريكية. أما نيل س. روبين، الحاصل على درجة الدكتوراة، هو أستاذ في كلية إلينوى لعلم النفس المهني بجامعة آرغوسي (Argosy) في شيكاغو، إلينوى، بالولايات المتحدة الأمريكية. وكلاهما عضوان في الرابطة الأمريكية لعلم النفس، وهي منظمة غير حكومية معتمدة لدى الأمم المتحدة.

في صيف عام 2016 سيتركز قدر كبير من اهتمام العالم على الرياضيين الذين يمثلون بلدانهم في الألعاب الأولمبية والألعاب الأولمبية للمعوقين في ريو دي جانيرو، بالبرازيل. وسوف نُدهش، باعتبارنا مواطني العالم، بإنجازات هؤلاء الرياضيين غير العاديين الخارقة. وسنحتفي أيضا بروح الألعاب، التي تشجع الصداقة والتعاون الدوليين، ونحن نشاهد الرياضيين وهم يتنافسون سلميا في حلبات اللعب لا في مناطق نزاع، على الرغم من خلافات بلدانهم الجيوسياسية. وقد أصبح ممثلو الأمم المتحدة مناصرين نشطين لهذا المثل الأعلى الأولمبي. وتلتزم الجمعية العامة للأمم المتحدة، إحياء منها لتقليد يرجع إلى اليونان القديمة، بهدنة أولمبية تبدأ في اليوم السابع قبل بدء الألعاب الأولمبية وتستمر حتى اليوم السابع بعد اختتام الألعاب الأولمبية للمعوقين، توافق فيها البلدان على وقف كل النزاعات وتوفير المرور الآمن للرياضيين والزائرين. وفي الوقت ذاته، يحوّل ممثلو الأمم المتحدة والدول الأعضاء فيها اهتمامهم، واهتمامنا، إلى خطة التنمية لما بعد عام 2015، التي تتضمن مجموعة من 17 هدفا للتنمية المستدامة. وهذا التلاقي بين المناسبات يجبرنا على أن نتساءل كيف يمكن للمشاركة في الرياضة أن تعزز الاستدامة والسلام وحقوق الإنسان. وبعد كل شيء، عندما يفكر معظم الناس في الرياضة فإنهم يتصورون عادة ”تنافساً يكسب فيه واحد ويخسر الآخر. ومع ذلك من الممكن أيضا تصور الرياضة على أنها تمثل أهدافا جامعة تتجاوز المكسب والخسارة. فعلى سبيل المثال، نحن نهتم على وجه الخصوص بالكيفية التي تعزز بها الرياضة تنمية الإنسان وسلامته بالتضافر مع الهدف 3 من أهداف التنمية المستدامة، وهو ”ضمان تمتع الجميع بأنماط عيش صحية وبالسلامة في جميع الأعمار“. ونحن نبرز هذه الصلة بين الرياضة والنماء النفسي ونؤكد الترابط بين تحقيق الهدف 3 وتعزيز الجوانب الأخرى للاستدامة.

الرياضة، ومهارات الحياة، والمواطنة العالمية
قد نتساءل، في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين الملحة الكثيرة، من قبيل الحرب في سورية، والإرهاب، والهجرة العالمية، وأزمة فيروس زيكا، لماذا ينبغي أن يستثمر المجتمع العالمي وقتا وموارد في الرياضة. ومن منظور عالمي، للرياضة إمكانية تجميع رياضيين من خلفيات متباينة ربما يتعرضون لظلم اجتماعي يتعلق بنزاع إثني – ديني، أو نزاع إثني – قومي، أو انعدام المساواة بين الجنسين، أو الطبقية، ومع ذلك فهم يتنافسون بفخر كأشخاص متساوين في حلبة الرياضة. ولأن البرامج الرياضية تجسد المبادئ الأساسية المتمثلة في العدل، و احترام المعارضة، والعمل بروح الفريق، واحترام قواعد اللعبة، يعمل مكتب الأمم المتحدة المعني بتسخير الرياضة لأغراض التنمية والسلام على نحو نشط مع كيانات منظومة الأمم المتحدة، ومن بينها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، وهيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة (هيئة الأمم المتحدة للمرأة)، ومنظمة الصحة العالمية، وإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك مع منظمات غير حكومية، من أجل إيجاد تقدير لمساهمات الرياضة في التنمية المستدامة، والمواطنة العالمية، والتفاهم المتبادل، و بناء السلام. وإضافة إلى ذلك، حددت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أن الرياضة حق من حقوق الإنسان.

وبالتلازم مع ذلك، فصّلت البحوث النفسية وبحوث العلوم الاجتماعية التي تدرس برامج التدخل الرياضية قيمة مشاركة الشباب في الرياضة كسبيل لتحسين مجموعة متنوعة من مهارات الحياة وتوليد الإحساس بالمواطنة العالمية. ومن بين مهارات الحياة هذه المهارات الإدراكية والانفعالية، والتواصل الشخصي والمهارات الاجتماعية التي تعزز التنمية الاجتماعية، والعيش المستقل، والتمتع بالحياة. وبشكل أكثر تحديدا، تشمل هذه المهارات على المستوى الشخصي الانضباط الانفعالي الذاتي، وتحسين إحساس الإنسان بقدر نفسه، ومشاعر التمكن، ونماء الشخصية. وعلى مستوى المواطن العالمي، تساعد البرامج الرياضية على بناء مهارات القيادة، وقدرات تسوية النزاعات، واكتساب القدرة على تحقيق هدف أسمى بشكل تعاوني مع الآخرين على الرغم من الخلافات الفردية. وعند استخدام الرياضة وقواعد اللعبة للتشجيع على تسوية النزاعات وتعزيز مهارات القيادة على مستوى المواطنة العالمية وتيسير مهارات الحياة على المستوى الشخصي، نجد وضعا ”يعود بالفائدة على الجميع“، على العكس من منظور ”الفائز يكسب كل شيء“ الشائع في عالم الرياضة التنافسية. وقد تبين لعلماء النفس أن المشاركة في الرياضة في المدارس الابتدائية والثانوية تيسر التدريب على مهارات الحياة وتكون بمثابة عامل وقائي من الأحداث المسببة للصدمة من قبيل النزاع الأهلي، والعنف المجتمعي، وزواج القاصرات القسري المبكر. فقد أظهر الباحثون، مثلا، أن البرامج الرياضية قد حسنت حياة الشباب في أنغولا ومهارات المواطنة العالمية لديهم، مشيرين إلى أن الشباب الذين شاركوا في أنشطة رياضية منظمة في أعقاب فترات من النزاع السياسي أفادوا بأنهم يشعرون بأنهم أصبحوا أكثر أملاً بشأن مستقبلهم. وعلاوة على ذلك، لاحظ الكبار تحسنات في مهارات الحياة لدى هؤلاء الشباب، لا سيما في مجالي التعاون وإدارة النزاعات. وفي دراسة أخرى بشأن الشباب في ألمانيا، تبين للباحثين أن المشاركة في الرياضة أسفرت عن انخفاض أعراض القلق والاكتئاب. وهذه الاستنتاجات بارزة على وجه الخصوص بالنظر إلى التزايد العالمي في حالات انتحار الشباب. ودرس باحثون آخرون حالات أطفال من جنوب افريقيا معرضين للعنف المجتمعي، سواء كشهود أو كضحايا، وتبين لهم أن المشاركة في الرياضة توفر عاملا وقائيا حسّن قدرة أولئك الأطفال على الصمود في مواجهة تجارب داهمة مسببة للصدمة. وأخيرا، أظهر برنامج تدريبي لمدربي كرة القدم الأردنيين الذكور والإناث كيف حسّن غرس الإحساس بالمواطنة والعيش السلمي والقيادة في نفوس رياضييهم صغار السن مستوى رضا المدربين، ووفر رسائل إيجابية، واستعدادا لاكتساب مهارات جديدة.

ومن الممكن أيضا إدماج الرياضة مع تجارب الطفولة الأخرى، من قبيل التعليم، دعما للنماء النفسي وحقوق الإنسان. فنحن نعلم، مثلا، أن الزواج المبكر القسري أو المدبّر سيُوقف الفتاة عن مواصلة تعليمها. ويشير تقرير لليونيسيف إلى أن الفتيات المتعلمات تقل احتمالات أن يتزوجن في سن مبكرة وأن يلقين حتفهن أثناء الولادة، وتزيد احتمالات أن ينجبن مواليد أصحاء وأن يرسلن أطفالهن إلى المدرسة. وفي نيبال، ترعى اليونيسيف برنامجا رياضيا للفتيات في المدارس. ويوفر مزيج الرياضة والتعليم عاملاً وقائياً للمساعدة على كفالة حقوق الإنسان الأساسية للفتيات. وهذا التأثير المختلط يساعد الفتيات على البقاء في المدارس، وتأخير الزواج القسري المبكر، ومواصلة الانخراط في البرامج الأكاديمية، وتعزيز نجاحهن الأكاديمي. وأبرزت اليونيسيف التقدم الذي حققته فتاة نيبالية، وأفادت بأن الفتاة ما زالت تتعرض لضغوط من أسرتها لكي تتزوج مبكرا. وقد قالت الفتاة ”عليّ أن أركز على الرياضة. وعندئذ لا تُناقش مسألة الزواج كثيرا“.
وبوجه عام بالتالي، تكتسب مشاركة الشباب في تسخير الرياضة لأغراض التنمية شعبية وزخما بسبب قيمتها في تعزيز مهارات الحياة وأساسيات المواطنة العالمية. وتحسين القدرات في مجال حل المشاكل والتواصل بفعالية، وتعلّم التفاوض، واتخاذ أفضل القرارات، وتسوية النزاعات، وإدارة العلاقات الشخصية، والإحساس بالنفس، والتأقلم بفعالية مع الانفعالات والضغط النفسي هي كلها مكونات هامة لتحسين قدرة المرأة من حيث الصحة والسلامة (الهدف 3 من أهداف التنمية المستدامة).

السلامة تعزز إحراز التقدم على نطاق أهداف التنمية المستدامة
لقد أظهرنا أن الرياضة لديها القدرة على تعزيز السلامة، وهو ما يمثل مكونا أساسيا من مكونات الهدف 3 من أهداف التنمية المستدامة. وحكمة إدراج الصحة والسلامة في أهداف التنمية المستدامة تعبّر عن تفكير ثاقب تاريخي من جانب الأمم المتحدة. وقد يُعتقد أن الصحة البدنية القوية والصحة والسلامة العقليتين المتكيفتين تمكن قدرات الإنسان على إحراز تقدم بشأن خطة التنمية المستدامة لعام 2030 وكفالة مستقبل صحي لجميع الشعوب ولكوكبنا.
وعندما نأخذ في الاعتبار تحسن القدرة على الصمود والتمكُّن الذي يمكن أن يتحقق من خلال الرياضة للأفراد والمجتمعات المحلية، يغدو واضحا أن تيسير التمكين يمكن أن يؤثر تأثيرا إيجابيا على عناصر الاستدامة البالغة الأهمية الأخرى. ويبرز التصور المفاهيمي للاستدامة على هذا النحو ترابط أهداف التنمية المستدامة. فعلى سبيل المثال، عندما يتحسن إحساس الفتيات والفتيان بقدر أنفسهم ويتقنون مجموعة من مهارات الحياة من خلال الرياضة، تزيد احتمالات نجاحهم في المدرسة (الهدفان 4 و 5 من أهداف التنمية المستدامة). وعندما يشعر المواطنون العالميون بالسلامة ويكتسبون مهارات القيادة وتسوية النزاعات من خلال الرياضة، تزيد احتمالات إمكانية مساهمتهم في مكان العمل والانخراط في الابتكار والنمو الاقتصادي (الهدفان 8 و 9 من أهداف التنمية المستدامة). ومع زيادة ثقة الأفراد بأنفسهم وثقة المجتمعات المحلية بأنفسها في معالجة شواغل العدل الاجتماعي، فإنهم قد يتوخون سبُلا جديدة لمعالجة أوجه انعدام المساواة المستمرة (الهدف 10 من أهداف التنمية المستدامة). ومع اكتساب المواطنين العالميين ومجتمعاتهم المحلية ترسانة قوية من مهارات الحياة، فإنهم ييسرون صياغة مسار لبناء مدن مستدامة، وممارسة أنماط استهلاك مسؤولة، وتوخي اتخاذ إجراءات متعددة الأوجه بشأن المناخ (الأهداف 11 و 12 و 13 من أهداف التنمية المستدامة). وعندما يشعر المقيمون في المجتمع المحلي أنهم قادرون على الصمود وفاعلون وذوو تفكير تطلعي، تزيد احتمالات تعزيزهم للسلام والعدل والمؤسسات القوية (الهدف 16 من أهداف التنمية المستدامة).
ولترابط أهداف التنمية المستدامة والقابلة للتأثر بالرياضة كمكون أساسي من مكونات التغيير آثار هامة فيما يتعلق بفهمنا للأثر المستقبلي المحلي لتسخير الرياضة لتعزيز حقوق الإنسان والتمكين. وفي حين قد يكون هناك ميل إلى اعتبار تحقيق السلامة مسألة تنمية شخصية، من الممكن أيضا أن نتصور كيف تكون لدى المجتمعات المحلية المكونة من أفراد فاعلين ونشطين إمكانية تغيير النظم والأعراف الاجتماعية التي تعرض للخطر حقوق الإنسان وتؤدي إلى تناقص صحة وسلامة السكان. ونحن ندرك، باستخدام الألعاب الأولمبية والألعاب الأولمبية للمعوقين كأمثلة، أن مشاركة الرجال والنساء في هذه المناسبات تعزز شمول الجميع واحترام المساواة بين الجنسين. كذلك، توفر زيادة الاهتمام على نطاق العالم بالألعاب الأولمبية للمعوقين اعترافا بشمول الأشخاص ذوي الإعاقة. وأثر مشاهدة موهبة وشجاعة الرياضيين في هذه الألعاب يضيف إلى زخم القبول الإنساني والتغيير الاجتماعي على نطاق المجتمعات. ونفسيا، قد يكون من الممكن التغلب على عدم التمكين من خلال الرياضة مع تحسين إحساس المرء بقدره وقدرته على التأثير، مما يمكّن الشخص من التحول عن البحث عن مصادر خارجية للتمكين إلى إيجاد واستخدام موارد داخلية. وهذا التحول النفسي ممكن بالنسبة للمجتمعات المحلية وللبلدان أيضا. ومن خلال التمكين، تصبح المجتمعات المحلية اقدر على أن تعكس النزوع التاريخي نحو البحث عن موارد خارجية لتحسين أوضاع الحياة. وبهذه الطريقة، قد يتسنى التصدي لنماذج التدخل الخاصة بالاستعمار الجديد وتحسين تجربة ”التمكين المجتمعي“.

خاتمة
إن الهدنة الأولمبية والمثل الأعلى الأولمبي مصدرا إلهام، من الناحية الواقعية. ومع ذلك فإن كلمة ”الرياضة“ المختصرة تنطوي على دلالات واسعة النطاق. فممثلو مكتب الأمم المتحدة لتسخير الرياضة لأغراض التنمية والسلام يساندون المناسبات الرياضية التي تروج لأهداف التنمية المستدامة، ومبادرات صنع السلام وبناء السلام، والتسامح، والتفاهم المتبادل، والوفاق، مع الحد من التوترات وانعدام المساواة والتحيز. ويستخدم المكتب، إلى جانب مستشار الأمم المتحدة الخاص المعني بتسخير الرياضة لأغراض التنمية والسلام، وبعض المنظمات غير الحكومية المحلية، الرياضة للترويج للمساواة بين الجنسين، وشمول ذوي الإعاقة، والوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز وأمراض أخرى، والاستدامة البيئية، وتسوية النزاعات. ونتيجة لذلك، يتزايد الاعتراف بقوة تأثير البرامج الإنسانية التي تستخدم الرياضة كأداة للتدخل والتغيير في سياقات متباينة من الناحيتين الجيوسياسية والثقافية.

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2017) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2017)

شاهد أيضاً

المسؤولية الاجتماعية في الدوري الياباني أنموذجاً

شبكة بيئة ابوظبي: دلال الدوسري 16 يونيو 2018 يعتبر دوري المحترفين الياباني من أقوى الدوريات …