الثلاثاء , أغسطس 21 2018
الرئيسية / إعلام مستدام / مراسلوا الشبكة / الخرطوم السودان / محمد عليه الصلاة السلام رائد الحفاظ على البيئة

محمد عليه الصلاة السلام رائد الحفاظ على البيئة

الكاتبة الهولندية فرانسيسكا دو شاتِلْ : ربما يكون من الملائم بالنسبة لنا جميعا: مسلمين ونصارى ويهودًا وهندوسًا وبوذيين وملاحدةً أن نأخذ ورقة من كتاب محمد ونواجه الأزمة البيئية الحاليّة بجِدٍّ وحكمة.
شبكة بيئة ابوظبي: عرض: عصام بابكر كوكو، الخرطوم 6 يونيو 2018
في كثير من الدراسات والبحوث حول العالم تأتي قضية البيئة والمحافظة عليها في قمة أولويات الناس , لما لها من أنعكاس مباشر على كآفة مناخي الحياة , فلا يمكن أن يعيش الناس في هذه الكوكب في دعة وسلام مالم يحافظوا عليها , فأين ما ييمت وجهك في دروب الحياة وأركان الكرة الأرضية تجد من يعاني من التلوث والإحتباس الحراري وغيرها من المصطلحات التى راوحت مكانها في حياتنا , مؤتمرات تعقد وقوانين تصدر ومازال الحال يمضي نحو الأسوأ , ونحن في عوالم المسلمون نقتات من العالم في هذا الجانب دون وعي بما نملكه من موجهات وقيم , لواحسنا تقديمها لاخرجنا العالم من هذه المعاناه المتجددة , و العودة الى تراث المسلمين هي ايضا من دعوات بعض المنصفين من مستنيري الغرب الذين وقفوا على ماعند المسلمين وأدركوا قيمته .
وقفت على مقال للكاتبة الهولندية فرانسيسكا دو شاتِلْ بعنوان محمد عليه السلام رائد الحفاظ على البيئة وهي متخصصة فى أنثروبولوجيا الثقافة الإسلامية , ترجمه الى العربية د. إبراهيم عوض واليكم المقال الذي إبتدرته قائلة : جاء فى الحديث النبوى: “ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهمة إلا كان له به صدقة”.الواقع أن القول بأن محمدا رائد من رواد الحفاظ على البيئة سوف يقع فى آذان الكثيرين فى البداية موقعا غريبا، إذ لا شك أن مصطلح “الحفاظ على البيئة” وما يرتبط به من مفاهيم مثل “البيئة” و”الوعى البيئى” و”ترشيد الاستهلاك” هى ألفاظ من اختراع العصر الحديث، أىْ مصطلحات صيغت لتواجه الاهتمامات المتزايدة بالوضع الراهن لعالم الطبيعة من حولنا.
ثم تمضي قائلة :ومع ذلك فإن قراءة الأحاديث النبوية عن قرب، أى تلك الروايات المتعلقة بالأحداث الهامة فى حياة محمد، لَتُرِينا أنه كان واحدا من أشد المنادين بحماية البيئة. بل إن بمستطاعنا القول إنه كان فى نصرته للبيئة سابقا لعصره، أى رائدا فى مجال المحافظة على البيئة والتطور الرشيد والإدارة الحكيمة للموارد الطبيعية، وواحدا من الذين يَسْعَوْن لإقامة توازن متناسق بين الإنسان والطبيعة, وبالاستناد إلى ما أوردته لنا الأحاديث من أعماله وأقواله يمكننا القول بأن محمدا كان يتمتع باحترام عميق لعالم النباتات والأزهار وأنه كان على صلة حميمة بعناصر الطبيعة الأربعة: التراب والماء والنار والهواء.
لقد كان محمد من الدعاة الأقوياء للاستخدام الرشيد للأرض والماء واستثمارهما، وكذلك المعاملة الكريمة للحيوانات والنباتات والطيور، والحقوق المتساوية لمن يتعاملون معها من البشر. وفى هذا السياق فإن حداثة رؤيته للبيئة وحداثة المفاهيم التى جاء بها فى هذا المجال لمما يَشْدَه العقل شَدْهًا، حتى لتبدو بعض أحاديثه وكأنها مناقشات عصرية حول قضايا البيئة.
ثم لخصت فلسفة النبي عليه الصلاة والسلام في المبادئ الثلاثة التالية :
إن فلسفة محمد البيئية هى أولا وقبل كل شىء فلسفة شاملة مترابطة، إذ تقوم على أن هناك صلة أساسية وارتباطا متبادلا بين عناصر الطبيعة، كما أن نقطة انطلاقها هى الإيمان بأنه إذا أساء الإنسان استخدام عنصر من عناصر الطبيعة أو استنزفه استنزافا فإن العالم الطبيعى برُمّته سوف يضارّ أضرارا مباشرة, على أن هذا الاعتقاد لا يُنَصّ عليه فى حديث واحد نصا مباشرا، بل يمثل بالأحرى المبدأ الذى تنهض عليه جميع أقوال محمد وأفعاله,إنه فلسفة حياته التى على ضوئها نستطيع أن نبصر ملامح شخصيته.
إن أهم ثلاثة مبادئ فى الفلسفة المحمدية المتعلقة بالطبيعة تقوم على تعاليم القرآن ومفاهيم الوحدانية وخلافة البشر والثقة فى الإنسان. ويمثل التوحيد حجر الزاوية فى دعوة الإسلام، وهذا التوحيد يراعى الحقيقة التى تقول بوجود خالق واحد للكون وأن الإنسان مسؤول أمامه عن أعماله: “لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (المائدة/ 120).
ويقر محمد بأن علم الله وقدرته يشملان كل شىء، ومن ثم كانت الإساءة إلى أى مخلوق من مخلوقاته، سواء كان كائنا حيا أو مصدرا من مصادر الطبيعة، ذَنْبًا من الذنوب يجازَى الإنسان عليه,وفى اعتقاده أن جميع مخلوقات الله متساوية أمامه سبحانه، وأن الحيوانات، وكذلك الأرض والغابات وينابيع المياه، ينبغى أن يكون لها حقوق تُحْتَرَم.
أما مفهوما الخلافة البشرية فى الأرض والثقة فى الإنسان فينبعان من مبدإ الوحدانية. ويوضح القرآن أن الإنسان يتمتع بوضع متميز بين مخلوقات الله على الأرض، إذ اصطفاه ليكون خليفة فيها وينهض بمسؤولية العناية بغيره من مخلوقات هذا الكوكب. وهذا واجب كل فرد فينا ووجه تميُّزه، ومجلى الثقة به, ورغم هذا نرى القرآن مرارا وتكرارا ينهى الإنسان عن الكِبْر منبها إياه إلى أنه ليس أفضل من سائر المخلوقات: “وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ” (الأنعام/ 38).
تواصل قائلة : وكان محمد يؤمن بأن الكون بما فيه من مخلوقات: حيواناتٍ كانت هذه المخلوقات أو نباتاتٍ أو مياهًا أو أرضين، لم تُخْلَق لتكون للبشر. صحيح أن لهم الحق فى استخدام موارد الطبيعة، إلا أنهم لا يمكنهم أن يتملكوها تملُّكًا. ومن هنا ففى الوقت الذى يسمح الإسلام للإنسان بحيازة الأرض نراه يضع حدودا لذلك: فعلى سبيل المثال يمكنه أن يحوز الأرض فقط طالما كان يستعملها، لكنه ما إن يكفّ عن هذا الاستعمال حتى يصبح واجبا عليه التخلى عن هذه الحيازة.
ويعترف محمد بمسؤولية الإنسان أمام ربه، بيد أنه كان دائما وأبدا يدعو إلى التواضع، ومن ثَمّ نراه يقول: “إن قامت على أحدكم القيامة وفي يده فسلة فليغرسها”، فهو هنا يبين أنه، حتى عند انتفاء كل أمل لدى للبشر، على الفرد أن يحافظ على نمو الطبيعة, لقد كان مؤمنا بأن الطبيعة حسنة فى ذاتها حتى لو لم يستفد البشر منها.
وبالمثل نراه يحض أتباعه على التشارك فى موارد الطبيعة، إذ يخاطبهم قائلا: “المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلإ والنار”. كما يعد حرمان العطشان من الماء إثما يعاقَب عليه: “من منع فضل مائه أو فضل كلئه منعه الله فضله يوم القيامة”.
والواقع أن موقف محمد تجاه الاستعمال الرشيد للأرض والمحافظة على الماء والطريقة التى كان يعامل بها الحيوانات هو دليل آخر على التواضع الذى يصبغ فلسفته حول البيئة.
وعن رؤية الرسول عليه الصلاة والسلام للاستخدام الرشيد للأرض تقول :
“جُعِلت لي الأرض مسجدا وطهورا”. فى هذا الحديث يؤكد محمد الطبيعة المقدسة للأرض أو التربة، لا بوصفها ذاتا طاهرة فحسب، بل بوصفها مادة مُطَهِّرة كذلك. ويَظْهَر أيضا هذا الاحترامُ للأرض فى شعيرة التيمم التى تجيز للمسلم استعمال التراب فى الطهارة الواجبة عند الصلاة فى حالة فقدان الماء.
وينظر محمد إلى الأرض على أنها مسخَّرة للإنسان، لكن لا ينبغى له مع ذلك أن يفرط فى استخدامها أو يسىء استعمالها، كما أن لها ذات الحقوق التى للأشجار والحيوانات البرية التى تعيش فوقها, ومن أجل المحافظة على الأرض والغابات والحيوانات البرية جعل محمد عددا من المحميات، أى الأماكن التى يحرم فيها استعمال الموارد الطبيعية، وهو ما لا يزال معروفا إلى اليوم، إذ هناك مناطق ممنوعة حول بعض الآبار وعيون الماء غايتها حماية المياه الجوفية من الاستهلاك المفرط والنفاد, ومنها المناطق الخاصة بالحيوانات البرية والغابات حيث يُمْنَع الرعى وقطع الأشجار أو يحرم التعرض لأنواع معينة من الحيوانات.
ولم يشجع محمد فقط الاستعمال الرشيد للأرض، بل لفت أنظار أتباعه أيضا إلى المكاسب التى يجنيها الإنسان من إحياء الأرض البور، إذ جعل زرع شجرة أو غرس بذرة أو سَقْى أرض عطشى من أعمال البر والإحسان: “من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر”. وعلى هذا فأيما شخص ساق الماء إلى قطعة أرض قاحلة فهى له.
المحافظة على الماء:
فى البيئة الصحراوية الخشنة التى كان يعيش فيها محمد يُعَدّ الماء مرادفا للحياة، فهو نعمة من الله، بل هو أصل الحياة كما يشهد بذلك القرآن: “وجعلنا من الماء كل شىء حى” (الأنبياء/ 30). ويذكِّر القرآن المسلم على الدوام بأنه خليفة الله فى الأرض، لكن لا ينبغى له مع ذلك أن يأخذ الأشياء المخلوقة على أنها أمرٌ مسلَّمٌ به: “أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ* أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ* لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ” (الواقعة/ 68- 70).
كذلك كان الاقتصاد فى الماء والمحافظة على طهارته قضيتين مهمتين عند محمد, ولقد رأينا كيف أدى اهتمامه بالاستخدام الرشيد للماء إلى إقامة المحميات بالقرب من ينابيعه. وحتى عندما يكون الماء متوفرا نراه ينصح بالاقتصاد فى استعماله. ومن ذلك نهيه عن غسل أعضاء الوضوء أكثر من ثلاث مرات حتى لو كان المتوضئ على نهرٍ جارٍ. ويضيف البخارى قائلا: “وكره أهل العلم الإسراف فيه وأن يجاوزوا فعل النبي صلى الله عليه وسلم”. وبالمثل نهى محمد عن تلويث المياه، وذلك بمنع التبول فى الماء الراكد.
معاملة الحيوانات:
يقول محمد: ” من قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها سأل الله عز وجل عنها يوم القيامة”.
وهو حديث يعكس إجلال محمد واحترامه وحبه للحيوانات, ذلك أنه كان يعتقد أنها، بوصفها خلقا من خلق الله، ينبغى أن تحظى بمعاملة كريمة، ففى الأحاديث النبوية عدد ضخم من الروايات والتوجيهات الخلقية والقصص التى ترسم لنا صورة عن علاقته بالحيوانات, وبعض هذه القصص ترينا أنه كان يهتم اهتماما خاصا بالإبل والخيول: فهما فى رأيه نعم الرفيق فى الأسفار والحروب، كما كان يجد كثيرا من الراحة والحكمة فى صحبتهما حسبما يقول لنا الحديث التالى: ” الخيل معقودٌ بنواصيها الخير إلى يوم القيامة”.
وحتى فى ذبح الحيوان نجده يبدى قدرا عظيما من الرقة والمرحمة, وعلى الرغم من أنه لم يكن نباتيا فإن الأحاديث تبين لنا بوضوح أنه كان حساسا للغاية تجاه معاناة الحيوانات حتى لكأنه كان يشاركها ألمها مشاركة وجدانية, ومن هنا نجده يأمر باستعمال سكين حاد فى الذبح واتباع طريقة مسؤولة من شأنها أن تزهق روح الحيوان سريعا بحيث يخف ألم الذبيحة إلى أقصى درجة ممكنة, كما نهى عن ذبح أى حيوان أمام غيره من الحيوانات أو إحداد الشفرة بحضرته، وإلا فكأنه قد ذبحه مرتين حسبما جاء فى حديثه لمن كان يُحِدّ شفرته فى حضور ذبيحته، إذ قال له مستنكرا: “أتريد أن تميتها موتتين؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها؟”. لقد كان يكره ذلك كراهية شديدة.
ثم تختم مقالها بهذه العبارات العظيمة نقول : إنه من المستحيل إيفاء المدى الذى بلغته فلسفة محمد البيئية، وكذلك الأهمية التى تستأهلها، حقهما فى هذه المقالة القصيرة، فرؤيته الشاملة للطبيعة وفهمه لمكان الإنسان داخل العالم الطبيعى هما رؤية وفهم رائدان فى مجال الوعى البيئى لدى المسلمين.
وللأسف فإن الانسجام الذى دعا إليه محمد بين الإنسان وبيئته قد تم تجاهله فى أيامنا هذه إلى حد بعيد,وفى الوقت الذى نواجه فيه آثار التلوث والإسراف فى استخدام موارد الطبيعة والتصحير وشح الماء فى بعض الأماكن فى العالم مع المعاناة من الفيضانات والعواصف فى غيرها من الأماكن ربما يكون من الملائم بالنسبة لنا جميعا: مسلمين ونصارى ويهودًا وهندوسًا وبوذيين وملاحدةً أن نأخذ ورقة من كتاب محمد ونواجه الأزمة البيئية الحاليّة بجِدٍّ وحكمة.
إقرأ النص بالإنجليزية
Ibrahim_awad9@yahoo.com
http://awad.phpnet.us/
http://www.maktoobblog.com/ibrahim_awad9

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2017) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2017)

شاهد أيضاً

تكريم المتفوقين في مرحلة الاساس من الأطفال فاقدي الرعاية الاسرية بالسودان

برعاية سوداني .. منظمة (بلي خير) العب دورك في الخير شبكة بيئة ابوظبي: م. عصام …