الخميس , يوليو 18 2019
الرئيسية / CSR / الصّوم حاجة وضرورة 28

الصّوم حاجة وضرورة 28

نصوص من كتاب ” كمال جنبلاط الإنسان والصوم”
شبكة بيئة أبوظبي: الكاتب والصحفي حسن بحمد:24 يونيو 2017
انتهى كمال جنبلاط في حديثه عن الصّوم: “إذا كان جسدك طاهراً بدون تكليف وبدون جهد متنبّه ـــ أي بشكل عفويّ كما تجري الحياة في كلّ شيء ـــ فإنّ بصيرتك تكون هي أيضاً في النّور”.
هذا القول، وبعد ما عرفناه عن أهميّة الصّوم في حياة الإنسان، نستطيع التّأكيد أنّ الصّوم “حاجة وضرورة”؛ حاجة لنبقى أصحّاء جسديّاً ونفسياً وفكريًّا وروحياً، وضرورة للارتقاء بمعنى وجودنا في هذه الحياة. إذن للصوم أبعاد متعددة وآثار غزيرة مادية ومعنوية في وجود الإِنسان.
فالصيام يعود على البدن بالصحة، ويكون سبباً في شفاء كثير من الأمراض، إذ فيه حمية للجسم وراحة للمعدة من عناء الهضم وتخليص للجسم من فضلاته الضارة، وصدق من قال: “صوموا تصحوا” (اللآلئ المنثورة)، وقال طبيب العرب الحارث بن كلدة: المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء “(أسنى المطالب)، فالصائم يناله من الخير في جسمه وصحته ورزقه حظ وافر مع عظم الأجر في الآخرة، ففيه صحة للبدن والعقل.
وقد أسهب المختصون في بيان فوائد الصيام على البدن وتأكيد آثاره الطبية، ومن ذلك ما اتضح في وقتنا طبياً من تقويته للأجساد وأثره في صحتها بالوقاية من العلل والأمراض الجسمية والنفسية.
رغم أن جسم الإنسان خضع لكم هائل من الدراسات والتحاليل على يد كبار الباحثين والعلماء، إلا انه لا يزال ينطوي على الكثير من الخفايا التي لم تكتشف بعد، ولكن لا حاجة للخوض في تفاصيل عمله الدقيقة لإدراك أهمية الصوم الجوهرية،يكفي أن نعرف أن جسمنا عبارة عن آلة تحرق الوقود(المواد الغذائية)لتوليد الطاقة، كما يفعل محرك السيارة، ولكن عملية الاحتراق تلك تخلّف الفضلات، خصوصاً أننا نفرط في الطعام ونتناول الكثير من الأطعمة الغنية بالسعرات الحرارية الخالية من العناصر المغذية والمحشوة بالسكر السريع الاختراق والدهون، ويصعب على جسمنا هضمها، فتتراكم فيه. وكما تكون حالة السيارة التي يتم تغير زيتها بانتظام، ويتم تشغيلها بوقود ذي جودة متدنية،هكذا نكون نحن أيضاً، فيضعف جسمنا وتظهر علامات الشيخوخة عليه، لهذا عندما نمنحه فترة صوم من وقتٍ لآخر، فإننا نخضعه بشكل ما لمعاينة متميزة، ولكن الفرّق يكمن في أن هذا لا يتطلب منّا جهداً، إذ إن الجسم يصلح نفسه بنفسه ويتخلّص بمفرده من السموم والترسبات ويرمّم خلاياه المتضرّرة.لكي ينجز كل ذلك، لا يحتاج جسمنا سوى للقليل من الراحة، والامتناع عن تناول الطعام. فعلى عكس السيارة التي تتعطل ما إن يفرغ خزّانها من الوقود، يلجأ الجسم ما إن يشعر بالحاجة للطاقة إلى استخدام الدهون المخزّنة فيه التي قد يفيدنا التخلص منها.
” من حين إلى آخر يحتاج الجسم لفترة استراحة، فهو يحوي الكثير من الطاقة المخزنة ولكنه لا يملك الوقت المناسب لينقي ذاته،خصوصاً انه دائم الانشغال في الهضم. لماذا لا نوفر له هذه الاستراحة عبر الصوم،الجزئي في بادئ الأمر(محاولة الاستغناء عن عشاء أو فطور)، من ثم أكثر وأكثر تشدداً حتى نحصل على إيقاعنا الخاص في الصوم؟”(1).
يُعتبر التقشف الغذائي مصدر صحة، والصوم وسيلة ناجحة لإعادة ضبط الجسم والقيام بعملية تنظيف واسعة تسمح له بأن يتخلص من الخلايا الميتة والدهون والفضلات والسموم التي تثقله،إ ن إعطاء الجسم فترات مماثلة من الراحة، من حين إلى آخر ،ي خدمه بشدة.
عندما تقرّرون خوض تجربة الصوم وان لفترة محدودة، تقعون حتماً بين واقعين أحدهما أمرّ من الآخر، واقع الذين يعتنقون الصوم من دون أن يتوانوا عن منحة ” تصوفية” وواقع الذين يرتعبون منه محتجين ” ستموت من الجوع.. سيغمى عليك!هل جننت!”(2).
ستواجهون خلال صومكم الكثير من التعليقات المؤذية، كما أن الكثيرين سيهلعون للفكرة، لأننا نعيش في مجتمع يعتمد منطقاً معاكساً لمنطق الصوم الصحي (خارج رمضان والأيام العشرة الأولى من شهر ذي الحجة، والصوم المسيحي )، فيعتبر أن تناول الطعام بكثرة هو سبيلٌ لاستعادة الشخص الضعيف قواه بينما يستعيدها في الحقيقة بشكل أسرع عبر الصوم. واعملوا أن عددا كبيراً من الأشخاص صاموا لأكثر من 100 يوم وبقوا على قيد الحياة، وبالتالي لن يصيبكم مكروه في حال امتنعتم عن تناول الطعام لبضعة أيام،ميّزوا جيداً بين الصوم والانهيار، فطالما أن جسمكم يمتلك مخزوناً غذائياً يكفيه لأسابيع طويلة، فلن يتضرّر أيّ عضوٍ من أعضاء جسمكم نتيجة الصوم، ولن يستمد هذا الأخير الطاقة التي يحتاجها من أنسجته إلا عندما يستهلك مخزونه نهائياً وذلك بعد مرور وقت طويل،لذا فاطمئنوا!(3).
” من المستحيل أن أبقى من دون طعام ولو ليوم واحد”
هذه هي الحجة الرّئيسية التي يقدمها الذين يرفضون فكرة الصوم، فالكثير من الأشخاص يقولون بأنهم يشعرون بعدم القدرة على الصمود ليوم واحد من دون طعام، إذ قد يصيبهم الإعياء ويغمى عليهم… يظنّ الذي يستمع إليهم أن الصوم قد يقتلهم، فهم يفضلون الموت عليه!كم من أفكار موروثة مزعجة في هذا الخصوص، ولكن في حال كان هؤلاء الأشخاص مقتنعين بأن الصوم لا يناسبهم أبداً، فمن الأفضل إعطاؤهم بعض الوقت ليغيروا موقفهم من دون الإلحاح عليهم،لان الخوف وقلة الثقة هما ابرز العوائق التي تحول دون تحقيق الصوم أهدافه.(4).
إذا كان من الصعب عليكم تكريس يوم للصوم كل أسبوع،قد يكون من الأسهل ربما أن تجدوا لنفسكم ثلاثة أيام متتالية كل شهر أو شهرين .ولكن لا تدخلوا في التحدي بأي ثمن، فانتم تصمون لأنفسكم وليس للحصول على المجد، وبالتالي إذا كنتم غير واثقين من أنفسكم، ابدأوا بيوم واحد ثم ضاعفوا الجرعة تدريجياً. افعلوا ما ترونه مناسباً ولكن اعملوا أن هناك دوماً أشخاصاً حسودين آو مستهزئين مستعدين ليسخروا منكم،لذا إن كنتم مستعدين لتحمل ذلك، فلا مشكلة، وإلا فانتظروا نهاية الصوم لتشرحوا للجميع سبب نضارتكم ورشاقتكم وسعادتكم.(5).
قد لا يأخذ الكثيرون بالمحتويات التي شملها هذا الكتاب، ويتابعون حياتهم على الوتيرة ذاتها التي تعوّدوها، دون أن يُقدموا على الصّوم بأيّة طريقة من طرقه المتعدّدة.. إلى هؤلاء، وكذلك إلى الذين قرّروا، بعد ما عرفوه عن الصّوم، خوض غماره، نضع أمامهم المزيد ممّا قاله كمال جنبلاط، والمستند فيه على التّجارب والخبرات والعلم، خاتمين بالأقوال التّالية، هذا الكتاب الذي حمل عنوان: “كمال جنبلاط.. الإنسان والصّوم”..
ـ إنّ الوقاية من كلّ مرض هي أهمّ بكثير من مخالفة نظام الطّبيعة في الغذاء والشّراب، وسواها من وجوه العيش، ثمّ الذّهاب إلى طبيب يداويك(6)…
ـ حيث إنّ الإنسان جزء من هذه الطّبيعة،وهو حفيدها الأخير،فلا يمكن أن ينفصل عن شريعتها وسننها، وإلاّ أصابه المرض(7)…
ـ الإنسان هو،في آن واحد، الجثّة الهامدة التي تقع تحت تشريح علماء الأعضاء، وهو الوعي الذي يراقبه ويدرسه علماء النّفس وأقطاب الحياة الروحيّة، وهو الشخصيّة التي يبرزها ويكشفها لكلّ منّا تأمّلنا والمناجاة. الإنسان هو هذه المواد الكيماويّة التي تؤلّف الأنسجة والسّوائل في الجسد، وهو هذه المجموعة المدهشة من الخلايا والمواد المغذّية التي يدرس الفيزيولوجيّون سنن اشتراكها واتّصالها. والإنسان هو هذا الكلّ التّاليفي للأعضاء والوعي، والذي يمتدّ في الزّمن، والذي يحاول الأطبّاء والمربّون أن يوجّهوه نحو تنميته القصوى(8)…
ـ إذا تمتّعت بشيء من الأشياء، فاذكر دائماً وتنبّه إلى أنّ السّعادة، الفرح، اللذّة، التي تشعر بها، هي منبعثة من ذاتك، قائمة في محور نفسك، متجلّية فيك، ولم تكن الأغراض الخارجيّة سوى مناسبات وفرص لهذه السّعادة بأن تظهر(9)…
ـ إذا تعوّدنا أن تكون أفكارنا خيّرة، جرت في ذهننا أقنية للخير، فنشعر بالخير ونفكّر بالخير ونفعل الخير… وإذا تعمّقت أقنية وعادات وبذور الخير في نفوسنا، أصبح يستحيل علينا بعد حين أن نفعل الشرّ(10)…
ـ الطّبيعة ليس فيها خطيئة أو خطأ: هذا ما يجب أن نعتقد به دائماً وأبداً، لكي ننظّف ذهننا من كلّ ما علق به من آثار الويل والثّبور،ومن دنس الشّعور بالخطأ والخطيئة، لكي نعود عفويّين طبيعيّين،كما هي سليقة كلّ إنسان يستقيم في جبلّته. وإنّما هو نظام العقل الأرفع الذي جعل لنشاط كلّ حاسّة من حواسنا قاعدة وقياساً ونهجاُ.ويجب احترام هذه القاعدة وهذا القياس والمنهج، وذلك لخيرنا ولخير علاقتنا بالآخرين(11)…
ـ أنت جسدياً،وفكرياً وأخلاقياً.. أنت ما تأكل.. قل لي ماذا تأكل وسأقول لك من أنت(12).

المراجع والمصادر:
(1): أسرار العلاج بالصوم،مرجع مذكور، ص،7.
(2):م،ن.
(4):مرجع،ن، ص،46،47.
(5): مرجع سابق.
(6): كمال جنبلاط: أدب الحياة، “الطّعام وأثره في الصحّة وفي الخلق”، لبنان، الدّار التقدميّة، 2008، ط7.
(7): كمال جنبلاط: أدب الحياة، “الطّعام وأثره في الصحّة وفي الخلق”، لبنان، الدّار التقدميّة، 2008، ط7.
(8): كمال جنبلاط: أدب الحياة، “الإنسان وحدة لا تتجزّأ”، لبنان، الدّار التقدميّة، 2008، ط7.
(9): كمال جنبلاط: أدب الحياة، “أدب الشّعور”، لبنان، الدّار التقدميّة، 2008، ط7.
(10): كمال جنبلاط: أدب الحياة، “أدب الفكر”، لبنان، الدّار التقدميّة، 2008، ط7.
(11): كمال جنبلاط: أدب الحياة، “أدب الحب”، لبنان، الدّار التقدميّة، 2008، ط7.
(12):أقوال حكيمة في الإنسان والوجود،مرجع مذكور،ص309.

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2017) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2017)

شاهد أيضاً

مقيــّم مشاريع الاستدامة في الشركات والمؤسسات

شبكة بيئة ابوظبي: المنامة: مملكة البحرين 6 مايو 2018 نظمت الشبكة الاقليمية للمسؤولية المجتمعية برنامج …