الثلاثاء , أبريل 23 2019
الرئيسية / CSR / كمال جنبلاط وتضحية الإنسان بالأنا 27

كمال جنبلاط وتضحية الإنسان بالأنا 27

نصوص من كتاب ” كمال جنبلاط الإنسان والصوم”
شبكة بيئة أبوظبي: الكاتب والصحفي حسن بحمد 23 يونيو 2017
التضحية بالأنا هي أحدى أهمّ القيم الأخلاقية التي من شأنها أن ترشد الناس إلى الخير الحقيقي، وهي أن نكون قادرين على التنازل عن الأشياء التي نملكها ونحبّها ونكسبها، فإذا لم يقم المرء بتأديب أناه الداخلي، فسوف تهيمن الرغبات الأنانية على كامل أخلاقه. فيما يلعب الصيام دوراً في صقل الروح وشفافيتها وانطلاقها من إسار المادة وصعودها الملكوتي لتلقي الوحي،وبذلك رفع قدرة التحكم الداخلية.
لم يكن المسيح عليه السلام ليدخل الامتحان القاسي في مواجهة الفتنة وانكسار الجسد لولا التسلح بتدريب أربعين يوماً من الصوم. ولم يكن لموسى عليه السلام أن يتهيأ لميقات ربه ” وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ” ، ويتشوق لرؤية الله لولا الاستعداد بالصيام أربعين ليلة.
في هذه الرؤيا أيضاً لم يدخل المتصوفة والعبّاد عالم الروح والتأمل الباطني كما في جماعات (اليوجا) دون هذا التدريب القاسي، فالجوع يبدو أنه يحرض النفس ويهيئها على نحو ما من خلال آليات الشحن الروحي،والعودة إلى الذات،واكتشاف العالم الداخلي، ذكرها الإمام الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين) بقائمة من الإنجازات بلغت عشر مزايا، من انفتاح عالم جديد خاص لا يعرفه إلا من ذاقه.
لم ينجح الزعيم الروحي غاندي ومعه عبد الغفار خان الزعيم المسلم من قبائل الباتان في استقلال الهند من دون نضال كان الصيام فيه إحدى أدوات التحرير الكبرى،وأهم ما في التحرير (تحرير النفس) من كراهية الإنجليز قبل رحيلهم، لأن العنف شجرة خبيثة،جذورها الكراهية وثمرتها الخوف،في علاقة جدلية يسبح المرء فيه بين ثلاث زوايا،من الكراهية وإفرازاتها الضارة، والعنف والعنف المضاد والخوف المتبادل.
لطالما اعتبر المعلم كمال جنبلاط أنّ التجرّد في الإنسان والتّضحية بالأنا هما مكمن قوّته، وسرّ حقيقته. ولعلّ ما كان يُبرز ذلك في إعطائه الأمثلة عن “المهاتما” غاندي، أكبر دليل على هذه النّظرة، وقد تحدّث في كتابه “الديمقراطيّة الجديدة” عن هذا الموضوع،مستشهداً بكبار”العقلاء” و”المهاتما” غاندي، ومتطرّقاً إلى الصّوم الكبير الذي نفّذه في مرحلة من مراحل حياته وقيادته للهند، وتأثيرات هذا الصّوم من مختلف الجوانب.
لقد لاحظ جنبلاط في هذا الشّأن، أنّ الوحدة موجودة في ذهن الإنسان الذي يستطيع أن يعيش في صخب هذا العالَم ويحافظ على صفاء ذهنيّ كامل. إنّ شخصاً كهذا يكون دائماً في وحدة وعزلة. ويمكن لامرئ آخر أن يكون قد اختار العيش في وسط الغابة، ومع ذلك فهو عاجز عن السّيطرة على ذهنه وشهواته، ترافقه ولا تتركه يستريح ولو لهنيهة واحدة. إنّ العزلة موقف ذهنيّ، فلا يمكن للرّجل المرتبط والمتعلّق بأشياء الحياة حيثما وُجد أن يصل إلى مستوى العزلة، أمّا الإنسان المتجرّد (المنفصل) فهو دائماً في عزلة . ولا ينفعكم بشيء إذا ارتديتم ثوب الزّاهد أو ثوب النّاسك الغربي، الأسود، طالما أنّكم لا تمتلكون التجرّد الدّاخلي، أي العزلة الحقيقيّة.
وفي مجال التأكيد على التضحية بالأنا، يستلهم جنبلاط قول أحد العقلاء الكبار: “إنّ العمل المجرّد يخفّف من حدّة الأنانيّة؛ بل يقتلها، لأنّ هذا العمل المتجرّد ليس سوى التّضحية المستمرّة بالمستوى الأدنى من الذّات، أي التّضحية بالأنا. أمّا العمل المرتهَن، حتّى ولو كان فعل القداسة أو الفضيلة، فيزيد من حدّة الأنانيّة، وبالتّالي يؤدّي إلى تضخّم الأنا. كم من القدّيسين ومن الصّالحين ابتعدوا عن تحقيق الإلهي في ذاتهم بسبب فضيلتهم نفسها وبسبب قداستهم ذاتها بعد أن تحوّلت هذه الفضيلة وهذه القداسة من وسيلة إلى غاية، أي بعد أن أصبحت عقبة أسوأ من الخطيئة نفسها. لقد توجّه المسيح بالقول إلى الفريسيّين والمتديّنين المتحجّرين في تديّنهم وطقوسهم: “الحق الحق أقول لكم إنّ طريق الملكوت مفتوحة أمام العشّارين والزّانيات قبلكم”.
ويرى جنبلاط، ” أنّ العمل الإنسانيّ يجب أن ينطلق من طهارة الذّات ويتحقّق في إطار هذه الطّهارة وبمعزل عن الرّغبات والارتهان والأحقاد. وعلى هذا العمل الإنسانيّ أن ينجح أو يفشل في إطار هذه الطّهارة ذاتها دون الوقوع في الكبرياء أو في اليأس. وعلى هذا العمل الإنساني أيضاً أن يتحلّى بنوع من الرّوح المرحة الهادئة كالتي يتحلّى بها إنسان ينظر إلى نفسه بنوع من “البعد” في نفس الوقت الذي يقوم بأداء معيّن في مسرحيّة هزليّة أو مأساويّة”.
ويعرض المعلم كمال جنبلاط هذا المفهوم باعتبار ” أن العمل الطّاهر،المتجرّد عن أيّة رغبة، كان يدفع “المهاتما” غاندي أحياناً إلى القيام بانقلابات فجائيّة في موقفه كانت تدهش حتّى أقرب المقرّبين من أعوانه.. حتّى أنّ “نهرو” نفسه كان يستاء من هكذا تصرّفات. والذي كان يحصل أنّ غاندي كان يسارع إلى تعليق حركة جماعيّة بعد أن تكون قد قطعت شوطاً كبيراً وكادت تكون حاسمة، وذلك بسبب وقوع حوادث غير منضبطة كاغتيال بريطانيَّين أو ثلاثة أو بوادر تصرّفات حاقدة.. وإذا حصل أنّ أحداً قام بمخالفة طهارة الوسيلة، فكان غاندي يوقف بحركة حازمة ومتواضعة في آن، مجرى العمل السّياسي المطروح، ليعود ويحوّل إلى نفسه فعل التّصحيح الضّروري على قاعدة “قانون التّعويض النّفسي”، القديم قِدم العالم نفسه، والذي نجد تأثيراته أو دوره في كلّ أنظمة الدّين أو السّحر.. وبإسم هذا القانون بالضّبط تألّم ومات السيّد المسيح..”.
في منظور كمال جنبلاط أنّ “الأنا الجوهرية هي الرقيب العتيد الموجود فينا، هذا الذي يرى ويعيش، ولا يتهوّر ولا يتبدّل، وهو الذي يكشف عنه العرفان، عندما يصبح بإمكان الإنسان أن يلاحظ، حوله وفيه، تبدّلات الرغبة أوّلاً، والفكر ثانياً، وأخيراً الجسم الذي هو في حال سيلان دائم”.. إنّ هذا السلوك الصادق والمخلص يضمن للمرء تعلّم الكثير من القيم الأخلاقية الحميدة مع التضحية بالأنا، أما ” معرفة الله يمكن الوصول إليها من خلال تخلص الإنسان من ذاته الفردية الزائفة والوصول إلى ذاته الجوهرية الأصيلة، والدين في معناه الصحيح يرمي إلى رفع الإنسان من مستوى البهيمة ،إلى مستوى الوعي الذي يتعدى الأنانية المحصورة إلى ” الأنا ” الشاملة.
حول الأنانية الفردية ونزعة التغيير والتبديل التي اشرنا إليها في ما سبق، يراها المعلم كمال جنبلاط بأنها تعيش في مستوى الحواس،وفي مستوى الفكر،لأنّ باطنها وجوهرها الذي تتألف منه هو الفردية الإنسانية،لذا يقول في مقالة نشرت في جريدة الأنباء (25-1-1952)،” هذا يعيش بفمه وبطنه،لا لذة له في الحياة إلاّ في تغيير المأكل والمشرب على التوالي وعلى الدوام،كأنه يأكل ذاته في كل مرة ،ثم يأكلها مرة ثانية وثالثة،فلا يشبع ولا يرتوي.وذاك يعيش في جنّة من رؤى الحياة يضيع في متاهاتها. يحيا في حواسه،فلا يرتع عنها ولا يستقل عنها،يعيش بعينيه،ويعيش بأذنيه،ويعيش بكل عضو من أعضاء حواسه،فإذا هو قد تجزأ في كل منها،فأحسّ بمرارة الخيبة من رشف اللذة. تصوّر أنّ السعادة قائمة في أعضاء الحواس وهي في الواقع قائمة في ذاته،فإذا به بعد التجربة ،وبعد التذوق،كمن يعبر من خلال أشباح ذاته يتلمسها فتفلت على الدوام منه “.
وهنا يرى جنبلاط ” أن الإنسان يعيش بفكره، يقيم في فكره، يتنقل فيه من نظرية إلى نظرية، ومن فكرة إلى فكرة، ومن استقصاء إلى استقصاء، فهو يقلب الصور الفكرية متلمساَ فيها الحقيقة، كما تقلب الغانية آلاف المرايا أمام وجهها الجميل لتحاول إدراك جميع أسراره، وتجاعيده، فإذا بالمرآة تدلّها دائماَ إلى صاحبة الوجه لا إلى الوجه الذي يتغير ويتبدل وفق الساعات والانفعالات والتصورات، هؤلاء جميعاً يقيمون في الأنانية الظاهرة،فيتصورون أنهم هم الحواس، هم الجسد، هم الفكر، فيعيشون في عبودية الحواس،في عبودية الجسد، في عبودية الفكر، ثم يأتي المضللون الذين لم يدركوا بعد حقيقة المشكلة،ولم يميزوا بين الأنا الفردية والذات الحقيقية في الإنسان، فيقولون لهؤلاء المساكين المتألمين من ذواتهم،والمفتشين من خلال أفكارهم وحواسهم وعيشهم عن الحقيقة”هذه هي الحقيقة” “.
إن الإنسان في إنسانيته ووحدته الشاملة، ووعيه لحقيقته وحقيقة الوجود، كان هدف جنبلاط لإنسان الحقيقي الذي حقق الأنا الجوهرية وتخلص من الأنا الفردية ” واختبر وجوده وسعادته الحقيقية في وجود الأشياء.. والوجود في النهاية احديّ لا يتوزع .
ومشهد هذه الحقيقة بنظر المعلم كمال جنبلاط وشهودها واختبارها لا يتم إلا عندما تموت هذه النفس الأنانية الفردية في الإنسان، فيعود قبسُ الجمر، بشكل من الأشكال، إلى الشعلة التي انطلق منها. ألم تقل آية الحديث: “النَّاس نيامٌ، فإذا ماتوا انتبهوا”، أو الآية القرآنية: “وتَحْسَبُهُمْ أيقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ” [الكهف 18]؟ أي، على حدِّ تعبير بعض الصوفية، إذا امَّحت هذه النفسُ الأنانية الفردية وماتت قبل الموت – وهو الموت الصحيح، أي فناء الفناء، أي بداية الحياة الحقيقية منذ عتبة هذا الوجود الظاهر.
(العودة إلى مصادر ومراجع هذه المقالة ” كتاب كمال جنبلاط الإنسان والصوم ” صفحة 172،173)

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2017) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2017)

شاهد أيضاً

مقيــّم مشاريع الاستدامة في الشركات والمؤسسات

شبكة بيئة ابوظبي: المنامة: مملكة البحرين 6 مايو 2018 نظمت الشبكة الاقليمية للمسؤولية المجتمعية برنامج …