الثلاثاء , يوليو 23 2019
أخبار عاجلة
الرئيسية / CSR / دور الأديان في ترسيخ العفّة والقِيَم 25

دور الأديان في ترسيخ العفّة والقِيَم 25

نصوص من كتاب ” كمال جنبلاط الإنسان والصوم”
شبكة بيئة أبوظبي: الكاتب والصحفي حسن بحمد 21 يونيو 2017
يتطرّق كمال جنبلاط إلى دور الأديان في ترسيخ العفّة والقِيَم في نفوس الناس، فيقول: ” كان الدّين تقدّماً في حياة الإنسان البدائيّة، لأنّه كان أداة تهذيب النفس، وتربية الحواس، وتصويب الممارسة بالأخلاق. فهو ظاهرة يحتم قيامها العقل في الإنسان. أمّا الملكيّة الصغيرة، فهي أيضاً كانت تقدّماً ولا تزال لأنّها تعكس نزعة الإنسان الطبيعيّة، وتحقّقها في آن واحد، بأن يكون له امتداد مادّي لجسده ولحواسه “(1) .
وعلى الرّغم من حديثه عن دور الأديان في ترسيخ العفّة والقِيَم في نفوس الناس، فإنّ كمال جنبلاط يعتبر من جهةٍ أُخرى أنّ الأديان والمعتقدات الروحيّة التقليديّة أخذت تفقد من تأثيرها على النفوس وعلى المجتمع، فيتحوّل الناس عنها، وقد التبست مفاهيمها وقيمها الأصلية الأوّليّة على كهنتها ومشايخها والمبشّرين بها.. فإذا القوم في حيرة من أمرهم، كالمركب الذي فقد فيه البحّارة بوصلتهم في عرض البحار الهائجة)2).
ويُذكّر المعلم جنبلاط بأنّ الأديان كانت تُعطي الحياة البشريّة معنى وقيمة، وتنفحها تنبّهاً وروعة واندهاشاً، وتلبس سلكها ضميراً وعدلاً وحناناً، وتسكب على الحبّ، وعلى مؤسّسة العائلة، وعلى رباط المجتمع، وعلاقة المواطن، أنساً وحرمة واحتشاماً، والتزاماً بالروح المعنويّة وبالمثال العلوي(3).
في هذا الإطار، يلاحظ الباحث الدكتور أنور فؤاد أبي خزام، إلى أنّ غالبية العقائد الدينيّة والفلسفية المثالية كانت تتميّز بالنّزوع إلى كبت الميول الحيوانيّة في الإنسان، وتعزيز ميوله الروحيّة. ويُتابع: كان الفكر الفلسفي المثالي يعتبر أنّه من الضروري إماتة الجسد وحرمانه ما أمكن. ولأنّ الجسد بالنسبة إلى هذا الفكر هو سجن للنفس، وهو العائق الأكبر أمام التصرّف العقلاني والأخلاقي، كما أنّه مصدر الفساد والرذيلة، لذلك فإنّ اللذّة الجسدية معدن السوء ومنبع الشر بطبيعتها، كما أنّ الألم والعذاب هما الخير الوحيد للإنسان لأنّهما يُذلان الجسد ويقتلان رغباته(4).
ويغوص كمال جنبلاط في موضوع العفّة إلى مدىً أبعد، فيصحبنا إلى مفهوم جوهري للحُبّ الحقيقي، ويُنبّهنا إلى قصّة الحبّ الجنسي، في عصرنا وجيلنا- وهو كما يصفه، الحبّ أيضاً بحقيقته وكلّيته، وإلى إدراك قصد توحّده بالشخص الآخر، وجوهر معنى هذا الانصهار. فيرى أنّ الحبّ قد أضحى، في غالب الأحوال، توق الجنس وطغيان العنف عليه وعلى كلّ شيء. وقد اصطبغ الفنّ والموسيقى والغناء والإذاعة والتلفزيون والشاشة والرقص والنشر والدعاية التجاريّة والراوية، إلخ.. بهذا اللّون من الدعارة الفكريّة.. وربّما كان ذلك قائماً في بعض حقبات الماضي، ولكن ليس بالنسبة ذاتها من الانتشار واللامبالاة وإرادة التلويث. وعليه يعتبر جنبلاط أنّ مفهوم الحبّ أصبح عند الكثرة من الناس،مرادفاً لمدلول الاشتهاء الجنسي،لا وجهاً من وجوه الحبّ المتسامي الشريف في سلّم ارتقاء الإنسان في معراج اختبار ذاته واستكماله لمعناه؛ أي وجهاً لتوحّد الإنسان بالإنسان في وحدة تكامل الذكورة بالأنوثة، والأنوثة بالذكورة، كما قضت بذلك ازدواجيّة طبيعة تضاد العناصر والأشياء وتقابلها(5).
انطلاقا من هذه الزّاوية، يدعونا كمال جنبلاط إلى رؤية الحبّ بمنظار العفّة،”إنّ الحبّ يرتفع ويحلو ويطهر بالعفاف النسبي، وثمّ بالعفاف الكامل في المرحلة التي تتبع مثلاً إنجاب ثلاثة من الأولاد على حدّ وصيّة السيّد الأمير التنوخي..”(6).
يعكس كمال جنبلاط العلاقة الجدليّة بين الطّعام والشّهوة الجنسيّة، في طرحٍ يقودنا إلى الوصول منطقيّاً إلى أنّ الصّوم وحرمان أجسامنا من الأكل، يُرسّخ في نفوسنا العفّة. ويؤكّد جنبلاط في هذا الإطار، أنّ للمآكل أثراً في اصطناع حالة التهييج الجنسي غير الطبيعي، وخصوصاً التغذية باللّحوم والسّمك والبيض، وبالمآكل المطهوّة، وعدم القيام بأيّ نشاط مادّي لصرف هذه الطاقة من المآكل. وينطلق من هذه الحقيقة ليوضح أنّ اندفاع الشهوة بالإنسان ينجم عادة عن اختزان المآكل فيه، بحيث يكون لها، في ذلك، طريق آخر لاستهلاكها وإفرازها، وكأنّه يريد أن يُثبت لنا من خلال هذه المسألة، أنّ الصّوم الذي يمنع اختزان الطّعام في أجسامنا، يمنع عنّا الشّهوة، وبالتّالي يُكسبنا صفة العفّة. وعليه، ينصحنا بالطّعام النباتي، وبالاعتدال بالمأكل والمشرب، وبالامتناع عن تناول الكحول والتبغ وألوان المنشّطات والمخدّرات، ومجانبة حياة المدينة والصخب ما أمكن. كما يوصينا بالقيام بنشاط جسدي معتدل في كلّ يوم، ونشاط أقوى وأطول في كلّ أسبوع، حيث يرى “أنّ ممارسة الرياضة، ومنها اليوغا، تخدم في هذا الاتّجاه، بما توفّره من استرخاء في العضلات، ونشوة في الأعصاب، وراحة في العقد الفقريّة العصبيّة وفي خلايا الدماغ،وشعور بالانسجام ناجم عمّا يوفّره تكامل أعضاء الجسد في نشاطاته الفيزيولوجيّة”(7).
لقد قادنا كمال جنبلاط برؤيته هذه، إلى التأكيد أنّ للصّوم آثاراً رائعة وفوائد نفسيّة عديدة على النفس البشريّة،من خلال تنميته لشخصيّة الإنسان، وزيادته لقوّة الإرادة فيه،لأنّه يمرّن ويروّض النفس على الصّبر والتحمّل، وينمّي القدرة على التحكّم في الذّات، والتغلّب على الشّهوات، وبالتّالي،فهو يساعد على التحلّي بالأخلاق الحميدة، والسّلوك الجيّد الايجابي، ممّا ينعكس إيجابيّاً على الصّائم وعلى المجتمع عموماً. ويساعد أيضاً على التركيز وعلى صفاء ونقاء الذّهن، وعلى حسن التوجّه والتفكير والتدبّر. كما أن الصائم يجد نفسه بين إحساس بالحرمان وشعور وجداني بأنه يترفع أثناء الصوم عن الشهوات البهيمية التي لا تتجاوز بطنه وفرجه. فهو يتشبه في صومه بالملائكة في تجردهم عن شواغل الملذات الحسية التي تسيطر كثيراً على روح الإنسان، وتقعد به عن النشاط في جانب الله سبحانه وتدفعه من شهوة إلى شهوة ومن لذة إلى لذة. وفي التشبه بالملائكة سيطرة على الشهوة وترويض للنفس على التزهد والصبر .” والصوم إمساك عن شهوتي البطن والفرج وجهاد للنفس بحرمانها من ملذاتها فهو غير هين الاحتمال، إذ النفس تكره الاحتباس، وتجنح دائماً إلى التخلل.لذلك كانت الدعوة إليه في أسلوب هين،وتلطف مشوق،وكان سياقها تكريم بنداء رحيم” أيها الذين أمنوا “(8).
إن العلاقة الجدليّة بين الصّوم وكبح جماح الشّهوات، تتحدّث عنها المسيحيّة ، حيث تؤكّد أنّه خلال الصّوم “لا نقتل الجسد ولا نضعفه، ولكنّنا نروّضه على الاعتدال والصّفاء، فينسجم مع الرّغبات العالية فينا، حتى إذا صار حرّاً من تفلّته، يدرك مرونة ومطواعية ليخضع للرّوح في توثّباتها العظيمة (9).والشهوة وفق الثقافة الروحية في إنجيل برنابا ” هي عشق غير مكبوح الجماع إذا لم يرشده العقل تجاوز حدود البصيرة والعواطف حتى أن الإنسان لما لم يكن يعرف نفسه أحب ما يجب عليه بغضه.. ”
كما نجد في الإسلام ” أنّ الصّوم وقاية وعفّة لأنّ الصّوم يقهر النفس، ويكسر حدّة الشّهوات من الأكل والشّرب والجماع، ويضيق مجاري الشيطان، وقد قيل في معنى قوله تعالى {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي تضعفون، (ذكره القرطبي)، فإنّه كلّما قلّ الأكل ضعفت الشّهوة، وكلّما ضعفت الشّهوة قلّت المعاصي.
ولا ريب أنّ الصّوم كابح فعَّال للهيجان الجنسي من هذا الوجه، وهو أمر يجده أحدنا من نفسه، فإنّ الإفراط في الشّبع وأكل اللّحم والدّسم يثير الشّهوة، ولذلك ترى أكثر الذين ينغمسون في الملذّات، يسرفون في المآكل والمشارب، طلباً لإثارة الشّهوة والتّهييج عليها،وكما قال سبحانه في نعت الكفّار:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ}(محمد:12 (. أمّا العلاقة بين الصّوم والعفّة في الإسلام، فيبرز في أنّ الصّوم وقاية، لأنّ الصّائم يمتلك القدرة على ضبط الشّهوة الجنسيّة وتوجيهها والتحكّم بها، بقدر ما يغرس الصّوم في نفسه من قيم التقوى والخشية التي تعتبر من أعظم مقاصد هذه العبادة العظيمة،والصّيام موجباً لاتّقاء المعاصي، لأنّه يربّي في النفس معاني الإخلاص والإحسان وقيم المراقبة لله تعالى التي تحول بين المرء وبين معصية الله(10).
لذا كان الصوم وقاية تقي الإنسان بوجه عام من الوقوع في الرذيلة ويخفف من حدة الطاقة الجنسية خاصة عند الشباب والمراهقين،وتكون نتيجته أنه يقيهم ويحميهم من الانحرافات السلوكية.وفي هذا المعنى يقول النبي محمد (ص)هادياً ومرشداً الشباب: ” يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه الصوم فإنه له وجاء” رواه البخاري ومسلم.
والصّوم أيضاً وقاية لأنّه يقوّي الإرادة والقدرة على الاحتمال،حتى يبلغ الأمر حد ترك الضرورات التي بها قوام الحياة والاستعلاء على الشهوات، وهذا هو أحد أعظم أسراره. “أليس ضعف الإرادة وعدم القدرة على التحكّم بالنفس والعجز عن ضبط السلوك هو أحد أبرز أسباب السقوط الجنسي والتحلّل الأخلاقي؟(11).لا شك أن هذا يفعل فعله في ذهنية الشباب،فيجعلهم حيارى في تركيز مبادئهم المعنوية والروحية على أسس ثابتة وواضحة من الايمان المعقول(12).
وفي ختام هذا البحث يبدو من الأهمية التوضيح أن الصوم مدرسة يمتنع العبد فيها عن رغائب الجسد وهي ضرورية، ” فالصوم وقاية وحماية لمن اشتدت عليه شهوة النكاح ولا قدرة له عليه،فالصوم علاجه والصوم سبيله،والصوم يعينه على تخفيف الشهوة التي هي أم المعاصي، والصوم بما يتضمنه من الامتناع عن الطعام والشراب يضعف القوة الجسمية لدى الإنسان والتي تتحكم فيه وإن تحكمت فيه استعبدته وكلما ضعفت القوة الجسمية للصائم وقل سلطانها وتأثيرها ضعفت شهوته وزادت روحانياته وبالتالي زاد تقواه لرب العالمين،وابتعد عن المعاصي والذنوب، الصغير منها والكبير، الظاهر منها والخفي”(13).ووفق الإمام الغزالي أن الشهوة والغضب اللتان في البهائم جعلتا أيضاً في ابن آدم، ولكنه أعطى شيئاً آخر زيادة عليها للشرف والكمال، وبذلك تحصل له معرفة الله تعالى. فالإنسان رتبته فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته ودون رتبة الملائكة لاستيلاء الشّهوات عليه وكونه مبتلى بمجاهدتها، فكلّما انهمك في الشّهوات انحطّ إلى أسفل السّافلين والتحق بغمار البهائم،وكلّما قمع الشّهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة.

المصادر والمراجع:
1 : كمال جنبلاط: أدب الحياة،مرجع سّابق.
2 : كمال جنبلاط: أدب الحياة/ أدب الحبّ، لبنان، الدّار التقدميّة، 2000، الطّبعة الخامسة.
3 :الدكتور أنور فؤاد أبي خُزام: إسلام الموحّدين،دار الفاربي،الطبعة الثانية 2006، (ص 240).
4: كمال جنبلاط: أدب الحياة/ أدب الحبّ، لبنان، الدّار التقدميّة، 2000،ط5،ص 137.
5 : ن.م،ص، ،ص 138 .
6:ن.م ،ص 143 .
7: ن.م،ن.ص.
8: ن.م،ن.ص.
9: موقع منتديات الكنيسة، صومنا اليوم، 2/7/2008
10: وزارة الأوقاف والشّؤون الإسلاميّة الكويتيّة: مرجع سابق.
11: جريدة البيان الإماراتية ،بيان الصائم.رمضان 2009.
12: كمال جنبلاط،الإنسان والحضارة،الدار التقدمية ،الطبعة الثانية،2011،ص 232.
13: التربية بالصوم ،مرجع مذكور ،ص،86

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2017) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2017)

شاهد أيضاً

مقيــّم مشاريع الاستدامة في الشركات والمؤسسات

شبكة بيئة ابوظبي: المنامة: مملكة البحرين 6 مايو 2018 نظمت الشبكة الاقليمية للمسؤولية المجتمعية برنامج …