الخميس , يوليو 18 2019
الرئيسية / CSR / الصّوم والعِفّة 24

الصّوم والعِفّة 24

نصوص من كتاب ” كمال جنبلاط الإنسان والصوم”
شبكة بيئة أبوظبي: الكاتب والصحفي حسن بحمد 20يونيو 2017
العفة قيمة أخلاقية وهي حالة لنفس الإنسان تمتنع بها عن غلبة الشهوة عليها، والعفة هي الكف عن كل فعل مخل أو قول قبيح، أي أنها الكف والامتناع عن إتيان كل ما لا ينبغي إتيانه(1)، والعفّة في الإسلام واجب ديني ومطلب شرعي وصفة أساسيّة من صفات الشخصيّة المسلمة رجلاً كان أو امرأة. وتعني: الكفّ عن المحارم وخوارم المروءة، وصون النفس عمّا يدنّسها من المعصية، وتحصينها عن الوقوع فيما لا يرضي الله تعالى عامّة، أي عفّة الفرج واليد واللّسان، والمقصود الأوّل هنا، العفّة عن خصوص الزّنا وحفظ الفرج،(2) قال سبحانه: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ }(الحاقة: 29 – 31)، والمعروف أنّ معنى العِفّة في اللّغة العربيّة هو الامتناع والكفّ عمّا لا يَحلّ أو يليق قولاً وفعلاً. والعفّة تعني أيضاً الاتّزان في الميول والرّغبات، وكبح جماح الشّهوات والعواطف، والامتناع الاختياري عن إرضاء حاجة أو رغبة طبيعيّة. والعفّة بهذا المعنى قيمة أخلاقيّة، وحالة لنفس الإنسان تمتنع بها عن غلبة الشهوة عليها.. ألا يعني هذا أنّ الصّوم الذي يرتكز على امتناعٍ اختياريّ عن الأكل والرّغبة فيه – وهو حاجة طبيعيّة لأجسامنا – وعن الشّهوة، على علاقةٍ جدليّة بالعفّة؟!..
من أسرار الصوم أن يتحرر الإنسان من عبودية الغريزة ونزعات الشهوة وقيد المادة وسجنها لينطلق إلى عالم فيه طهر وعفة وطاقة روحية تؤثر في حياته كلها وكيانه كله، وإن من أخلاق مدرسة الصوم العفاف والتحرر من سلطان الشهوة ومطالب الجسد وهكذا يكون الصوم رمزاً عملياً لضبط النفس البشرية بالأخلاق الكريمة(3)، وكلما ارتقى الصائم بروحه نتيجة صومه وجوعه وتربية إرادته،كلما اقترب من الطاعة والطهر والعفة.
إنّ ملء البطن شرّ لما فيه من المفاسد الدينية والدنيوية. فالشّبع يورث البلادة، ويعوق الذّهن عن التفكير الصحيح، وهو مدعاة للكسل والنوم فيخسر كثيراً من مصالحه الدينية والدنيوية، وكم من أكلة كانت عاقبتها الكظة وجلبت من الأضرار والأمراض ما لا قِبلَ للإنسان به. ومن وصايا سيدنا لقمان الحكيم لابنه: “يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة. كذلك الحال في الإقلال من الطعام والشراب. فالقلب صاف والعزيمة مُتّقِدَةٌ والبصيرة نافذة والشهوة مغلوبة والنفس مقهورة “(4).
وهذا يتفق مع نشيد المولى عند الموحدين ” تشعر النفوس المتجسدة بالتجاذب والتنافر لأغراض الحواس .لذا يجب إن لا تقع النفس فريسة للحواس وأغراضها ، لأنها عوائق على درب تحقيق الذات”(5).
لقد قادنا المعلم كمال جنبلاط إلى مفهوم أعمق للصّوم، من خلال تسليطه الضّوء على العفّة، فقد رأينا كيف أنّ نظرته إلى الصّوم تجلّت بالطّاقة الصحيّة والنفسيّة للإنسان، التي تجعله قادراً على إحداث التّغيير المرغوب في نفسه. وانطلاقاً من هذا المفهوم، يؤكّد جنبلاط أنّ الصّوم تربية للشخصيّة الإنسانيّة، وتطهير لها، وصون وحماية، وعلى الناس أن يتربّوا على العفّة في كلّ مجالات حياتهم، فيعفّوا عن النّظر المحرّم، ويعفّوا عن القول والفعل المحرّم، وعدم الخروج عن مقام اللياقة والأدب، والانحراف عن معاني الحشمة ومظاهرها، إلى استعلاء الوجه ووقاحة النظر. وهو يُشدّد على الأهميّة الخاصّة لحاسة النّظر في كنز المعلومات في الفكر، وفي التأثير على المخيّلة، وبالتالي، في تهييج اندفاعات حواس العمل ومبادرة الإرادة، ولذا كانت آداب النظر من أخطر الآداب شأناً، وغض البصر يعني خفضه وهي قيمة أخلاقية وفضيلة يدعو إليها كمال جنبلاط، وهي تدل على ترفع صاحبها وتساميه عن الاستجابة لدواعي الشهوات والأهواء.
ووفق جنبلاط كما أسلفنا سابقاً في باب “الجسد والحواس” يقسّم الحكماء الهنود حواس الإنسان إلى عشر: خمس فخمس. أمّا الحواس الخمسة الأولى فيسمّونها حواس الإخبار والإعلام، وتشمل العين والأذن واللمس والذوق والشم، وهي جميعها تخبرنا بصور حواسنا، وما يكون عليه العالم الخارجي من تكوين. ويُشير إلى أنّ الحواس الخمس الأخرى يسمّونها حواس العمل أو حواس الفعل، وهي تشمل حاسّة الكلام والتعبير المتمثّلة بالفم، وحاسّة القبض على الأشياء المتمثّلة بالأيدي، وحاسّة السير والجري المتمثّلة بالأرجل، وحاسّة الإبراز المتمثّلة بالدبر والقبل، والحاسّة الجنسيّة المختصّة باستمرار النسل. وللبصر أهميّة خاصّة في تزويد الفكر بالصّور والتخيّلات الدّافعة والحابسة والمنظّمة. ونقاوة النظر شأن أساسي وعامل جوهري في تكوين روحيّة الإنسان وذهنيّته الفاضلة. ألم يقل الناصري: إذا كانت عينك نقيّة طاهرة فجسدك، أي كيانك بأسره، يكون آنذاك في النور، أي يكون نقيّاً صافياً شفّافاً تبصر من خلاله حقيقة الأشياء؟ وفي النظرة حشمة يجب أن ترعاها، وعناية يجب ألاّ تخالفها، فلا تنظر إلى النساء إلاّ بالعين التي تنظر فيها إلى شقيقتك وأمّك. ومن مناقب البصر الحياء والاستتار، وأفضله أن تستر من الآخرين ما تحبّ أن يظهر من نفسك،والحياة تاج الفضيلة وعنوان الوداعة وسليقة الفطرة السليمة(6). وحذر الحديث النبوي على نظرة العين التي يراد بها الفحش أو السوء أو الشهوة ” زنى العينين النظر،لتغضن أبصاركم،ولتحفظن فروجكم ولتقيمن وجوهكم أو لتكشفن وجوهكم ”
هذه العفّة التي تتجلّى في رؤية المعلم كمال جنبلاط، هي بنظره المُكمّل للصّوم ومن آدابه. وهو لا يتناول موضوع العفّة من زاوية النّظر فقط؛ بل أيضاً من زاوية السّمع، فيُوضح أنّه في السّماع آلة لتهذيب النفس وتطوير العقل وتصويب الفعل. ومن آداب السّماع أن تتعوّد التمييز بين الضّجيج والصّخب والأصوات المتناقضة والمتشاكسة التي خلقتها المدينة الحديثة والآلة المستولية على عيش الإنسان أكثر فأكثر، وبين ما ابتدعته وتبدعه الطبيعة في كلّ حين من أصوات وتعابير سمعية تظهر وتعبّر عن حقائق جواهر الأشياء والكائنات في تآلفها وتعايشها وانسجامها. ويقودنا إلى القول إنّ لكلٍّ ضدّه ونقيضه، “ولقد خلقنا من كلّ شيء زوجاً بهيجاً”، وهو ما يقابله ويتمّ كينونته ويضبط نموّه وتطوّره، وليس بنقيض حقيقي، فهو ضابط له في شرعة تكاثره وإبداعه.
كما يتناول المعلم جنبلاط العفة والتقوى من باب حفظ اللسان فيعتبر الصوم كفيل بأن يمنع المرء عن لغو الكلام الذي قد يؤدي إلى الغيبة والنميمة، وقول الزور أو القذف والفحش،والبذاءة والفظاظة، ومن ثمرة التقوى أن لا يتكلم الإنسان إلا خيراً، ولا يتحدث إلا في خير، وبالتالي يروض نفسه على حفظ لسانه من فضول الكلام، إذ اللسان قد يكون مصدر لكثير من الجرائم والآثام، وقوله تعالى ” ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ” ق:18 ” وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ”. رواه الترمذي.
يوصي كمال جنبلاط بالصمت الصبور”لا يمكن لأحد، إلا للعارفين، أن يتصور قدرة الصمت على تحويل ما في الإنسان لتمكينه من إبراز مكنات جوهره، فالرجل الصامت يوحي ويفرض ويفعل ويفعل وينسجم أكثر بكثير من الرجل الذي يضيع ويبدد طاقته النفسية بالحديث والقالة(8).
وعندما يتحدّث كمال جنبلاط عن العفّة، يتناول موضوع الحُبّ بمفهومه الحقيقي، فيرى أنّه في هذا الجو المشبع بعنف إرادة الاقتحام والافتراس، يبدو الحبّ وكأنّه كائن مسكين، متعب، ضعيف البنية، مرهق الكينونة، متقلّص الظلّ والأثر، وقد انزوى ولو إلى حين في باطن الأساطير، فالبشر يحبّون ولا يحبّون، يتمتعّون ولا يتمتّعون، يتلذّذون في الظاهر وهم في شقوتهم يصبون إلى عطش شوقهم فيبقى بلا ارتواء،وطلبتهم بلا احتواء، وداؤهم الغالب المستعصي بلا دواء، وسعادتهم كقشرة تكاد لا تستوي على سطح أديم نفوسهم المتقصّية، المعذّبة،عبر تقلّبها في الآفاق.وهنا يقودنا جنبلاط إلى مقاربة على ضوء هذا الطّرح، ليؤكّد أنّ متاع الحب كثر في سوق البيع والشراء، وأضحى الحبّ تجارة، والعشق الحقيقي تخلّفاً وامتهاناً وحرماناً، وتحلّلت الروابط الزوجيّة المقدّسة، وفقدت وحدتها، وانعدمت التوق إلى مهبّ الأصيل، وأضحت الصّداقة ذاتها خدعة وتسلية ورثاء ومصلحة أنانيّة، وتناثرت العائلة مع الأولاد أشلاء، وتكمّت الفرديّة بالمجتمع، وسيطرت على الناس مشاعر الأنانيّة ـ وسمّوا ذلك،في عماهتهم وعماهتهنّ، تحرّراً وانفتاحاً، فإذا ما بلغت الشقوة الحلقوم، وتراكمت في حافظة النفس اللاّواعية، ظهرت على الإنسان الأمراض الجسديّة والنفسيّة، والانحرافات الخلقيّة، وهيمنت المآسي على الحياة، وتغلّبت الرغبة بالتخلّص منها بالانتحار أو بالهرب من الحضارة. وهذا هو وضع الكثيرين من الشباب في العالم المتقدّم صناعيّاً وتمدّناً ـ لا حضارة.. لأنّ الحضارة الحقيقيّة تعني داخل الإنسان لا خارجه(9).
وهنا يتفق جنبلاط مع مخائيل نعيمة بأن ” الحب لا يبلغ منتهاه إلا إذا هو تغلب على الشهوة الجنسية وأصبح رابطاً بين روحين، لا رابطاً بين جسدين”(10)، و “ليس بالضرورة أن ينتهي الحب إلى جنس. حتى الانجذاب جنياً ليس معناه انجذاب الجسد إلى الجسد، بل الروح هي التي تنجذب نحو الحقيقة التي يمثلها الآخر”(11).
غدا (دور الأديان في ترسيخ العفّة والقِيَم)

المصادر والمراجع:
(1): التربية بالصوم ، ،ص،82.
(2): مجلّة الوعي الإسلامي،العدد(532 (،وزارة الأوقاف والشّؤون الإسلاميّة الكويتيّة،مقالة بعنوان : تعزيز قِيم العفّة ثمرة الصّيام.
(3):التربية بالصوم ، ،ص،82.
(4): ينابيع الهدى، 2009، الطّبعة الأُولى.
(5):أقوال حكيمة في الإنسان والوجود،إعداد خالد حسيب صعب،ط1،1984، مرجع مذكور ص،313
(6): كمال جنبلاط: أدب الحياة/ أدب الحبّ، لبنان، الدّار التقدميّة، 2000، الطّبعة الخامسة.
(7) :المصدر السّابق.
(8) :أقوال حكيمة في الإنسان والوجود، مرجع مذكور ،ص 18،باب في الصمت والسكينة ..
(9) : كمال جنبلاط: أدب الحياة/ المصدر السّابق ص 150 .
(10): أقوال حكيمة في الإنسان والوجود، مرجع مذكور، ص 18،باب في الصمت والسكينة ص61،63.
(11): مرجع سابق

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2017) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2017)

شاهد أيضاً

مقيــّم مشاريع الاستدامة في الشركات والمؤسسات

شبكة بيئة ابوظبي: المنامة: مملكة البحرين 6 مايو 2018 نظمت الشبكة الاقليمية للمسؤولية المجتمعية برنامج …