الثلاثاء , أبريل 23 2019
الرئيسية / CSR / الطبيعة والأرض 23

الطبيعة والأرض 23

نصوص من كتاب ” كمال جنبلاط الإنسان والصوم”
شبكة بيئة أبوظبي: الكاتب والصحفي حسن بحمد 19 يونيو 2017
الطبيعة هي كل المخلوقات والكائنات، وكل من عليها وما عليها وما يحيط بها من الأفلاك، والتي ليس للإنسان يد في خلقها أو ابتداعها(1).
يعرف مصطلح الطّبيعة بمفهومه الواسع بأنّه العالم الطّبيعي أو ما يسمّى الكون الفيزيائي، أو عالم المادّة، كما أنّه يشير أيضاً بشكل عام إلى الحياة بعمومها. وهذا المصطلح لا يتضمّن ما هو مصنّع إنسانيّاً، إنّما يشير إلى ظواهر نعلم أنّها تحدث بالشّكل الطّبيعي في هذا الكون، أمّا الاصطناعي، هو الذي جاء إلى الوجود عن طريق تدخّل الفكر البشري أو العقل البشري، كما هو معلوم أنّ الأيدي البشريّة قد عطّلت الكثير من الأمور الطبيعيّة في الكرة الأرضيّة مثل: طبقة الأوزون الّتي يزيد الثّقب فيها كلّ يوم بسبب التصرّفات الخاطئة من قبل البشر وسكّان الأرض، والتلوّث البيئي الّذي يزداد بسبب الأيدي البشريّة، والأمور الاصطناعيّة بشكل عام لها آثار سلبيّة بيئيّة تزيد من تشكّل الخطر (2).
إذن،”الطبيعة هي عالم آخر، وكون آخر ينقلك إلى عالم النّقاء والصّفاء، تتنفّس بنقاء فتشعر وكأنّك بدأت تتنفّس برئة جديدة، وأنّك دخلت حياة جديدة، والطّبيعة لا تكترث بالإنسان ولا بخصوصيّته أو تميُّزه، أو أفراحه أو أتراحه، أو غاياته أو حضارته أو تاريخه،فالإنسان هو جزء لا يتجزّأ منها، يُرَدُّ إليها، ويمكن تفسيره في كليّته بالعودة إلى قوانينها “(3).
وإذا كانت الطبيعة قد حافظت على نظامها وتوازنها عبر مليارات السنين، وقبل أن يكشف العلم عن اختراعاته الحديثة، فلماذا لا يلتزم الإنسان بقوانين الطبيعة ونظامها؟(4).
يجيب المعلم كمال جنبلاط “إن صوتا عظيماً ينادينا لإنقاذ الطبيعة التي يقتلها الإنسان بشكل متصل وبطيء”(5).
إن محنة الحضارة جعلت الإنسان يزيد من اجتهاداته واختراعاته للطبيعة وظواهرها ومكوناتها في محاولة للتكيف معها، أو التعدي عليها، حيث أن الإنسان، وفي مواجهة البيئة الطبيعية التي تشمل جميع الظواهر ومنها الأرض والمناخ والتضاريس وما إليها،”ابتدع البيئة الثقافية لمواجهة بعض ظواهر البيئة الطبيعية، بينما ظلت الحيوانات الأخرى أسيرة الطبيعة”(6).
والمفهوم الكامل عند المعلم كمال جنبلاط بالنسبة للطبيعة وحيواناتها ونباتاتها، والمحافظة عليها من خطر “العلماء المتعلمين” جعله يدعو ” لاستيعاب أسرار الطبيعة الحقيقة البسيطة، واعتبار الجنس البشري هو حلقة متصلة بجميع حلقات الحياة الأخرى من حيوان ونبات(7).
لقد ترجم جنبلاط مفهومه للطبيعة وحبّه لها، ومحافظته على نباتها وحيوانها، ويذكر عنه أنه كان يهتم بزراعة الأرض ونباتاتها سيما النباتات المفيدة، ويروي أحد الذين كانوا يرافقونه،” مرة كنت أسير معه في الطبيعة، توقف وقال لي: توفّقنا. وجد نبتة صغيرة، أكل منها وقال لي: كل، هذه نافعة ومنشطة. (نوع من النباتات تسّمى حارقة)(8).
لقد تفنن الإنسان في اختراع الأنظمة والقوانين، وفي تعليب المأكولات وتصنيفها، وتمشى مع الاكتشافات والاختراعات وزاد في استعمالها واستهلاكها، حتى ظهر في أعماله بعض التعدّي على الطبيعة ونسي أنه جزء منها. لذا كانت دعوة جنبلاط للعودة إلى شرعة الطبيعة وغذائها لتكتمل دور الحياة مع نظامها الدقيق(9)، لكن إيان سيمّونز،مؤلف كتاب (البيئة والإنسان عبر العصور)، يبين أن التغيير البيئي قديم البيئة ذاتها، وفكرة وجود بيئة ” طبيعية” لم تمسها يد البشر، إنما هي فكرة أسطورية إلى حد بعيد(10).
” لقد تنبه كمال جنبلاط إلى أغذية الحضارة، الناتجة عن أنماط الحياة الحديثة، فلاحظ تداعياتها في صحة الإنسان المعاصر، الجسدية والنفسية، من خلال قراءات كثيرة لعلماء وأطباء متخصصين، ومن خلال تجربة شخصية للعيش، كي يستخلص أن تأثير المأكل ونوعيتها، على الإنسان، أمر لا ريب فيه، لأنه كائن كلي لا يتجزأ، وهذه حقيقية يتجاهلها الإنسان المعاصر، ومعظم الأطباء. لذا، يرى كمال جنبلاط وجوب انسجام الإنسان مع الطبيعة، لأنه جزء لا يتجزّأ من شرعتها وسننها، حتى يتقي المرض، الذي هو بحد ذاته منبه ومحذّر،(تنبيه وتحذير) ويدعوه إلى احترام شرعة الطبيعة وسننها فيه، والعودة إلى الغذاء الطبيعي”(11).
ثم ينتقل جنبلاط إلى تفنيد أثر الغذاء في المشاعر والأحاسيس، والنزعات والأفكار، متسائلاً عن دور الغذاء، الذي أنتجته الحضارة المعاصرة،” في الاضطراب والفوضى، والانحرافات الفردية والجماعية، التي بدأت تجتاح حياة الفرد والمجتمع(12).
أما تعلق جنبلاط بالأرض فلم يكن يقل عن حبه للطبيعة، والمحافظة عليها، حيث أن الأرض جزء من الطبيعة ومتممة لها، وكان يعتبر أن الحضارة البشرية تدوم بدوام الاهتمام بالأرض، “إن صعود وتألق الحضارة البشرية يدوم، ويستمر طالما أن أفضل القوى تلتزم العناية بالأرض”(13).
يعتبر المعلم كمال جنبلاط أن الإنسان يركن بطبيعته للأرض وهو ارتباط وثيق،”وكأن بينه وبينها وحدة جدلية، حيث تعتبر بمثابة الأم، وتقدم له الغذاء من زرع وضرع وماء ونبات متنوع وحيوان، ويقتطع من شجرها، وطينها وصخرها ما يمكنه من السكنى الدائمة”(14).
كذلك يعتبر جنبلاط ” أن الأرض تتنفس، ولها شهيق ولها زفير، وهي تتهدم لتبني نفسها باستمرار، هي تنهل من الأنهر، وتشرب من البحار، وتنشق من الأثير ما يتوزع فيه من أبخرة وغازات، وتمتص من نور الشمس وأنوار الكواكب والنجوم والقمر، كأنها بالنور وبالماء وبالهواء وبحرارة النار الدافئة وبالحركة، تحيا دائما وأبداً “(15). كما الأرض كذلك الإنسان يتنفس، يموت، يشرب من الينابيع والبحار، ينشق من الأثير، يمتص نور الشمس ويحيا بالحرارة والحركة يعني أن بين الإنسان والأرض علاقة وثيقة ومشاركة حقيقية في معطيات الطبيعة وبالتالي فهي تأكيد على وحدة العلاقة الجدلية(16).
عن البيئة وعلاقتها بالإنسان يتفق المعلم كمال جنبلاط مع العالم الايكولوجي الدكتور كول “إنّ الجنس البشري قد يكون في حالة اضطراب وخطر أكثر مما نستطيع أن نتصور ذلك . ويمكن أن لا يدرك الإنسان هذا الخطر إلا بعد أن يكون قد تجاوز به نقطة اللارجوع، أي حيث لا يعود يفيد أي تدبير ؟!” نحن نلعب لعبة الروليت الروسية. فإننا نستمر بوضع كيماويات جديدة في البيئة المحيطة، دون أن نختبر النتيجة التي يمكن أن تسفر عنها. فإذا إحدى هذه المواد الكيماوية أو تركيب لها، أحدث تسمماً شاملاً للجراثيم الصانعة النيتروجين، فإن الإنسان لا يعود يستطيع أن يتنشق الهواء في شهيقه وزفيره”(17).
تحت عنوان: “أدب الإنسان بالنسبة للطبيعة الخارجية” يعرض جنبلاط رؤيته لموضوع البيئة فيقول:”ترتفع الضرورة الملحة في عصرنا لتحقيق مثل هذا الأدب في معاطاتنا مع الطبيعة الخارجية، لأن الإنسان خرج عن المألوف والمعقول والطبيعي في عدد كبير من الأشياء، وأخذ يستصنع بيئته دون أن ينظر بدقة إلى حقيقة تكوين هذه البيئة، وكيف أنها تلتزم هي أيضاً بتفاعل دائب لأزواج متعددة من الأضداد، وكيف أنها أوجدت لذاتها أنظمة خاصة لتحويل جميع الإفرازات والنفايات إلى عناصر جديدة ومواد خام أولية، تدخل في صنع وتغذية النبات والحيوان، اللذين يمتصانها في حركة دائبة وحلقة متصلة لا تتوقف في فعلها (18).
انطلاقا من ذلك، وإيمانا بقضية البيئة، ارتفع صوت كمال جنبلاط ينبّه ويناقش ويرتقي بقضية البيئة من خلال عدة أجزاء في كتاب “أدب الحياة” إلى مصاف المسؤولية الكونية، بادئاً بالمثل الرائع عن التوازن الكوني:”انك لا تستطيع أن تحرك زهرة دون أن تهتز إحدى النجوم” .
وإذا كانت البيئة هواء وماء وتربة، فهذا الثالوث أصبح مهدداً وهو ما نبّه له المعلم كمال جنبلاط بطريقة حسية مدروسة وواضحة عندما استشهد بالدكتور البير شوايترز في قوله المأثور:” إن الإنسان فقد موهبة التحسّب ومجانبة الضرر وسينتهي شأنه بتهديم هذه الأرض” (أدب الحياة” صفحة 102). ويستشهد جنبلاط برئيس المجمع العلمي في فرنسا روجيه هايم “إن انتصار الإنسان، إذا كان سيحصل، يجب أن لا يكون في النهاية ناجماً عن فشل أو نجاح مخترعاته أو فوزه على كل ما كان سبباً لمجيئه إلى هذه الأرض”(19).

المصادر والمراجع:
(1): د.رياض سليم،التقاطع المعرفي بين ميخائيل نعيمة وكمال جنبلاط،الدار الوطنية للدراسات والنشر والتوزيع،الطبعة الأولى،1998،ص327
(2): الموسوعة إلكترونيّة،موضوع كوم ،24 نوفمبر 2014
(3):مرجع سابق
(4): د.رياض سليم،التقاطع المعرفي بين ميخائيل نعيمة وكمال جنبلاط،ص329
(5):كمال جنبلاط،أدب الحياة ،ص138.
(6): هادي نعمان الهيثي، ثقافة الأطفال، سلسلة عالم المعرفة، الكويت،ص 37.
(7): مفهوم جنبلاط ورد في كتابه “أدب الحياة” تحت عنوان “أدب الإنسان بالنسبة للطبيعة الخارجية، من ص 133 حتى 159.(نقلاً عن كتاب التقاطع المعرفي بين ميخائيل نعيمة وكمال جنبلاط).
(8):مقابلة مع فوزي عابد،(المختارة)، التقاطع المعرفي بين ميخائيل نعيمة وكمال جنبلاط،مرجع سابق،ص329.
(9):مرجع سابق328.
(10):. introduction USA.1993- environmental history a concise
(11): شوقي أبو لطيف،الإسلام والعولمة،ص 259.
(12):الموسوعة العربية الميسرة،ص،1420،نقلاً عن مرجع سابق، الإسلام،ص،260.
(13): التقاطع المعرفي بين ميخائيل نعيمة وكمال جنبلاط،مرجع سابق،ص330.
(14): جنبلاط، ثورة في عالم الإنسان، ص 48.
(15): جنبلاط، أدب الحياة، ص 156.
(16): د.رياض سليم،مرجع سابق ،ص،331.
(17): أدب الحياة ص،150.
(18):المرجع السابق،ص،134.
(19):مجلة فرح،العدد 17، رابطة أصدقاء كمال جنبلاط،محمود الأحمدية، مقالة بعنوان: رؤية بيئية متقدّمة.

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2017) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2017)

شاهد أيضاً

مقيــّم مشاريع الاستدامة في الشركات والمؤسسات

شبكة بيئة ابوظبي: المنامة: مملكة البحرين 6 مايو 2018 نظمت الشبكة الاقليمية للمسؤولية المجتمعية برنامج …