الجمعة , أغسطس 18 2017
أخبار عاجلة
الرئيسية / CSR / الجسد والحواس 22
0022

الجسد والحواس 22

نصوص من كتاب ” كمال جنبلاط الإنسان والصوم”
شبكة بيئة أبوظبي: الكاتب والصحفي حسن بحمد 18 يونيو 2017
ممّا لا شكّ فيه أنّ الجانب الإنسانيّ عند كمال جنبلاط كان يحتلّ مكانة عظيمة في نفسه، فاعتبر “أنّ البشريّة في صورتها الكاملة شكّلت منظومة حقائق، تتجاوب مع حاجات النّفس ونزعاتها في كل خطواتها، وتقودها في جميع حركاتها. وإذا ما تتبّعنا حركات النّفس الإنسانيّة، نجد لها اتّجاهين: عمودياً يصعد بها إلى الباري عزّ وجلّ حيث الحقيقة المقدّسة، وأفقياً يربطها بالجماعة البشريّة التي هي عضو منها”.
ويرتكز مفهوم كمال جنبلاط للإنسان على تقديس شعاب ثلاث في مكامنه(1)، وهي:
1ـ النّفس، من خلال صيانتها بالرّياضات الروحيّة والمعاشرة الفاضلة، ناهيك عن شعائر الصّوم المؤدّية إلى ضبط الغضب وممارسة الحِلم.
2ـ النيّة، التي تؤذن بإنفاق الحزم والعزم في خير النّاس دون استثناء، “ممّا يرفع الأعمال إلى المستوى الذي يجعلها باباً للسّماء ومدخلاً للجنّة”.
3ـ الكلمة، بالحفاظ على نقاوتها من دنس المرامي الدّنيئة للضّعف البشريّ.
ويتّضح لنا أكثر هذا المفهوم من خلال ما أوردناه في الأبحاث السابقة، كما يتّضح أنّ مفهوم كمال جنبلاط للإنسان لم ينحصر بفهم الكائن البشريّ؛ بل تعدّى ذلك إلى فلسفة وجود هذا الكائن في الحياة، فتحدّث بإسهاب عن طاقة الإنسان النفسيّة، وعن فكره، وتضحيته بالأنا، وعن غذائه. ورأى أنّ هذه الطّاقة النفسيّة “تشرف على مقام رفيع هو ظاهرة الوعي، ظاهرة اليقظة”، ومن أبرز خصائصها أنّها ” تنعكس على ذاتها في الوظيفة التي نسمّيها فكر الإنسان أو ذهنه، وترتفع إلى حريّة العمل،وتترفّع عن قدريّة الغريزة لدى الحيوان. فالعقل هو تطوّر وترفّع للغريزة “.
يلاحظ المعلم كمال جنبلاط ” أنّ هذا العالَم، عالم الأشياء، الذي نراه، ليس هو إلاّ عالَم حواس، وأنّه لا ينفصل عن نشاط الحواس الخمس في الإنسان ـــ البصر والسّمع والذّوق والشّم واللّمس ـــ وأنّه يتكوّن من أغراض الحواس نفسها، وأنّ وراء ذلك يظلّ المجهول الذي لا يُعرف”.. وتساءل: “هل يستطيع أحدنا أن يتصوّر الشخصيّة أو الفرديّة أو سمّها ما شئت، منفصلة عن الزّمان وعن الفكر؟ ولكنّ الفكر هو وهم بدوره، والزّمان غير موجود إلاّ في الفكر ـ ولذا كان الزّمان مفهوماً نسبيّا ًـ ولذا كانت الشخصيّة أيضاً، والفرديّة تابعة لكلّ هذا المتحوّل المتبدّل في ظاهر علم الحواس”(2).
وانطلق جنبلاط من تساؤلاته هذه ليعتبر أنّ ” الإنسان هو كلّ، لا ينفصل جسده وحواسه عن فكره، وأنّ الاستحقاق وعدم الاستحقاق والثّواب والعقاب ليست سوى قيود ورغبات وأفكار متعلّقة ومنغمسة في الأنا، وأنّ العمل المجرّد يخفّف من حدّة الأنانيّة؛ بل يقتلها، لأنّ هذا العمل المتجرّد ليس سوى التّضحية المستمرّة بالمستوى الأدنى من الذّات، أي التّضحية بالأنا. أما العمل المرتهَن، حتّى ولو كان فعل القداسة أو الفضيلة، فيزيد من حدّة الأنانيّة، وبالتّالي يؤدّي إلى تضخّم الأنا “. وفوق هذا وذاك رأى “أنّ الإنسان ـــ فوق التزامه بعلاقات عقله وحواسه وأعضائه بالدّنيا المحيطة به ـــ هو نتاج ما يأكل وما يشرب”(3).
ووفق جنبلاط يقسّم الحكماء الهنود حواس الإنسان إلى عشر: خمس فخمس. أمّا الحواس الخمسة الأولى فيسمّونها حواس الإخبار والإعلام، وتشمل العين والأذن واللمس والذوق والشم، وهي جميعها تخبرنا بصور حواسنا، وما يكون عليه العالم الخارجي من تكوين. ويُشير إلى أنّ الحواس الخمس الأخرى يسمّونها حواس العمل أو حواس الفعل، وهي تشمل حاسّة الكلام والتعبير المتمثّلة بالفم، وحاسّة القبض على الأشياء المتمثّلة بالأيدي، وحاسّة السير والجري المتمثّلة بالأرجل، وحاسّة الإبراز المتمثّلة بالدبر والقبل، والحاسّة الجنسيّة المختصّة باستمرار النسل. وللبصر أهميّة خاصّة في تزويد الفكر بالصّور والتخيّلات الدّافعة والحابسة والمنظّمة. ونقاوة النظر شأن أساسي وعامل جوهري في تكوين روحيّة الإنسان وذهنيّته الفاضلة(4). ألم يقل الناصري: إذا كانت عينك نقيّة طاهرة فجسدك، أي كيانك بأسره، يكون آنذاك في النور، أي يكون نقيّاً صافياً شفّافاً تبصر من خلاله حقيقة الأشياء؟ وفي النظرة حشمة يجب أن ترعاها، وعناية يجب ألاّ تخالفها، فلا تنظر إلى النساء إلاّ بالعين التي تنظر فيها إلى شقيقتك وأمّك. ومن مناقب البصر الحياء والاستتار، وأفضله أن تستر من الآخرين ما تحبّ أن يظهر من نفسك،والحياة تاج الفضيلة وعنوان الوداعة وسليقة الفطرة السليمة(5).
نعم!.. الإنسان بمفهوم كمال جنبلاط هو ” كلّ لا ينفصل جسده وحواسه عن فكره ” ، لذلك اعتبر ” أنّ للمآكل والمشارب أثراً بالغاً في تكوين النفسيّة البشريّة الملتزمة بتأثّرها بالأعصاب، لأنّ الغذاء يحتوي على عنصرين أساسيَّين عامَّين: المادّة الكثيفة للطّعام والشّراب التي تدخل في تكوين كثافة جسدنا، والمادّة اللّطيفة للغذاء التي تدخل في تكوين المادّة اللّطيفة فينا التي هي النّفس، أي الفكر”. ومن هنا استشهد “بالصّيام المشهور” الذي كان يمارسه “المهاتما” غاندي ليعطيه أبعاداً ومفاهيماً توجز معنى وجود الإنسان، فاعتبر هذا الصّيام “عملاً متجرّداً ومطهّراً لا يبحث عن استحقاقٍ أو عدم استحقاق، ولا يهمّه الانتفاع أو الخسارة “. كما استشهد بما قاله غاندي عن هذا الصّيام (6): ” لا مطهّر أفضل من الصّيام الحقيقي الذي يمكّننا من التّعبير عن النّفس بصورة أشمل، كما أنّه يمكّن العقل من السّيطرة على الجسد”، ليؤكّد لنا ” أنّ هذه النّقاوة في مفهوم وقرار وتنفيذ عمل ما، تدفع المنفّذ إلى مستوى شبه نفساني راق، وتعطيه قُدرة أكبر على الإدراك الواعي ونوعاً من القُدرة على الشّعور المسبق بما يخفيه المستقبل. وأنّ نقطة الارتكاز النفسانيّة هي المحور الطّبيعي للشخصيّة وهي التي تحدّد مدى ومجال الوعي الموضوعي. فالطّهارة هنا تعمل على شكل دافع يحمل نقطة الارتكاز هذه على الترفّع أكثر فأكثر لتتطابق مع هذا المحور الذي يشكّل نقطة انطلاق وتكوين حرّية الاختيار والقدر في آن”(7).
يرى كمال جنبلاط أن الإنسان اكتشف عبر تاريخه الطويل وانفعاله بالبيئة والمجتمع والطبيعية قيماً معنوية وروحية .. أي أنها في جوهرها، لا في ظاهرها وقالبها،لا تختلف ولا تتبدل عبر القرون. ويتابع جنبلاط تفسيره لهذه المسألة بقوله: فتشوا عن الإنسان، تجدونه ضرورة في كل شيء، المثالي الواقعي عنده نظرة حقيقية للوجود وللبيئة التي يعيش جسده فيها وتتفاعل حواسه معها، الإنسان لا ينفصل داخله عن خارجه ،ولا ظاهره عن باطنه،فهو كل لا يتجزّأ(8).
على ضوء ذلك، أصبح باستطاعتنا إذاً أن نعي أكثر ذلك المفهوم للإنسان برؤية كمال جنبلاط، من خلال تلك العلاقة الجدليّة القائمة بين حقيقة وجود هذا الإنسان، وقيامه بعملٍ يتعلّق بغذائه، وهو الصّوم: ” إنّ ما نستوعبه ونصنع منه أغشيتنا وأعضاءنا ولحمنا ودمنا وتيّار أعصابنا ومادّة فكرنا باستمرار، يجب أن نصرفه وأن ننفقه وأن نتخلّى عنه باستمرار أيضاً، لتوليد الطّاقة ولتمكين الجسد من التطوّر والتبدّل الدّائب، ولمجانبة أن يختزن فينا شيء من هذه المواد الواردة إلينا والصّادرة عنّا، فلا تلبث أن تعوق عمل أغشيتنا، وحركة دمائنا، وسوائلنا الداخليّة، وتترسّب في مختلف زوايا خلايانا،وتتحوّل مع الزّمن إلى سموم حقيقيّة.. وقاعدة الحياة المتجلّية فينا ـــ كقاعدة الوجود بأسره، المادّي المحض والحيّ والنّفساني ـــ هو أنّنا لا نستطيع أن نكسب شيئاً دون أن ننفقه حالاً، أو أن نحتفظ بشيء دون أن تجري مقادير صرفه وهدره “(9)

المصادر والمراجع:
(1): كمال أبو مصلح: كمال جنبلاط، ص 204، بيروت، المكتبة الحديثة،ص، 19.
(2): مصدر سابق.
(3): مصدر سابق.
(4): كمال جنبلاط: أدب الحياة/ أدب الحبّ، لبنان، ، 2000، الطّبعة الخامسة.
(5): مرجع سابق.
(6): كمال أبو مصلح: كمال جنبلاط،مرجع سابق.
(7): م،ن.
(8): كمال جنبلاط، كلمات وهاجة:الدار التقدمية،ط 1،2013،مقتطفات من أدب الحياة، ص27.
(9):م،ن.

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2016)

شاهد أيضاً

Capture

عمّان تستضيف أول مؤتمر حول الحروب والنزاعات المسلحة وتأثيراتها على البيئة

المؤتمر البيئي الإقليمي للشرق الأوسط (1) 18-19 تشرين أول 2017 شبكة بيئة ابوظبي: عمان الأردن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *