الجمعة , أغسطس 18 2017
أخبار عاجلة
الرئيسية / CSR / غذاء الإنسان وبيئته 21
0021

غذاء الإنسان وبيئته 21

نصوص من كتاب ” كمال جنبلاط الإنسان والصوم”
شبكة بيئة أبوظبي: الكاتب والصحفي حسن بحمد 17 يونيو 2017
لم يقتصر مفهوم كمال جنبلاط للإنسان على طاقته النفسيّة وفكره وتجرّده؛ بل رأى أنّ كلّ هذه العناصر فيه تتأثّر ببيئته وغذائه، فأعطى مساحات كبيرة في أبحاثه وآرائه لأهميّة الغذاء في حياة الإنسان، فسلّط الضّوء على نوعيّة هذا الغذاء، وأساليب الحصول عليه، والطّرق التي تساعد الجسم على الحفاظ على طاقته سليمة، والتي تؤسّس لطاقة نفسيّة سليمة، وللتمتّع بمواصفات تعكس دور الإنسان الحقيقي، كتجرّده وتضحيته بالأنا، ومن هذه الطّرق الصّوم.
في مفهومه لموضوع غذاء الإنسان وبيئته، يرى المعلم جنبلاط،” أن الإنسان هو كلّ، لا ينفصل جسده وحواسه عن فكره.. وهل الجثمان الحيّ سوى صورة حسيّة، أي شكل ولون وحسّ ولمس وبرودة وحرارة وغيرها من الصّور التي تعتري الحواس؟!.. وهل الحواس الإخباريّة سوى شبابيك الفكر في إدراكه لما نسمّيه عالَم الحواس، أي العالم الخارجي.. وهذا الجسد، وهذه الحواس تتغذّى بالطّعام وترتوي بالشّراب، والشّراب والطّعام مادّتها التي بها تتكوّن ماهيّتها الكثيفة الحيّة.. فكيف لا يكون تأثير وانعكاس للغذاء،ليس فقط على جسدنا؛ بل على حواسنا وعلى فكرنا أيضاً!.. فسبحان من جعل الوحدة تتجلّى في كلّ شيء وترافق ظاهرة تبدّل الشّيء وتطوّره ، وكأنّ وحدة البُنى (Structures)هي انعكاس لأحديّة حقيقة الوجود، أو كأنّ البُنى الظّاهرة، في تقلّبها وتبدّلها، مرايا يتراءى فيها وجود المطلَق الفريد “(1).
إن الغذاء الذي نتناوله هذه الأيام متنوع ومختلف جداً وهناك أنواع كثيرة تجعل عملية الاختيار صعبة. أما الحياة قديماً فكانت أبسط بكثير. كان للفواكه والخضر مواسمها المعروفة، وكان الدجاج يركض في المزارع، والأبقار تأكل الحشائش في المراعي، وكان سمك السلمون وحشيّاً وطليقاً، وكان الخبز يحضر بطرق أصيلة.
أما هذه الأيام فلا يوجد معنى للفصول عندما تشتري التوت الأحمر في أعياد الميلاد والفلفل الأوروبي في شهر كانون الثاني وفي الوقت نفسه يقضي معظم الدجاج البياض حياته داخل الحاضنات.أما الأبقار فقد تم تحويلها إلى آلات للحلب تعيش في داخل أماكن مخصّصة تأكل العلف، وينتج معظم أسماك السلمون عن طريق التكاثر الاصطناعي وتتم صناعة الخبز بواسطة الضغط على زر معين”(2).
هناك الكثير من الاستقطاب لأنواع الغذاء الذي نتناوله ولكن الشيء الجيد هنا هو العودة إلى المبادئ التقليدية في تربية الحيوانات والعناية في إنتاج المواد الغذائية والتي ظهرت نتيجة بروز عدد متزايد من المنتجين، فالكثير من هؤلاء المزارعين قد اكتشفوا النسل المجرب والمعتمد عليه، وأنواع الفواكه والخضر ذات النكهة المميزة، والطعام المعد بمهارة فنية.
يقوم المستهلكون بشراء هذه المواد الغذائية بلهفة نظراً لوجودها بكثرة على رفوف المتاجر والمحلات وهي الأغذية الناتجة عن الزراعة المكثفة والطعام الذي تمت معالجته بسلسلة من العمليّات الصناعية حيث تمتاز محتوياتها الخام بكونها رديئة ومنتجة صناعياً أو داخل مختبرات بدلاً من المطابخ. لقد أحدث علم الهندسة الوراثية تراكيب غريبة تجعل من الأصناف والألوان الغذائيّة القديمة أشياء تافهة. ولذلك فإن تكنولوجيا الجينات تقوم بصورة بطيئة بتطبيق النظريات العلميّة على المواد الغذائية اليومية.
يقوم المستهلك أيضاً بقراءة البطاقات الموجودة مع الطعام بسرعة فائقة ويشتري المواد الغذائيّة على أساس الثقة من دون أية دراية عن محتويات أو نوعية هذه المواد أو الطرق المتبعة في صناعتها. لكن المستهلك المدرك يقوم بقراءة هذه البطاقات بجدية لعدم ثقته بالمنتوجات وغالباً ما يجد جواباً للأسئلة التي تدور في ذهنه.
ويعرض جنبلاط لجملة حقائق،موظفاً مفاهيمه في الرؤية البيئوية انطلاقاً من مطالعاته في التاريخ،والعلم الحديث، والأديان، فيعرض لحقائق خمس وفق ما يأتي:
أوّلاً: إنّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش في محيط حضاريّ يبتعد به تدريجيّاً عن البيئة الطبيعيّة،التي تكيّفت بها أغشيته، وأعضاؤه، وحواسه، وعقله، عبر آلاف القرون من التّاريخ وما قبل التّاريخ، منذ نشأته على هذه الأرض.. فلا نستطيع، مهما حاولنا، أن نبدّل، في مجرى بضع عشرات من السّنين،العلاقات التي التزم بها الكائن البشريّ الحيّ، وتضافرت عليه فألزمته بعقودها، وربطته بتأثيرها وردود فعله عليها ـــ وكأنّه قطعة من الأديم ارتفعت فوق هذا الأديم بفعل ما استبطنته نوى الجماد من حريّة شيوع الحياة المتجمّعة، فيما بعد، في الكائنات ذات الخلايا الفاردة، وذلك في طريقها وفي سلّم تدرّج السّلالات حتّى مرتبة الإنسان.. ومن الوجهة الكيميائيّة والفيزيائيّة والإلكترونيّة، فإنّ العلم الحديث يُظهر لنا أنّ كلّ ما يجري من تفاعلات وانفعالات وتركيبات ومجالٍ في الكائن الحيّ، وفي نشاط الدّماغ العقلي، إنّما هو نتيجة تفاعلات وعلاقات فيزيائيّة كيميائيّة إلكترونيّة… (3) “ما أكثر العجائب، وأعجب العجائب هو الإنسان… فقدرته على الإبداع تفوق كل الأماني يستغلها في الشر حينا وفي الخير حينا آخر”(4).
وعزز عصر النهضة صورة الإنسان هذه باعتباره منفصلا عن سائر الكائنات، إن لم يكن أسمى منها بالرجوع إلى المثل العليا الكلاسيكيّة إلى أن تبلور التفكير العلمي، حول هذه المسألة في عبارة ديكارت في أوائل القرن السابع عشر Cogito ergo sum– “أنا أفكر، إذن أنا موجود”. ولم تقتصر نتيجة ذلك على فصل العقل عن البدن في الإنسان بل تجاوزت ذلك إلى فصل الحيوان المفكر (حسبما عرّفه أحدهم) عن كل ما عداه(5).
ثانياً:الغذائية،هي أنّ الإنسان ـــ فوق التزامه بعلاقات عقله وحواسه وأعضائه بالدّنيا المحيطة به ـــ هو نتاج ما يأكل وما يشرب، يزداد بذلك حجم جسده، في مجال تطوّره، ونموّه منذ العلقة الأُولى في رحم أمّه حتّى بلوغه، ثمّ يفاعه ورجولته، وشيخوخته وموته..ذلك أن الثالثوث الطاقوي(الجماد،والحي، والنفساني) هو استيعاب وإفراز، أخذ وعطاء، يعبر دوماً عن ناموس بقاء الطاقة وخلودها،فإذا ما أصاب الإنسان وهن في أعضائه، أو مرض في جسمه، أو انحلال تدريجي في سلالته، فلا يلو من أحداً سوى الأخطاء، التي ارتكبها في غذائه،وشرابه،وتصرفه الحياتي(6)، تؤيد ذلك نظريات بيولوجية تحققت عن الدور الممكن للعملية البيوكيميائية في الدماغ،التي لم تكن مع الإنسان بالولادة،ولكن نتيجة لحساسيات،مشاكل غددية،غذاء،أو حتى استهلاك اللحم البقري،الذي يحتوي على الكيميائيات، فالاطفال المتأثرون بحساسية الطعام، أو الاضطربات الغددية، يمكن أن يعانوا من نشاط مفرط يجعلهم أقل احتمالاً لتعلم المهارات الاجتماعية، وأكثر صعوبة في الانتظام “(7).
ثالثاً: الحقيقة الدينامية(8)، هي أنّ الكائن البشري هو جهاز طاقيّ، ديناميّ بطبيعته وتكوينه،هذه الديناميّة تفرض القيام بنشاطات مختلفة وفق الوظائف المعدَّة والمهيّأة لكلّ عضو ولكلّ حسّ وللنّفس وللدّماغ بكامله، واستمرار هذا النّشاط، وإلاّ توقّفت الآلة أو عُطب بعض أجزائها.. وذلك أنّ ما نستوعبه ونصنع منه أغشيتنا وأعضاءنا ولحمنا ودمنا وتيّار أعصابنا ومادّة فكرنا باستمرار، يجب أن نصرفه وأن ننفقه وأن نتخلّى عنه باستمرار أيضاً، لتوليد الطّاقة ولتمكين الجسد من التطوّر والتبدّل الدّائب، ولمجانبة أن يختزن فينا شيء من هذه المواد الواردة إلينا والصّادرة عنّا، فلا تلبث أن تعوق عمل أغشيتنا، وحركة دمائنا، وسوائلنا الداخليّة، وتترسّب في مختلف زوايا خلايانا، وتتحوّل مع الزّمن إلى سموم حقيقيّة.. وقاعدة الحياة المتجلّية فينا ـــ كقاعدة الوجود بأسره، المادّي المحض والحيّ والنّفساني ـــ هو أنّنا لا نستطيع أن نكسب شيئاً دون أن ننفقه حالاً، أو أن نحتفظ بشيء دون أن تجري مقادير صرفه وهدره.. فالاختزان والبخل والتّكديس غير موجود منها شيء في منطق وتصرّف الطّبيعة.. ولذا فالنّشاط الجسديّ فرض من فروض الصحّة.
رابعاً: الحقيقة النباتية أو الماكروبيوتيه،هي أنّ للمآكل والمشارب ولطريقة تحضيرها، أثراً بالغاً في تكوين النفسيّة البشريّة الملتزمة بتأثّرها بالأعصاب. هذه الأعصاب التي هي بدورها غارقة مبطّنة في سوائل وخلايا داخلنا الشّحماني المتكوّن على الدّوام من المواد التي نأكلها ونشربها وتدخل في تقويمنا الجسديّ، وتستمر فينا إلى مدى طويل أو إلى حين.. وقد صدق القول المأثور الذي يردّده اليوم الملايين من أتباع التّغذية الماكروبيوتيّة (Macrobiotique): كما تأكلون وتشربون تكونون.. وأثبت العلم الحديث صحّة ما كان يرد على لسان الحكماء الأقدمين من أثر ما نأكل وما نشرب على نزعاتنا وشهواتنا وأخلاقنا ونفسيّتنا، لأنّ الغذاء يحتوي على عنصرين أساسيَّين عامَّين: المادّة الكثيفة للطّعام والشّراب التي تدخل في تكوين كثافة جسدنا،والمادّة اللّطيفة للغذاء التي تدخل في تكوين المادّة اللّطيفة فينا التي هي النّفس، أي الفكر، وفق ما أورده الحكيم “شري أثمانندا” تقدّس سرّ أحديّته فيه..(9).
وفي ذلك يقول جنبلاط: وهذه الاختبارات التي أجراها بعض العلماء والأطبّاء على طائفة من الحيوانات، تُثبت أثر الإكثار من التّغذية باللّحوم في اهتياج الشّراسة والعنف في هذه الحيوانات، كما نرى ذلك تماماً في أيّامنا هذه في عالَم البشر “المتحضّر” الذي يُكثر من طعام اللّحوم، فتظهر في المجتمعات المعاصرة ـــ المتمدّنة ظاهرياً كما يقولون ـــ انفعالات ونزعات العنف والجريمة كما لم نرَ ذلك ربّما في أيّة مرحلة من مراحل التّاريخ القديم، وخصوصاً لدى الشّعوب النباتيّة في مطعمها.. وكأنّ ظواهر العنف والجريمة تزداد بازدياد استهلاك اللّحوم التي تحمل في باطنها كلّ ما تحمَّله هذا الكائن الحيوانيّ المذبوح أو المقتول من الآلام ومن صراع الموت، قبل حلول قدره الطبيعيّ، فينتقل كلّ هذا المحمّل والمشحون اللّطيف من الآلام والعذابات إلينا في مجرى تنفيذ مقادير السببيّة (Karma). “وإنّما أعمالكم تُردّ إليكم” (الحكمة التوحيديّة الشّريفة). فنكتوي إذن بالنّتائج اللاّحقة والمتنقّلة إلينا لهذه الآلام ولهذا العذاب(10).
إن جنبلاط في نزوعه النباتي، إنما يفهم الجريمة، كوظيفة سلبية،مثلما يفهمها أصحاب الرؤية الوظيفية،بوصفها خللاً وظيفياً في المجتمع،خطيراً ومدمراً،في أقل تقدير، لكنه لا يقر لها بوظائف عادية ،كظاهرة،كما فعل دوركايم،والتي تتمثل في تدعيم وتقوية النظام الأخلاقي أو الضمير الجمعي،وذلك حين تضطرنا،في حال وقوعها،إلى إدراك أهمية القوانين والقواعد التي تم انتهاكها وعدم الاقرار الكمالي هذا،بوظيفة عادية للجريمة،إنما يعود إلى مفهومه الخاص للإستقرار،في العودة إلى الطبيعة،والرفض للحضارة المضادة لها(11).
خامساً:هي الحقيقة التي لا بدّ من ذكرها وتأكيدها هي أنّ هذا التيّار من العنف برأي جنبلاط ناجم إلى حد كبير عن المآكل اللحميّة والمشروبات الكحوليّة ـــ وأيضاً عن عيش المدينة، أو صخب الحضارة العصريّة،والابتعاد عن أجواء الطّبيعة والبراري الدّافئة الطبيعيّة ـــ وهذا التيّار من العنف المتعاظم يتلازم حدوثه مع اندلاق الشّهوة الجنسيّة، وتحكّمها المستأثر تصاعداً بالأفراد والجماعات،ممّا يهدّد مصير العائلة الزوجيّة،ويوشك أن يقضي على كلّ عفاف، وفوق ذلك فإنّه يهدّد بانحلال السُّلالة البشريّة.(12) نتيجة العلل النفسية والأمراض الجسدية الناجمة عن الإندلاق الجنسي والاستهتار والتهالك.

المصادر والمراجع:
(1): كمال جنبلاط: “العلاج بعشب القمح، كن طبيب نفسك”، المقدّمة، لبنان، الدّار التقدميّة، 1987، الطّبعة الثّانية.ص 9
(2):جوانا بليتمان، الغذاء الذي نتناوله، ترجمة فراس عدنان الجبوري، المجمع الثقافي، الإمارات العربية المتحدة- أبو ظبي، ط2، 2000،ص 9-10.
(3):جنبلاط ،مرجع سابق،ص9
(4): إيان ج. سيمونز، البيئة والإنسان عبر العصور، ترجمة السيّد محمد عثمان، عالم المعرفة، الكويت، 1997،ص247.
(5) المرجع السابق ص،247.
(6): د. ابو لطيف، شوقي، كمال جنبلاط والوظيفة الاجتماعية للفلسفة، دار الحداثة ،ط1 2000، ص،178.
(7):Coral hazel.Crim and society in Britain, Landan .Longman,1998,p:42
(8): جنبلاط ،مرجع سابق،ص10
(9): جنبلاط ،مرجع سابق،ص10
(10): جنبلاط ،مرجع سابق،ص11
(11): د. أبو لطيف، شوقي ،مرجع سابق ص180.
(12): جنبلاط ،مرجع سابق،ص12.

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2016)

شاهد أيضاً

Capture

عمّان تستضيف أول مؤتمر حول الحروب والنزاعات المسلحة وتأثيراتها على البيئة

المؤتمر البيئي الإقليمي للشرق الأوسط (1) 18-19 تشرين أول 2017 شبكة بيئة ابوظبي: عمان الأردن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *