الخميس , يوليو 18 2019
الرئيسية / CSR / الصّوم ونواميس الطّبيعة 20

الصّوم ونواميس الطّبيعة 20

نصوص من كتاب ” كمال جنبلاط الإنسان والصوم”
شبكة بيئة أبوظبي: الكاتب والصحفي حسن بحمد 16 يونيو 2017
كلّ شيء في هذا الكون بما فيه من مكوّنات ومخلوقات، يخضع لقوانين وشرائع ونُظم؛ فما وُجد الهواء عبثاً، ولا الماء ولا التُّراب ولا كلّ ما يحيي الإنسان. فنواميس الطّبيعة تحيط بالإنسان وتؤثّر بكلّ تفاصيلها على تكوينه وفكره وحواسه وجسده، وتتناغم مع نواميس طبيعته الداخليّة، ووظيفة خلاياه وأغشيته وأعضائه المختلفة.
في تقديمه لكتاب “نكون أو لا نكون” للكاتب الأوكراني الأصل “إفان روبنسكي”، الذي ترجمه ونشره في العام 1974، يقول المعلم كمال جنبلاط:
” إنّ أحد مرتكزات الاهتمام الكبرى التي توجّه إليها الدكتور إفان روبنسكي كان الإنسان، تطوّره وحضارته ومصيره. وكأنّه أدرك بحدس العقل وبامتداد المعرفة أنّ على الإنسان أن يحترم نواميس الطّبيعة التي تحيط به وتتداخل، وتتدخّل في كلّ حين، في تكوين جسده، وفي الانفعال بأعصابه وحواسه، وفي الهيمنة على مسارات الأغذية والسّوائل في أغشيته، وعلى حياة خلاياه، وإلاّ فقد الإنسان القُدرة على العيش، وضعفت فيه مُكنات التجدّد وقوى التّكييف، واختلّت اعتمالات التّوازن الدّاخلي القائمة على توازن يدعمها ويقابلها في البيئة الخارجيّة، فإذا به يشرف على الانحطاط التّدريجيّ، ومن ثمّ على الهلاك، كما حصل لعدد من الأجناس الحيوانيّة والبشريّة السّابقة.ولعلّ من أضخم الاكتشافات العلميّة في هذا العصر توصّل الإنسان إلى تبيان حقيقة علاقاته بالعالَم الخارجيّ وبالعالَم الدّاخلي، من خلال علم التّغذية السّليمة،وعلم البيئة، وعلم النّفس وما وراء النّفس، وكيف يستطيع الإنسان أن يعيش وأن يبقى صحيحاً سليماً ونامياً في وجه تحدّيات الحضارة، وأخطار المعيشة اليوميّة الآليّة المعقَّدة،التي تبتعد بالإنسان عن الطّبيعة،وكيف لا يهدِّد العيش الحضاريّ المعاصر مصير البشريّة، إذا لم تتوفّر لنا معرفة الشُّرع التي أوجدتنا وتحافظ علينا وعلى بيئتنا،في توازنها المتلازم لتطوّرنا،والمرافق لنموّنا،ولتفتّح مُكنات الحياة فينا وحولنا “(1).
في إشارة منه إلى شأن الإنسان الأهمّ، تبدو عند جنبلاط حالة الترابط الوثيق بين مصير الإنسان وحضارته، والملتزمة إلى حدٍّ كبير بالتّغذية السّليمة أو الرّديئة، الطبيعيّة أو المصطنعة، المكمّلة لحاجات البدن والحواس أو النّاقصة..
في هذا المجال يتطرق كمال جنبلاط إلى ما توصّل إليه العلماء في هذا الإطار من ” تأثير الأغذية على أخلاق الفرد وعلى طباع النّاس، حتّى ليكاد أحدهم يقول للآخر: كما تأكل تكون عليه من الخصال. وقد أظهرنا أكثر من مرّة هذه العلاقة الجدليّة بين جسد الإنسان وفكره الملتبس بالدّماغ، وبين عناصر التّغذية… (2).
وهنا ينظر جنبلاط إلى أهمية نظام التغذية في تربية الإنسان في جميع مراحل عيشه وفي تنقية الحضارة، وعرضه لشتّى الاختبارات والكشوف،” من أنّ الحياة في الكائن الحيّ لها قُدرة عجيبة تتجاوز فيها شُرَع المادّة المحض، وخاصّة المبدأ الثّاني للترمودبناميك أي لديناميّة الحرارة، وأنّ هذه الحرارة لا تعود في الحيّ معرّضة للانحطاط التدريجي… ولكنّ هذه القُدرة على التّرفيع لا شكّ أنّها من ميّزات التطوّر… وهكذا بالنّسبة إلى جميع نشاطات جسدنا وطاقات فكرنا ومصادر الحياة والشّعور فينا، فهي أبداً تخضع ـ إن شئنا وسلمت بيئتنا وحسن توجيهنا ـ إلى مبدأ الارتفاع والترفّع عبر التحوّل الطارئ. ومبدأ الترفّع لا يفسّره في الواقع، ولا تستطيع ذلك أيّة نظريّة محض ماديّة للوجود؛ بل كان في كلّ ذلك فعل وانعكاس لشفافيّة اللّطيف فينا، لهذا العقل الأرفع، للنّوس (Nouss) على حدّ تعبير اليونان القديم، أي لتصوّر النّور الجوهريّ البسيط السّرمدي فينا على صفحة إدراكنا الحسّي وأفكارنا ومشاعرنا، وكأنّ الاستقطاب للأفضل وللأخير وللأصفى، والأنقى والأبسط، هو في النّهاية محور حركة كلّ شيء. ولولا النّور لما سعت الفراشة إلى مصدر هذا النّور. ففي كلّ كينونة نزعة بديهيّة للتحرّك في الاتّجاه المحدَّد، نوع من “التروبسم” (Tropisme)، أو كأنّ الفلك الخامس، فلك العقل، على حدّ تعبير الحكمة اليونانيّة والصوفيّة الإسلاميّة والتوحيديّة هو الذي يتمخّض كلّ شيء في أثر فعله ” (3).
ويضيف جنبلاط الذي كان يتماهى بالقدماء ويدعو إلى العودة إليهم: ” إنّ مثل هذه العلوم الصّافية حول فعل الأغذية بالأجسام والأمزجة وخصال النّفوس، كانت قائمة ومزدهرة عند الأقدمين، ونرى أفضل مثال لها في “كتاب الشّفاء” لدى أخواني الموحّدين الدّروز، وهو فصل من كتاب “الشّريعة الروحانيّة في علم البسيط واللّطيف والكثيف”، وفيه أروع وأدقّ طبّ للوقاية ، وفي هذا المنحى فإنّ العودة إلى الأقدمين، واختبارهم الألفي، أفضل من التبذّل باعتماد الجديد الذي لا يقوّمه اختبار…”(4).
عن نواميس الطّبيعة وتداخلها وتدخّلها يتحدّث المعلم كمال جنبلاط ” في تكوين جسد الإنسان، وفي الانفعال بأعصابه وحواسه، وفي الهيمنة على مسارات الأغذية والسّوائل في أغشيته، وعلى حياة خلاياه”، وبالتّالي، يبيّن ” تأثير الأغذية على طباع الإنسان، وتلك العلاقة الجدليّة بين جسده وفكره الملتبس بالدّماغ، وبين عناصر التّغذية”. ومن جهة أُخرى يؤكّد جنبلاط (حسبما ورد في الفصل الثّاني من هذا الكتاب،في باب “كمال جنبلاط وغذاء الإنسان”)،” أنّ ما نستوعبه ونصنع منه أغشيتنا وأعضاءنا ولحمنا ودمنا وتيّار أعصابنا ومادّة فكرنا باستمرار، يجب أن نصرفه وأن ننفقه وأن نتخلّى عنه باستمرار أيضاً، لتوليد الطّاقة ولتمكين الجسد من التطوّر والتبدّل الدّائب، ولمجانبة أن يختزن فينا شيء من هذه المواد الواردة إلينا والصّادرة عنّا، فلا تلبث أن تعوق عمل أغشيتنا، وحركة دمائنا، وسوائلنا الداخليّة، وتترسّب في مختلف زوايا خلايانا،وتتحوّل مع الزّمن إلى سموم حقيقيّة”.. ثمّ ينصح جنبلاط (في الباب ذاته) بالصّوم،فيقول:”عليك بالصّيام مرّة ويوماً كاملاً، ليله ونهاره، بدون طعام ولا شراب، في كلّ أسبوع بعد تنظيف المعاء وتطهيرها تطهيراً كاملاً، وإن استطعت فيومين كاملَين، لكي تحترق الفضلات والسّموم العالقة في جدران خلايا وأعضاء وأغشية جسدك”.. وكأنّه يريدنا أن نفهم أنّ نواميس الطّبيعة تفرض علينا الصّوم، لأنّ الإنسان يخضع لها ولا يستطيع الانفصال عنها.وهذا يتقاطع مع ما بيّنه العلماء والمختصّون عبر مراحل عديدة، وفق عرض التساؤلات التالية:
ـ ألم يقل الدكتور العالمي “ألكسيس كاريل”، في كتابه المشهور “الإنسان ذلك المجهول”: “إنّ كثرة وجبات الطّعام تعطّل وظيفة التكيّف مع قلّة الطّعام التي أدّت دوراً عظيماً في بقاء الأجناس البشريّة، ولذلك كان النّاس يلتزمون الصّوم والحرمان من الطّعام؟!”(5).
ـ ألم يتبيّن لنا أنّه عند الامتناع عن الطّعام ” ينتقل الجسم إلى التّغذية الداخليّة اعتماداً على ما تدّخره الأنسجة للحصول على الطّاقة اللاّزمة لاستمرار الحياة، واستمرار وزيادة نشاط عمليّة الإطراح.. أي تخلّص الجسم من تراكمات الفضلات والسّموم خاصّة في الأنسجة المريضة؟”(6).
ـ أليس الصّوم بحدّ ذاته مظهراً من مظاهر” نواميس الطّبيعة الداخليّة” للإنسان وتركيبة جسمه، حيث إنّ “التّغذية الداخليّة المنضبطة، وطرح الفضلات والسّموم (إضافة إلى عنصر بديهي وهو الرّاحة الفيزيولوجية التي تُمنح للجهاز الهضمي وملحقاته أساساً، ولسائر الأجهزة والغدد بدرجة ما)، تُعطي عضوية الجسد فرصة للتجدّد، فتعود الوظائف بعد فترة الرّاحة أنشط، ويصبح الدّم أصفى وأغنى بكريات الدّم الأكثر شباباً؟”(7).
ـ أليس الصّوم على علاقة مباشرة بنواميس الطّبيعة التي حدّثنا عنها كمال جنبلاط، حيث إنّ الصّوم “يقوم بتنظيف الجسد وإيقاظ التّوازن فيه، ويعيد تجديد الاستحكامات المناعيّة ضد الغزاة المحتملين من بكتيريا وفيروسات، وهذا ما توصي به مدرسة الطبّ الوقائي الطّبيعي وعلمها الأشهر سلفستر جراهام(8) حيث الوقاية تعني: الهواء النّظيف، والماء النّظيف، وضوء الشّمس، والهدوء النّفسي، والرّاحة الفسيولوجيّة الدوريّة (أي الصّوم على فترات)؟”(9).
ويؤكّد لنا المعلم كمال جنبلاط أيضاً،تساؤلاتنا هذه بقوله:”هذا الجسم يتكوّن، بمادّته وأنسجته وأغشيته وسوائله وأعصابه وأقنيته وشرايينه وخلاياه المتنوّعة اللامتناهية من هذا الغذاء والماء والشّمس والهواء. والطّاقة فينا، بما فيها طاقة الفكر المنبثق من تلافيف الدّماغ ومراكز انحصار الوظائف، هي تحوّل دائم لهذا الغذاء الذي نتلقّفه من النّبات والشّمس والماء والهواء.والإنسان لا ينفصل داخله عن خارجه، ولا ظاهره عن باطنه، فهو كلّ لا يتجزّأ “(10).
هذا المفهوم يؤكد لنا العلاقة الجدلية القائمة بين الإنسان والطبيعة وكذلك بقوله(11): الإنسان يخلق على الدّوام شجرته،ويبنيها من عناصر هذا الكون لطيفها وكثيفها، ومن الأثير وتموّجات الشّعاع وأضواء النّور وخضرة النّبات وعناصر المعدن والحيوان، فهي تفعل به وهو يفعل بها، تماماً كما فعل الله في الخلق الأوّل، والمثال الأساسيّ الأزليّ لتكوين المثالات الحيّة.
وفي هذا الإطار يقرأ الدكتور نديم نعيمة(12)، في فلسفة جنبلاط للطبيعة الإنسانية، ومفتاح هذه الفلسفة فيقول: ” إنّ هذا الوجود الذي أحيا فيه وحدة لا تتجزّأ، لأنّ التّجزئة تعني انفصال شيء عن شيء، بحيث لا تبقى علاقة تشدّ بينهما، وإنّك لا تستطيع أن تتصوّر أيّ شيء في هذا الوجود بإمكانه أن ينفصل عن الوجود انفصالاً لا تبقى فيه علاقات بين الاثنين؛ وإن كان لأيّ منّا إن هو انعزل عن الكون جميعاً، انعزل عن الماء والهواء والتُّراب والنّور والحرارة.. عن كلّ هذه، أليس إذا انعزلنا عن الكون انعزالاً نهائياً أوقعنا في لجّة العدم؟ ووجودنا هو اتّصال لا انفصال فيه لجميع معطيات الحقيقة بالهواء، بالتُّراب، بالنّار، بالحرارة، بالزّمان والمكان؟نحن متّصلون اتّصالاً وثيقاً لا انقطاع فيه في كلّ لحظة من حياتنا، وبكلّ شيء في الوجود،وكلّ شيء نتّصل فيه هو أيضاً متّصل بغيره، حتّى أقاصي اللاّنهاية.فالوجود إذاً وحدة لا يمكن فيها أن نفصل شيئاً عن شيء، وإذا كان الأمر كذلك، فما معنى أن يكون أحدنا (أنا)؟ أين تمتدّ حدوده وأين تنتهي؟ أتنتهي بحدود البدن؟ وماذا عن هذا الذي يتّصل بالبدن: الهواء والتُّراب والماء وغيره؟ ألا يعني أنّ “الأنا” أنا الذّات تتّسع فينا لتشتمل على هذه الأمور جميعاً التي تتّصل بها كما يسمّيه كمال جنبلاط، بين نظام بدنه ونظام الكون المحيط به؟
أين يمكن لأيّ منّا أن يتمتّع بصحّة نفسيّة إن هو لم يعمل على أن يصل إلى هذا التّناغم والتآلف والاتّفاق بين نفسه ونفس الوجود الآخر؟ إنّ أقصى ما يُطلب من الإنسان في هذه الحالة ـ وهذا ما يقصده كمال جنبلاط ـ هو أن يصل وعيه لنظام نفسه وجسده إلى مرتبة يحسّ معها أنّه متناغم تناغماً كليّاً مع نظام الكون الأشمل، تناغم الموسيقى الذاتيّة،موسيقى هذا العالَم الأصغر الذي هو الإنسان،مع نبض وموسيقى الحياة وتناغمها في هذا العالَم الأكبر.إذ ذاك يصل الإنسان إلى “النرفانا”، أو في اللّغة العربيّة السّهرة أو الوقوف الصّافي.ومن هنا أيضاً تشديد كمال جنبلاط في كتابه “أدب الحياة” على العودة إلى الطّبيعة بهذا المفهوم”.

المصادر والمراجع:
(1): إفان روبنسكي: نكون أو لا نكون، ترجمة وتقديم كمال جنبلاط، بيروت، دار الحقيقة، 1974.
(2):المرجع السابق
(3): المرجع السابق
(4): الفصل الأوّل من هذا الكتاب / الصّوم والصحّة.
(5): الفصل الأوّل من الكتاب / العلاج بالصّوم.
(6): الفصل الأوّل من الكتاب / العلاج بالصّوم.
(7): الفصل الأوّل من الكتاب / العلاج بالصّوم.
(8): سيلفستر غراهام (1795ـ 1851)عالم في النظم الغذائية والنباتية،ومؤسس مجلة الصحة الأمريكية.
(9): الفصل الأوّل من الكتاب / العلاج بالصّوم.
(10): كمال جنبلاط: حقيقة الوجود والوعي،”العلوم”، لبنان، الدّار التقدميّة، 2012.ص38.
(11): الفصل الثّاني من الكتاب / كمال جنبلاط وغذاء الإنسان.
(12): كمال جنبلاط: أدب الحياة، أضواء على أدب الحياة، سلسلة نقاشات في ندوتين تناولتا كتاب “أدب الحياة” حلال عامي 1972 و 1974، النّدوة الأُولى، الدكتور نديم نعيمة “فلسفة الحياة”، لبنان، الدّار التقدميّة، 2008، الطّبعة السّابعة.

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2017) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2017)

شاهد أيضاً

مقيــّم مشاريع الاستدامة في الشركات والمؤسسات

شبكة بيئة ابوظبي: المنامة: مملكة البحرين 6 مايو 2018 نظمت الشبكة الاقليمية للمسؤولية المجتمعية برنامج …