الخميس , يوليو 18 2019
الرئيسية / CSR / الصّوم ومعاملة الجسم 19

الصّوم ومعاملة الجسم 19

نصوص من كتاب ” كمال جنبلاط الإنسان والصوم” (الفصل الرابع)
شبكة بيئة أبوظبي: الكاتب والصحفي حسن بحمد:15 يونيو 2017
لا يمكن لإنسان أن يعيش حياة هانئة دون معاملة جسمه معاملة جيّدة، ما دام الجسم والحواس والفكر كلاًّ لا يتجزّأ، ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. فلأجسامنا علينا حق، وهي مرآة ذواتنا، وهي نتيجة طبيعيّة لما نفكّر فيه ونقوم به. وكلّما فهمنا أهميّة ونوعيّة الغذاء المادّي والرّوحي لأجسامنا، كلّما حافظنا عليها، وحدّدنا الخيارات المفيدة لها، ويأتي في مقدّمة هذه الخيارات، الصّوم.
في الواقع أنّ كلّ ما تقدّمنا به من آداب مختلفة الشّؤون، إنّما يعود إلى صيانة هذا الجسد الذي تنسجه الرّوح في نزعاتها المبطّنة والمغلّفة في أعماقها من مختلف العناصر اللّطيفة والكثيفة، من الأثير والهواء والنّور والماء والغذاء. ولقد اعتبر كمال جنبلاط أدب معاملة الجسم إحدى الركائز في مجال التربية الصحية والغذائية ،” فالإنسان يبني بيته، هذا المتنقّل به عبر المكان والزّمان، تماماً كما تنسج العنكبوت بيتها ممّا تفرزه أحشاؤها “(1).
إن بعض الناس يملكون قوة نفسية غير عادية تمكنهم من شفاء الأمراض، ومن تحريك الجماد، وهذه القوة يمكن تصويبها وتركيزها حيث تصبح كأشعة لايزر، تفعل بتحريك عملية الشفاء وظيفياً أو بالتأثير المباشر على أنسجة الجسم، وفي بعض الحالات يكون الشفاء فورياً(2)، فاللّطيف فينا هو الأساس الذي على مثاله، ومن نزعاته، وفي إطار مشيئته، يتكثّف هذا الجسد المرئي والمحسوس بمختلف الحواس. إنّما هو صورة الباطن وعلى شاكلته ومثاله الذي يبرزه القدر، أو ما يسمّيه الهنود “الكارما”، أو النّزعات المستقرّة والمتحرّكة فينا من هيولى الفكر ووجدان الجنس وضمير التّكوين. لذا كان العقل الباطن هو المنظّم والمنسّق والمبرز لكلّ ما نحن عليه في ظاهرنا، ولذا صحّ القول: الإنسان في نشأته وتنشئته إنّما هو في الحقيقة روح لا جسد(3).
والصورة التي يلجأ اليها جنبلاط هنا تضيء السبيل أمامنا(4) “وهكذا تتجلّى آية الحديث على حقيقة معناها وأصالة مغزاها: وإنّ لجسدك عليك حقًّا، أي أن تراعي أصول تكوينه من حيث يتظهّر مثاله ويتكثّف من أعماق أعماقك، فتأذن لهذا النّور المشعّ بأن يتجلّى في الهيكل الكثيف على أنقى وأفضل وأسمى ما يكون عليه مثالك فيه. وإذ ذاك يكون جسدك حقًّا وفعلاً مرآة شفّافة لذاتك، تنعكس فيها وتتصوّر هي منك على الدّوام. وبالواقع وبالحقيقة، ففي كلّ آن تتبدّل هذه المرآة الجسمانيّة، أي هذه الصّورة الحسيّة التي هي الجسد. فأنت، على حدّ قول العالِم الشّهير الدكتور ألكسيس كاريل، كأنّك من خلال هذه الأشباح التي تتلبّسها، الحقيقة التي لا تُعرف. ولذا صحّ القول على حدّ تعبيره، بالنسبة إلى الذي يعرف فنّ المراقبة، فإنّ كلّ كائن يحمل على وجهه وصف جسده وروحه “.
ومعاملة الجسم بنظر كمال جنبلاط تبدأ بمعاملة الرّوح، وبتطهير الفكر، وبإشاعة نواميس العقل في كلّ ما نفكّر ونسعى إليه، فالإنسان عنده، كلّ لا يتجزّأ… وإحدى أسس هذه المعاملة الأساسيّة، التي تنفخ الجسم الصحّة والسّلامة من الأمراض، هي التعقّل في ما نفعله ونفكّر فيه ونشعره، وهي في جوهرها في المحافظة على هذا التّناغم الدّائم بين العقل والقلب: هذا التّناغم الدّائم، وهذا الانسجام الدّاخلي، وهذه الدّيمومة في الشّعور بحيويّة متّصلة لا ينقطع فيضها، لأنّها لا تُهدر جزافاً، ولا تُصرف فتاتاً، تلك التي يسمّيها البوذيّون في لغتهم (أكوانيمته)، أي هذه الطّمأنينة المستمرّة المتّصلة التي تشعّ منها الأفكار والعواطف،وتنبثق منها الأفعال، وتنعكس فيها الصّور الحسيّة، فلا ينقص معينها ولا يزيد، ولا تتأثّر بكلّ ما يخرج من الإنسان أو يدخل إليه(5).
واستكمالاً لمجرى التطور في تحقق الفرد، كوحدة متممة للكائن البشري، فإنها لدى جنبلاط ” إذا جاز الإنسان إلى هذه السّدرة، واستقرّ في مراقبتها وفي الحفاظ عليها،أمسك بيده هذا السّلك الخفي الذي يسير به وبفكره وبعقله إلى أصل شجرة الحياة ذاتها، فإذا به جزء لا يتجزّأ من هذا الوجود الحيّ النّابض في أعماق المادّة، والمتصوّر في مراتب سلسلة النّبات والحيوان والإنسان والجنّ والملائكة. وإذ ذاك تشعّ منه وحوله هالة الرّضى والقبول ورضوان التّسليم، فينسجم جسده مع نفسه لأنّه يكون قد انسجم مع قدره. فإذا به شاهد ومشاهد في آن واحد، ولا سلامة للجسد بدون هذا المرتقى إلى رؤيته من حيث تنبع وتفيض به قوى الحياة، فإنّما تنشئته دائمة، فعلينا أن نعود به في كلّ حين إلى حيث يجدر به أن يتجلّى في أصالته ومن محض تكوينه “(6).
وكمال جنبلاط في هذا المنحى، يأخذ بالمفهوم الذي يقول إن”المرآة لحواسنا التي هي الجسم، يصحّ لنا آنذاك أن نقدّرها على حقيقتها، على اعتبارها هذه الكثافة للّطاقة التي هي فيه، فهي مرآتنا ونحن لها مرآة، والحقّ من وراء جميع هذه المرايا ينجذب إليها وتنجذب إليه، ويلعب بإبداعها، وتستنير بظلّ ذلك الإبداع لتعود من حيث أتت وتنزّلت. فإذا بالخلق تجلّ دائم، من خلال تبدّله الظّاهر وخداع التّكوين وخداع الأقمصة والحواس، لهذا السّرمدي الذي لا يتبدّل ولا يزول”.
” وفي ضوء كلّ ذلك، وفي درب السّياسة والمعاطاة مع أبناء الجنس ومع الكائنات الحيّة جميعها، ومع الجماد ذاته، يضحي الإنسان، على حدّ تعبير “المهاتما” غاندي، كمن يصغي لهذا الصّوت الصّغير المنبعث في أصالته من ذاته، فتنسجم الأعمال والنّشاطات على اختلافها مع هذا القدر اللّطيف الذي يستقطب كلّ شيء ويدفعه نحو الصّيرورة، أي نحو المحبّة والمعرفة والوجود الحقّ…”(7).
وهكذا، نرى في نظرة المعلم كمال جنبلاط الفلسفيّة الرّوحانيّة للإنسان، وتحليله الشُّمولي لجسمه، دعوة صريحة وضروريّة إلى الحياة بمعناها الكامل:
ـ فهو يدعونا إلى “صيانة” أجسامنا.. أليس الصّوم الطّريقة الأجدى لهذه “الصّيانة”؟!..ألم يحدّثنا العديد من الأطبّاء عن هذه “الصّيانة” عندما شبّهوا ما يفعله الصّوم بأجسامنا، وقالوا عنه إنّه “كوقفة الجيوش أثناء الحروب؛ حيث إنّها بعد أيّام من الحرب، تبدأ في التخلّص ممّا يعوق حركتها من حطام وركام، وتستعيض ما فقدته من معدّات أثناء المعركة، بأُخرى غير متضرّرة، وهذا هو الشّيء نفسه الذي يقوم به الصّوم تُجاه أعضائنا الحيويّة كالكبد والكلى والأمعاء وغيرها، فيتمّ تخليص الجّسم من السّموم المتراكمة نتيجة العمليّات البيولوجيّة، ممّا يعطي هذا الجسم نشاطاً واتّزاناً في وظائفه الفسيولوجيّة؟!”(8). أليس ما يقوم به الصّوم من إعادة الشّباب والحيويّة إلى الجسم من خلال طرحه للسّموم المتراكمة فيه، وتنقية دمه، وجلاء حواسه، وتحسين هضمه وامتصاص الميت والضعيف من أنسجته، واستبدالها بأنسجة جديدة، هي عمليّة “صيانة” له؟!(9). أليس ما تعثر عليه عضوية الجسد من فرصة للتجدّد من خلال الصّوم، ” فتعود الوظائف بعد فترة الرّاحة أنشط، ويصبح الدّم أصفى وأغنى بكريات الدّم الأكثر شباباً”(10)، هو صيانة للجسم بكلّ ما تعنيه الكلمة؟!..

المصادر والمراجع:
(1): كمال جنبلاط: أدب الحياة، “في أدب معاملة الجسم”، لبنان، الدّار التقدميّة، 2008، الطّبعة السابعة،ص،45.
(2):أقوال حكيمة في الإنسان والوجود،مرجع مذكور،ص،163.
(3): جنبلاط ،المرجع السابق،ص،45،46.
(4): المرجع السابق،ص،45،46.
(5): المرجع السابق،ص46،47.
(6):المرجع السابق،ص ،47.
(7): المرجع السابق ،47،48
(8): الفصل الأوّل من هذا الكتاب / فلسفة الصّوم والزهد عند الموحّدين المسلمين
(9): الفصل الأوّل من هذا الكتاب / الصّوم والصحّة.
(10): الفصل الأوّل من هذا الكتاب / العلاج بالصّوم.

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2017) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2017)

شاهد أيضاً

مقيــّم مشاريع الاستدامة في الشركات والمؤسسات

شبكة بيئة ابوظبي: المنامة: مملكة البحرين 6 مايو 2018 نظمت الشبكة الاقليمية للمسؤولية المجتمعية برنامج …