الجمعة , أكتوبر 19 2018
أخبار عاجلة
الرئيسية / CSR / المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية: طبيعتها وأهميتها 27 – 32

المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية: طبيعتها وأهميتها 27 – 32

شبكة بيئة ابوظبي: الدكتور محمد صالح علي عياش: 26 مايو 2017

المطلب الثاني: علاقة مسؤولية المصارف الاجتماعية بتطوير منتجاتها

إن بذور نجاح أي تجربة للمصارف الإسلامية مرتبط ارتباطاً وثيقاً بقناعة الناس بمنهجها في تخطيط وتنظيم وإدارة برامجها وأعمالها ومعاملاتها، ومن ثم إيمانهم ومشاركتهم فيها والتفاعل بعد ذلك مع نتائجها وإنجازاتها، ومن غير ذلك ستسطر التجربة في قاموس الذكريات حتى تجد بذور نجاحها مرة أخرى. فإذا أرادت هذه المصارف المساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات المسلمة انطلاقاً من مسؤوليتها الاجتماعية، فإنها تحتاج إلى إطار عملي لها، لتوجيه الأموال للعمليات الاستثمارية التي تخدم أهداف التنمية الشاملة، فالتنمية الشاملة في الإسلام لا تستورد بل تصنع في المجتمعات الإسلامية، والنهوض بها لن يأتي من فراغ بل هو مسؤولية الجميع. وهذا يعد من أساسيات الأهداف الحيوية لقيام رسالة المصارف الإسلامية والتي تنسجم مع أهداف قيامها بممارسة مسؤوليتها الاجتماعية.

وعلى ضوء ذلك، نلاحظ بأن العقبة الأساس أمام إدارة هذه المصارف لا تنحصر في كيفية معالجة المشاكل الاقتصادية أو الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع وفق إمكاناتها ومواردها المتاحة، بل تكمن في المنهج المستخدم لتطوير أو تحديث أو ابتكار صيغ تمويلية أو عقود اقتصادية لغرض الوصول لسلامة ودقة المعالجات المتخذة تجاه حل تلك المشكلات والتعامل معها.

ويزداد هذه البيان أهمية من خلال ما نلحظه من توجه اقتصاديات اليوم للتركيز على قطاع الخدمات أكثر من تركيزها على القطاعات الإنتاجية بسبب التقدم في تقنية الاتصالات مع إدراك الجميع بأن القضاء على البطالة والسعي لتوفير فرص العمل المتكافئة ومحاربة الفقر وتجسيد التوزيع العملي العادل في الثروة والدخل وتحقيق الأمن الغذائي ورفع مستويات الاستثمار وتحسين الخدمات الصحية واستئصال الأمية والتحرر من قيود المديونية وخدمات الديون وإنهاء التخلف الاجتماعي أو التبعية الاقتصادية…وغيرها لا يمكن أن يتحقق إلا بواسطة استزراع وإحياء مسؤولية الاهتمام بالقطاعات الإنتاجية بجانب قطاع الخدمات، وعليه فلا يمكن للمصارف الإسلامية التحرر من المساهمة في هذه المسؤولية، ولا مناص لديها من الاهتمام بابتكار المنتجات أو إيجاد الوسائل الشرعية الناجعة لاستنبات الاهتمام بالقطاعات الإنتاجية أو معالجة قضايا تأخير الاهتمام الكلي بتلك القطاعات على أسلم الوجوه وأجداها، ومن بينها إحياء الثروة الفقهية في المعاملات الإسلامية أو تطوير عقود معاملاتها الاقتصادية وأساليبها التمويلية –إذا اقتضى الأمر– ذات المردود الاجتماعي والاقتصادي النوعي بغية الاستجابة لمقتضيات اقتصاد تنموي متحفز أو تيسيراً لقيام المجتمعات الإسلامية التنموية في إطار منظومة مبادئ ومعايير وضوابط النظام الاقتصادي الإسلامي ومقاصد الشريعة الإسلامية.

وبناءً على ذلك، فإن المؤسسات المالية الإسلامية بحاجة اليوم إلى “محفظة” منوعة من الأدوات والمنتجات المالية التي تتيح لها المرونة الكافية للاستجابة لشتى المتطلبات التي تفرضها المتغيرات الاقتصادية. وليس هناك منتج وحيد يستوفي هذه المتطلبات، وأبرز شاهد على ذلك هو واقع المؤسسات التقليدية نفسها، إذ لم تقتصر على الإقراض بفائدة بل تعدته إلى منتجات متنوعة لتلبية شتى الأغراض التمويلية والائتمانية. ومن هنا تظهر الحاجة إلى ما يسمى “الهندسة المالية” وفق المنهج الإسلامي حيث يتخصص مجموعة من الباحثين والمتمرسين في تصميم وابتكار أدوات مالية تستوفي صفتين: المصداقية الشرعية والكفاءة الاقتصادية العملية. وذلك لكي تكون مقبولة لدى الذين يرغبون في التعامل الإسلامي وفي نفس الوقت تكون سهلة التنفيذ بعيدة عن التعقيد ومحققة لأغراض المتعاملين. إذن فمنتجات الهندسة المالية الإسلامية المطلوبة يجب أن تجمع بين هاتين الصفتين ليس فقط للبحث عن الحلول التي تلبي الاحتياجات الاقتصادية مع استيفاء متطلبات القواعد الشرعية بل لإثبات وجودها في عالم اليوم. فالناظر في واقع التغيرات الاقتصادية اليوم يجد أن الاقتصاد العالمي مقبل على مرحلة مختلفة، فهو الآن يبحث عن بدائل وحلول جديدة، وهو على استعداد لقبول أطروحات ونماذج مغايرة لما اعتاد عليه في السابق. ولذلك فإن الفرصة الآن مهيأة أكثر من ذي قبل لتقديم الاقتصاد الإسلامي نموذجاً لتخفيف حدة اضطرابات الأسواق العالمية وسوء توزيع الثروة[1].

ويمكننا القول نتيجة لذلك بأن طبيعة رسالة المصارف الإسلامية وطبيعة مسؤوليتها الاجتماعية يلزم القائمين عليها بتطوير أو تفعيل تطبيق العقود والمعاملات والصيغ النوعية ذات الربح الاقتصادي والاجتماعي كبدائل وحلول شرعية تلبي حاجة المجتمعات الإسلامية وأفرادها وتنقذهم من الوقوع في الحرام أو الحرج الشرعي وتساهم في وجود ونمو التوازن التنموي فيها لتحقيق طموحاتها التنموية الشاملة. وعليه يعد إحياء دور أو تأسيس وحدات تطوير المنتجات المالية في تلك المصارف وتخصيص الدعم المالي الوافي لها بمثابة العمود الفقري لتصحيح مسارها وترشيد مسيرتها وتحسين طريقة الاستفادة من الرصيد النوعي الهائل المكنون في تراثنا الفقهي لأدوات وأساليب وعقود الاستثمار والتمويل الإسلامي، علاوة على الحفاظ على هويتها الإسلامية المتميزة بها عن مثيلاتها من المصارف التقليدية والارتقاء بقدراتها للمنافسة مع المؤسسات المالية العالمية بما يخولها للاتجاه بمرونة وكفاءة وسرعة لاحتياجات السوق دون محاكاة للصناعة التقليدية أو تنازل أو خروج عن صبغتها الشرعية.

ومعنى ذلك أن العمل على تطوير وابتكار وانتشار نوعية عقود المعاملات الاقتصادية والصيغ التمويلية القابلة للتطبيق بالمصارف الإسلامية يجب أن تكون عملية مقصودة تتم من خلال التدبير الإداري المقصود والتخطيط والتنسيق المسبق والمتتالي بموضوعية وواقعية بغرض التفعيل والتوجيه بشكل يمهد ويتيح الاستخدام الأفضل للموارد والإمكانات المتاحة أو التي يمكن إتاحتها سواءً كانت مادية أو بشرية بما يتلاءم مع الهدف المنشود. وعليه يكون إحداث تغيرات وظيفية وهيكلية في تلك المصارف هو أمر إداري مرغوب لتوجيه الطاقات البشرية في المجتمع لما هو أقوم ولا سيما أن العنصر البشري هو العامل الرئيس الذي يولد ويقود ويحقق أهداف عمليات التنمية الشاملة وهو أيضاً محور الاهتمام الذي توجه إليه عمليات تلك التنمية.

إذن يجب على القائمين على المصارف الإسلامية أن يتجاوزوا استعمال المنتجات المالية والأساليب الاقتصادية الغربية من غير فحص أو تمحيص تحت مجهر النظام الاقتصادي الإسلامي. ويجب عليهم تباعاً أن يتخطوا ظواهر الأشياء إلى جواهرها، فلا يقتصر همهم على سرد أو استظهار مبادئ ومعايير وضوابط النظام الاقتصادي الإسلامي أو فقه المعاملات المالية بل عليهم فهمها وإدراك حقيقتها والاهتداء بها والاستنباط منها والسعي لترشيد صناعة منتجات الخدمات المالية الإسلامية وأدوات التنمية الشاملة الإسلامية على أساسها وإنزالها بعد ذلك حيز التطبيق العملي بثقة كاملة في نتائجها ومردوداتها على المجتمعات المسلمة وغير المسلمة.

فالإسلام يحفز همم أبنائه على النهوض والتقدم في شتى الميادين والمجالات بعد الأخذ بالأسباب المادية الموصلة إلى ذلك فسنن الله في الكون لا تحابي أحداً على أحد في هذا الإطار ومن سار على الدرب وصل. ودرب المصارف الإسلامية لتحقيق مفهوم رسالة مسؤوليتها الاجتماعية عملياً وتجسيد بناء التنمية الاجتماعية والاقتصادية السليمة من المخالفات الشرعية في الوقت المعاصر واضح المعالم، ومن ضمن أسبابه المادية قيام إدارتها بتطوير صناعة منتجات الخدمات المالية وعقود معاملات وأدوات التنمية الشاملة وفقاً لمنظور الاقتصاد الإسلامي، وقد وعد الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل عباده العالمين العاملين في هذا المضمار –وغيره بإذنه عز وجلّ– بالهداية كما يحب ويرضى جلّ علاه قائلاً: {وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ}[2].

إن الأثر البديهي لسعي القائمين على المصارف الإسلامية لتغير أو تطوير نوعية أو تنويع أغراض عقود معاملاتها يتمثل بتشكيل قاعدة لموقف جديد في ميدان التخطيط للتنمية يؤثر في التغير البنياني لنسق التمسك بالقيم لدى أفراد المجتمع وتغير مداخل إحداث التنمية الشاملة تغيرات بنائية لها صفة عمق التشغيل الأمثل للموارد الاقتصادية ولها طابع استمرارية التوظيف الكامل لعناصر الإنتاج لتحقيق الاستخدام الأمثل لرأس المال البشري ورأس المال المادي، مما يشكل حافزاً للإبداع وتقدماً للعملية الإنتاجية وترقيتها وإبعاد صفة النمطية عنها وإذكاء دافع الحركية المرنة للحياة الاقتصادية. فضلاً عن أن التغير ظاهرة عامة وخاصية أساسية تتميز بها نشاطات ووقائع الحياة الاجتماعية وهو بحد ذاته يعد ضرورة حياتية للمجتمعات البشرية لأنه سبيل بقائها ونموها. فبالتغير يتهيأ لها التكييف مع واقعها، وبالتغير يتحقق التوازن والاستقرار في أبنيتها وأنشطتها، وعن طريق التغير تواجه الجماعات متطلبات أفرادها وحاجاتهم المتجددة[3].

وعليه فإننا نستنتج بأن تطوير المصارف الإسلامية لمنتجاتها المالية وعقودها الاقتصادية يتناسب تناسباً طردياً مع ممارستها لمسؤوليتها الاجتماعية، وبذلك تكون طبيعة العلاقة بين أهداف هذا التطوير وبين أهداف هذه المسؤولية هي علاقة تكامل وترابط. وهذا يعني أنه كلما زاد اهتمامها بهذا التطوير زادت المشروعات التنموية التي تنشئها وبالتالي زادت نسبة تحقيق التنمية الاجتماعية لمجتمعات الدول المسلمة، وكلما نوّعت منتجاتها المالية وعقودها الاقتصادية تنوعت مشاريعها التنموية وصاحب ذلك تعدد وظائفها الاجتماعية، وكلما لامست وغَطّت وحداتها المعنية بهذا التطوير مختلف القطاعات الاقتصادية كلما نمت نوعية أنشطتها ومساهمتها في تحقيق مختلف أهداف رسالتها الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي مساهمتها في دفع المجتمعات الإسلامية من تحقيق التقدم التنموي الشامل المستدام.

 

المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية: طبيعتها وأهميتها

تأليف الدكتور محمد صالح علي عياش

صدر عن المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، عضو مجموعة البنك الإسلامي للتنمية 1431هـ – 2010م

 

كلمات مفتاحية:

المسؤولية الاجتماعية، المصارف الإسلامية، محمد صالح عياش، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، البنك الإسلامي للتنمية

#المسؤولية_الاجتماعية_للمصارف_الإسلامية

#دكتور_محمد_صالح_علي_عياش

#البنك_الإسلامي_للتنمية

#المعهد_الإسلامي_للبحوث_والتدريب

[1] السويلم، د.سامي. صناعة الهندسة المالية: نظرات في المنهج الإسلامي. ص3-37، ورقة عمل مقدمة في ندوة الصناعة المالية الإسلامية، 1421هـ-2000م، الإسكندرية.

[2] سورة العنكبوت، الآية:69.

[3] خاطر، د.أحمد مصطفى. طريقة تنظيم المجتمع (مدخل لتنمية المجتمع المحلي – استراتيجيات وأدوار المنظم الاجتماعي). ص257-258، 1984م، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية.

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2017) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2017)

شاهد أيضاً

مقيــّم مشاريع الاستدامة في الشركات والمؤسسات

شبكة بيئة ابوظبي: المنامة: مملكة البحرين 6 مايو 2018 نظمت الشبكة الاقليمية للمسؤولية المجتمعية برنامج …