الأربعاء , مايو 24 2017
الرئيسية / CSR / المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية: طبيعتها وأهميتها 26 – 32
Slide 1

المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية: طبيعتها وأهميتها 26 – 32

شبكة بيئة ابوظبي: الدكتور محمد صالح علي عياش: 19 مايو 2017

المبحث الخامس: تطوير منتجات المصارف في ضوء مسؤوليتها الاجتماعية

قامت حياة المسلمين الاقتصادية على أنواع من المعاملات التي نظمتها عقود مشهورة في فقه المعاملات، مثل بيع السَّلم والشركة والمضاربة…إلخ، وكانت هذه العقود كافية للوفاء بحاجات الناس، وتنظيم المعاملات بينهم وضبط الحقوق والالتزامات المترتبة في النشاط الاقتصادي، إلا أنها لم تعد اليوم كافية نظراً للتغيرات وتعدد الحاجات التي تحدث في حياة الناس الاقتصادية، فتولدت نتيجةً لذلك أنواع جديدة من العلاقات والعقود والمعاملات بينهم؛ لتلبية حاجاتهم في عصر تطور التقنية والاتصالات والمعلومات التي هي من سمات هذا العصر الحديث. ولا تزال حياة الناس تتبدل وتتغير، وظروف عيشهم تتنوع وتختلف، وتنوع حاجاتهم إلى أنواع متجددة من المعاملات قائم على الدوام[1].

وبالمقابل، فإن للأزمة المالية المعاصرة التي تعصف بأساسيات النظام الرأسمالي عدا الاضطرابات الاقتصادية الداخلية التي تنخر جسد هذا النظام، وسقوط النظرية الماركسية في أواخر القرن الماضي، إلى جانب الحالة المتردية لاقتصاديات شعوب العالم الإسلامي وما ينتابها من تفاقم في الفقر والأمن الغذائي وزيادة في البطالة والمديونية والفوارق الاجتماعية بينها، كل ذلك يبرز أهمية قيام حكومات الدول المسلمة والمؤسسات المالية فيها بإنجاز سياسات وتطوير عقود اقتصادية تحت مظلة الشريعة الإسلامية لتطبيقها عملياً على أرض الواقع كوسيلة مثلى لإنقاذ العالم الإسلامي من المشاكل والتبعات الاقتصادية. فقد أثبتت الوقائع بما لا يدع مجالاً للشك عدم ملاءمة النظم الاقتصادية التقليدية لمشاكل التخلف وعدم نجاحها في إخراج البلدان الفقيرة من المأزق التي أوقعت فيه ومن الهوة التي تفصلها عن البلدان المتقدمة[2].

المطلب الأول: واقع اهتمام المصارف بتطوير منتجاتها

عند توجيه الحديث عن حجم الاهتمام الذي توليه المصارف الإسلامية لقضية تطوير المنتجات المالية والعقود الاقتصادية في ضوء الواقع الاقتصادي المعاصر نجد أنه على الرغم من أهمية هذه القضية المرتبطة بوظيفتها الأساسية في توجيه دفة الاقتصاد إلى الوجهة الإسلامية، إلا أن مقدار اهتمام المصارف بها وبدراستها والعناية بتحقيق أهدافها لا يتناسب مطلقاً مع تلك الأهمية، وهذا يعني عملياً أنه لا توجد لديها أهمية إستراتيجية لتطوير العقود أو المنتجات، وبدلاً من أن يكون التمويل الإسلامي هو الحل للمشكلات الاقتصادية التي يعاني منها العالم اليوم، يصبح مجرد صدى وانعكاس لهذه المشكلات[3].

وهذا بحد ذاته لا يتماشى البتة مع رؤيتها بضرورة تنمية قدراتها لمواجهة التحديات الاقتصادية المعاصرة بوعي شرعي مدروس ولا سيما أن النمو والنجاح في السوق المالية العالمية أو الإقليمية أو المحلية يعتمد اعتماداً متزايداً على إيجاد منتجات جديدة قابلة للتسويق والتطبيق العملي الشرعي، مما يساعد في تعزيز البنية الأساسية لها لترتقي بوظائفها وأنشطتها للمعايير والرؤية الإستراتيجية التي تحكم مسيرتها الإسلامية.

لقد أدى غياب اهتمام هذه المصارف بالإنفاق بفعالية في مجال البحوث والتطوير لاستحداث منتجات مالية وأدوات اقتصادية جديدة، لمواجهة التحديات المعاصرة إلى تزعزع ثقة المتعاملين معها وأصبح ينتابهم الشك لوجود التشابه الكبير بين منتجاتها وتلك التقليدية بسبب اللجوء إلى منهجية المحاكاة شبه الكاملة لأدوات وأساليب التمويل والعمل الاقتصادي الغربي وتبنيها بعد القيام بمحاولات عدة لإضفاء صفة الشرعية عليها، الأمر الذي جعل هذه المصارف تواجه تحديات تهدد مصداقيتها الشرعية وفعاليتها التنموية على الرغم مما تحققه من نجاحات ونمو على مستوى النتائج والتوسع الكمي.

وتكمن الحقيقة في أن اللجوء إلى محاكاة المنتجات التقليدية يعني أن يتم سلفاً تحديد النتيجة المطلوبة من المنتج الإسلامي، وهي النتيجة نفسها التي يحققها المنتج الربوي، ثم يتم توسيط سلع (معادن أو أسهم أو غيرها) غير مقصودة لا للمصرف ولا للعميل فقط لمجرد الحصول في النهاية على النتيجة المطلوبة وهي هنا النقد الحاضر مقابل أكثر منه سواءً كان المدين هو العميل أو المصرف. وهذا الأمر يؤدي بالضوابط الشرعية إلى أن تصبح قيود شكلية لا حقيقة تحتها ولا قيمة اقتصادية من ورائها. بل وفي ظل المحاكاة تصبح هذه الضوابط عبئاً وعائقاً أمام المؤسسات المالية الإسلامية، لأنها تكون مجرد تكلفة إضافية، ومن الطبيعي في هذه الحالة أن تحمّل تلك المؤسسات هذه التكلفة على العميل لتكون منتجاتها المقلدة أكثر كلفة من المنتجات الربوية مع أنها تحقق النتيجة نفسها في نهاية المطاف. علاوة على أن المنتجات التقليدية تناسب الصناعة التقليدية وتحاول معالجة مشكلاتها، وعليه فإن محاكاة هذه المنتجات تستلزم التعرض لنفس المشكلات، وهذا بدوره يستلزم محاكاة المزيد من تلك المنتجات بحيث تصبح الصناعة المصرفية الإسلامية في النهاية تعاني من نفس المشاكل والأزمات التي تعاني منها الصناعة التقليدية[4].

وهناك فرق بين قيام الصناعة الإسلامية باقتباس ما يتلاءم مع فلسفة التمويل الإسلامي ومبادئه من الصناعة التقليدية، وبين محاكاة الأساس الذي تقوم عليه المنظومة الربوية ويجسد فلسفتها المناقضة للاقتصاد الإسلامي[5]. لذلك فإن الإستراتيجية المثلى لتطوير المنتجات الإسلامية هي اكتشاف وتحليل الاحتياجات الحقيقية للعملاء ثم العمل على تصميم المنتجات المناسبة لهم، فالاستجابة لاحتياجاتهم هي مصدر الإبداع والابتكار. وهذا المنهج يتطلب دراسة مستمرة لتلك الاحتياجات والعمل على تطوير الأساليب التقنية والفنية اللازمة لها[6].

وغني عن القول بأن منظومة الاقتصاد الإسلامي بمبادئها ومعاييرها وضوابطها بريئة من تخلف المسلمين الاجتماعي أو ضعفهم المادي أو من بساطة تقدم التنمية الشاملة عندهم؛ لأن سبب ذلك يعود –وبشكل رئيس– إلى ضعف تقديم أو عدم إعطاء إدارات الشؤون الاقتصادية في الدول المسلمة والمصارف الإسلامية العناية المهنية اللازمة لتطوير أو تجديد صيغ وأدوات ووسائل صناعة التنمية الشاملة في مجتمعاتهم بما يواكب ويتماشى مع التطور الملموس في المعاملات الاقتصادية المعاصرة المتجددة يوماً بعد يوم. ويعود سبب تبرئة هذه المنظومة من هذا كله إلى الطبيعة التكوينية لمبادئ ومعايير وضوابط النظام الاقتصادي الإسلامي حيث حددت وبينت الخطوط العريضة والمحاور الأفقية والرأسية الرئيسية والعامة التي يرتضيها الله للمسلمين في تعاملاتهم المالية وعقودهم الاقتصادية من غير تفصيل لطرق التطبيق، مبقية المجال مفتوحاً للتطبيقات والتفصيلات المختلفة والمتغيرة وفقاً لاختلاف الأزمنة والأمكنة حتى يتمكن الناس من صياغة طرق متباينة تتلاءم مع طبيعة ظروفهم ومصالحهم وأحوالهم المعيشية وتكفل تحقيق أهداف أنشطتهم المالية ومتطلبات حاجاتهم الاقتصادية بما لا يتعارض مع هذا النظام بشكل خاص ويحقق مقاصد الشريعة الإسلامية بشكل عام.

وعلى ضوء هذه المقررات فإن من الواضح أن المعاملات المصرفية المعاصرة على الرغم من سرعة تلونها وتغير طبيعة التزاماتها ومستلزماتها يوماً بعد آخر –ربما– ليس فيها ما يعوق أو يحول دون تقلبها في إطار الفقه الإسلامي من ناحية كونها عقوداً أو معاملات جديدة. وكل ما يجب مراعاته من هذه الناحية هو التأكد من كون هذا العمل الجديد لا ينطوي على مخالفة أو تعارض مع مقاصد الشريعة وأهدافها أو الأدلة المبينة لتلك المقاصد والأهداف. ومن هنا فإن الانتقال بالأعمال المصرفية من واقعها القائم حالياً بما فيه من أوجه تعارض مع الشريعة الإسلامية إنما يعتمد على البحث عن الوسائل البديلة لتحقيق الغايات المقصودة بما يتلاءم وشريعة العدل الإلهي العظيم[7].

 

المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية: طبيعتها وأهميتها

تأليف الدكتور محمد صالح علي عياش

صدر عن المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، عضو مجموعة البنك الإسلامي للتنمية 1431هـ – 2010م

 

كلمات مفتاحية:

المسؤولية الاجتماعية، المصارف الإسلامية، محمد صالح عياش، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، البنك الإسلامي للتنمية

#المسؤولية_الاجتماعية_للمصارف_الإسلامية

#دكتور_محمد_صالح_علي_عياش

#البنك_الإسلامي_للتنمية

#المعهد_الإسلامي_للبحوث_والتدريب

[1] القري، د. محمد بن علي. العقود المستجدة: ضوابطها ونماذج منها. ص521-530، بحث مقدم لمؤتمر مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورته العاشرة والمنعقد في المملكة العربية السعودية بمدينة جدة خلال الفترة من 23– 28/صفر/1418هـ (28 يونيو– 3 يوليو/1997م)، 1418هـ-1997م، منظمة المؤتمر الإسلامي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد 10، ج2، جدة.

[2] براهيمي، د.عبد الحميد. العدالة الاجتماعية والتنمية في الاقتصاد الإسلامي. ص12، ط1، أيلول/سبتمبر 1997، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

[3] السويلم، د.سامي. المنتجات المالية الإسلامية: بين الإبداع والتقليد. ص43-47، ورقة عمل مقدمة لندوة مستقبل العمل المصرفي الإسلامي والتي عقدت في قصر الشرق-جدة من 18-19/11/1429هـ الموافق 16-17/11/2008م، البنك الأهلي التجاري، جدة.

[4] المنتجات المالية الإسلامية: بين الإبداع والتقليد. مرجع سابق، ص44-46.

[5] المنتجات المالية الإسلامية: بين الإبداع والتقليد. مرجع سابق، ص47.

[6] السويلم، د.سامي بن إبراهيم. التحوط في التمويل الإسلامي. ص131، ط1، 1428هـ-2007م، البنك الإسلامي للتنمية، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، جدة.

[7] تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية. مرجع سابق، ص88-95.

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2016)

شاهد أيضاً

بهدف فهم احتياجات ومتطلبات أصحاب الهمم

مؤسسة حكومة دبي الذكية تنظم ورشة عمل لتأهيل المواقع الإلكترونية والتطبيقات الذكية في القطاع الخاص …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *