الجمعة , ديسمبر 6 2019
أخبار عاجلة
الرئيسية / CSR / المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية: طبيعتها وأهميتها 25 – 32

المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية: طبيعتها وأهميتها 25 – 32

شبكة بيئة ابوظبي: الدكتور محمد صالح علي عياش: 12 مايو 2017

المطلب الثاني: علاقة أهداف أنشطة المصارف بمسؤوليتها الاجتماعية

إن التنمية الاقتصادية في الإسلام لا بد وأن تكون منضبطة في إطار الحلال والحرام، وعليه ينظر الإسلام إلى الإنتاج النافع كواجب لا يتم الواجب الديني إلا به. وبالتالي لا بد أن تكون العملية الإنتاجية متكاملة ذاتياً من حيث الشكل والمضمون، بمعنى أن يقع الشيء المنتج في دائرة الحلال وأن يكون إطار تنظيم عملية الإنتاج ووسيلة توظيف عناصر الإنتاج منسجماً مع دائرة الحلال[1]. وبالتالي فإن التنمية الحقة للمجتمع المسلم لن يُكْتَب لها النجاح إلا في ظل النظام الاقتصادي الإسلامي؛ لأن كل مجتمع له معتقداته وفلسفاته ولا بد أن تكون خطة التنمية التي يُرَاد لها النجاح منبثقة عن قيم المجتمع ومعتقداته، حتى لا تكون هناك فجوة بين الفكر والعقيدة من ناحية وبين الواقع والتطبيق من ناحية أخرى[2]. ولذا فنحن نرى أن تأدية المصارف لأعمالها وأنشطتها الاستثمارية في ظل النظام الاقتصادي الإسلامي هو من أحد مسؤولياتها الاجتماعية والذي يجسد عملياً قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰۤ ءَامَنُوا وَٱتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}[3]، وهذا الأداء في ظل ذلك النظام يكفل لها –بإذن الله­– تمهيد الطريق للمساهمة في حل المشكلات الاقتصادية للمجتمعات الإسلامية، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لها وذلك للأسباب التالية:

  1. ترشيد استخدام رؤوس الأموال المتاحة للمجتمع إذ أن مشاركة المصارف للمستثمرين والمنظمين في أرباح مشروعاتهم لقاء مساهمتهم في رؤوس أموال هذه المشروعات يؤدي إلى مساهمتها في دراسة وتقويم المشروعات على أسس اقتصادية سليمة تضمن لها بأن أموالها ستستخدم بأفضل السبل بما يعود عليها وعلى المستثمرين بأكبر عائد ممكن. ويؤدي ذلك أيضاً إلى توجيه رؤوس أموال المجتمع ككل إلى أفضل سبل الاستثمار الممكنة وترشيد استخدام موارده في سبيل تقدمه[4]. إذن فالمشاركة تتطلب أن تكون العملية التمويلية ذات طبيعة استثمارية تنموية بحيث تحقق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد، وهذا التعاون يؤدي إلى مضاعفة القوة الإنتاجية عبر استثمارات فعلية في مناشط إنتاجية تساعد وتدعم التنمية[5].
  2. مشاركة المصارف غيرها في المشاريع الاستثمارية يعني أنها لن تحصل على حصتها من العائد إلا إذا حققت أرباحاً وستتحمل الخسارة –عند حدوثها– مع صاحب المشروع بل وتسانده حتى يقف على قدميه ويظل عضواً منتجاً بالمجتمع، وهذا يؤدي إلى إحساس المنتجين بتعاونها معهم فيما قد يواجهونه من مصاعب ويشجعهم على الإقدام بجرأة إلى ميدان العمل والإنتاج[6]. ومشاركة المصارف غيرها يؤدي أيضاً إلى تعاون الخبرة مع رأس المال، ومن ثم الحفاظ على ثروة المجتمع وتشغيل الراغبين في العمل، وتحقيق المشروعات لأهدافها في الغالب. علاوةً على تمكينها من التكيف والتلاؤم المستمر مع التغييرات الهيكلية للاقتصاد بطريقة عضوية، ومواجهة الأزمات بصلابة – وربما– عدم التأثر بها[7].
  3. قيام المصارف بنبذ التعامل على أساس تأجير النقود أو اعتبارها سلعة تُشْتَرى وتُباع يمنع انتشار التعامل بالربا، ويساهم في حل العديد من المشاكل الاقتصادية التي لا سبب رئيس لها إلا التعامل بالربا، وبذلك تحمي المودعين والمنتجين والمساهمين وتحمي نفسها من الانهيار، أو أن تكون عرضة لسلبيات التقلبات الاقتصادية[8]. وفي تركها التعامل بالربا تقليل لتكلفة الإنتاج وبالتالي تخفيض لأسعار المنتجات، ومن ثم زيادة الطلب على السلع ونمو القوة الشرائية، وهذا يؤدي إلى زيادة الإنتاج لمواجهة الطلب المتزايد، وذلك يقود بدوره إلى زيادة الطلب على القوى العاملة وتلك مسألة ضرورية في تنمية المجتمع[9]. وفي هذا الترك أيضاً قضاء على التناقض بين مصالح المنتجين ومصالح رأس المال؛ لأنه بإلغاء الفائدة عليه تتحول المصادر المالية الربوية إلى مضاربين يساهمون في المشروعات الإنتاجية، وبهذا يصبح رأس المال في خدمة الإنتاج ويلبي حاجته ويعمل على تنميته مقابل العائد الذي يتحقق منه، ويكون من آثار ذلك أيضاً عدم تراكم الثروة لدى فئة قليلة في المجتمع تسيطر على اقتصاده وتوجهه لصالحها[10].
  4. إن إدراك المصارف بأن الأموال المودعة لديها ما هي إلا أموال المجتمع ويجب توجيه استثمارها في المشاريع التي يحتاج إليها وتعود عليه بالنفع حتى وإن كان غيرها من المشروعات يدر عائداً أكبر منها، يجعلها لا تقدم على استثمارها في مشروعات لا حاجة للشعب بها[11]، ويؤدي ذلك إلى زيادة ثقة أفراد المجتمع بها وبأساليب وأوجه استثماراتها، مما ينمي التربية التنموية والاستثمارية الصحيحة لديهم، ويقود إلى تزايد إقبالهم على إيداع أموالهم بهدف الادخار أو استثمارها وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية[12]. وهذا بحد ذاته يعمل على تأصيل عدالة توزيع الثروات داخل المجتمع الواحد، ناهيك عن القول بأن استقطاب المصارف لأموال الناس لدفعها نحو الاستثمار في منافع المجتمع يؤدي إلى زيادة موارد الزكاة ويجعلها تفرض على الأرباح المتحققة منها، وليس على أعيانها الأصلية (عدا أموال التجارة لاختلاف طبيعتها) بينما تفرض الزكاة وتؤخذ على أصل الأموال غير المستثمرة إذا بلغت النصاب. وكما هو واضح يكون فرق الأثر الاقتصادي والاجتماعي الناتج من أساس فرض دفع الزكاة بين الأمرين كبير، ولا سيما في تزايد عمليات التكوين الرأسمالي والتنمية الاقتصادية للمجتمع[13].
  5. قيام المصارف بالاستثمارات المباشرة في مشروعات مملوكة ملكية كاملة لها يعزز ملاءتها وقدرتها المالية، ويزيد من فرص استمرار توسيع أنشطتها الاستثمارية وتوفير التمويل للمنتجين والحرفيين، مما يمثل دعماً للمساهمة في تحقيق التنمية الشاملة للمجتمع[14]. علاوةً على أن حسن استثمارها للأموال المحصلة من الأفراد بهدف الادخار في المشاريع الاقتصادية المتعددة يلغي ثقافة الاكتناز، ويحقق العديد من العوائد الاجتماعية بجانب العوائد المباشرة من الإنتاج[15]، ويعني ذلك تنفيذ أمر الله بوجوب إنفاق المال في كافة منافع الفرد والمجتمع دون حبسه عن المساهمة في أداء الحقوق المفترضة عليه[16].

وعليه فإننا نستنتج بأن طبيعة أنشطة هذه المصارف ترتبط ارتباطاً طردياً مع قيامها بمسؤوليتها الاجتماعية عند سعيها لتنمية المجتمع تنميةً شاملة، وذلك لأن أهداف أنشطتها التنموية تنسجم مع متطلبات أهداف هذه المسؤولية. فكلما نما ارتباطها بتحقيق هذه الأهداف اقتربت المجتمعات الإسلامية من تحقيق أهدافها التنموية الشاملة، أي كلما زادت أنشطتها التنموية كلما زاد تمكنها من تحقيق أهداف هذه المسؤولية، وكلما نوعت أنشطتها التنموية وغطت بها مختلف القطاعات الاقتصادية، كلما تنوعت نتائج قيامها بهذه المسؤولية وغطت بها مساحات أوسع أو عينة أكبر من المجتمع المسلم.

ومن الملائم في هذا المقام أن نسرد ما دونه الدكتور/عبد الستار أبو غدة نقلاً عن أحد كبار رجال المال والأعمال المعاصرين ذاكراً: “أن مقولة “الغنم بالغرم” ليست مقولة دينية فحسب، بل هي نظرة تنموية عميقة؛ لأنها وراء فكرة المصرف الإسلامي التي تسعى إلى زيادة القيمة المضافة للاقتصاد والتخصيص الأمثل للموارد المتاحة وتفادي الآثار السلبية للتمويل بفائدة، فلا تبذل الأموال قروضاً سخية لمن يشاء بل تقدم رساميل مدروسة لمن لديه مشاريع يتم التأكد من جدواها مع تكاتف الطاقات في تحمل مخاطرها، فلا يضيع الجهد وحده أو ينجح وإنما توزع النتائج السلبية في صورة خسارة العامل عمله والممول ماله، أو تقتسم النتائج الإيجابية بصورة عادلة يتم التراضي عليها، وإن كان هناك من لا يزال يجادل في تحريم فوائد المصارف، فلا جدال في أن الأجدى والأنفع للاقتصاد هو اقتصاد المشاركة القائم على الصيغ الاستثمارية، التي يتزاوج فيها المال والثروة مع الجهد والخبرة”[17]. وإن ما ذهبت إليه المصارف الإسلامية من نظام المشاركة في الأرباح والتعاون التام بين الممولين والمنتجين أمر شد انتباه رجال الاقتصاد والمال في العالم، وهم يعكفون الآن على دراسته لما يرون فيه من بوادر تحقيق الخير لكلا الطرفين المستثمرين والمنتجين، وهو ما يضع حلاً للأزمة النقدية العالمية[18].

 

المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية: طبيعتها وأهميتها

تأليف الدكتور محمد صالح علي عياش

صدر عن المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، عضو مجموعة البنك الإسلامي للتنمية 1431هـ – 2010م

 

كلمات مفتاحية:

المسؤولية الاجتماعية، المصارف الإسلامية، محمد صالح عياش، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، البنك الإسلامي للتنمية

#المسؤولية_الاجتماعية_للمصارف_الإسلامية

#دكتور_محمد_صالح_علي_عياش

#البنك_الإسلامي_للتنمية

#المعهد_الإسلامي_للبحوث_والتدريب

[1] النجار، د.عبد الهادي علي. الإسلام والاقتصاد: دراسة في المنظور الإسلامي لأبرز القضايا الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة. ص68، مجلة البنوك الإسلامية، عرض وتحليل: السيد علي حسن، العدد 30، شعبان 1403هـ- يونيه 1983م، مجلة دورية يصدرها الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، القاهرة.

[2] زعير، محمد عبد الحكيم. المصارف الإسلامية ضرورة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ص189، مجلة الدراسات التجارية الإسلامية، العددان 5 و 6، يناير-إبريل 1985، السنة 2، مجلة علمية ربع سنوية يصدرها مركز صالح عبد الله كامل للأبحاث والدراسات التجارية الإسلامية بكلية التجارة-جامعة الأزهر.

[3] سورة الأعراف، الآية:96.

[4] عفر، د.محمد عبد المنعم. تكوين رأس المال ودالة الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي. ص68، مجلة البنوك الإسلامية، العدد 16، ربيع الثاني 1401هـ- فبراير/مارس 1981م، مجلة دورية يصدرها الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، القاهرة.

[5] إطار عام لعمل البنوك الإسلامية. مرجع سابق، ص6.

[6] المصارف الإسلامية ضرورة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. مرجع سابق، ص190-191.

[7] الآثار الاقتصادية والاجتماعية لأنشطة البنوك الإسلامية. مرجع سابق، ص64-65.

[8] المصارف الإسلامية ضرورة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. مرجع سابق، ص191.

[9] آل لوتاه، سعيد بن أحمد. النظام المصرفي الإسلامي نظام تعاوني. ص7، مجلة الاقتصاد الإسلامي، السنة 8، العدد 96، ذو القعدة 1409هـ- يونيو 1989م، إسلامية اقتصادية شهرية يصدرها قسم بحوث الاقتصاد الإسلامي والتدريب والإعلام، بنك دبي الإسلامي، دبي.

[10] تكوين رأس المال ودالة الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي. مرجع سابق، ص68.

[11] المصارف الإسلامية ضرورة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. مرجع سابق، ص191.

[12] متولي، سمير. قدرة البنوك الإسلامية على منافسة البنوك الربوية. ص56، مجلة البنوك الإسلامية، العدد 7، ذو القعدة 1399هـ- أكتوبر1979م، مجلة دورية يصدرها الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، القاهرة.

[13] تكوين رأس المال ودالة الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي. مرجع سابق، ص66-67.

[14] قدرة البنوك الإسلامية على منافسة البنوك الربوية. مرجع سابق، ص56.

[15] المغربي، عبد الحميد عبد الفتاح. الادخار في التشريع الإسلامي. ص42، مجلة البنوك الإسلامية، العدد 16، ربيع الثاني 1401هـ- فبراير/مارس 1981م، مجلة دورية يصدرها الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، القاهرة.

[16] تكوين رأس المال ودالة الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي. مرجع سابق، ص66.

[17] أبو غدة، د.عبد الستار. الاقتصاد الإسلامي وتحقيق التنمية في العالم الإسلامي. ص17–18، بحث مقدم للمؤتمر الدولي حول التنمية المستدامة في العالم الإسلامي في مواجهة تحديات العولمة والذي عقده المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بجامعة الأزهر في جمهورية مصر العربية بالتعاون مع رابطة الجامعات الإسلامية ومركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بالقاهرة خلال الفترة 12-14 جمادى الأولى 1429هـ الموافق 17-19 مايو 2008م.

[18] المصارف الإسلامية ضرورة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. مرجع سابق، ص191.

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2017) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2017)

شاهد أيضاً

’اينوك‘ تطلق برنامج منح دراسية للماجستير في الطاقة الخاص بالمواطنين الإماراتيين

بالتعاون مع جامعة ’هيريوت وات‘ المتخرجون من البرنامج يحظون بفرصة العمل مع ’اينوك‘ يمكن تقديم …