الثلاثاء , يوليو 23 2019
أخبار عاجلة
الرئيسية / CSR / المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية: طبيعتها وأهميتها 24 – 32

المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية: طبيعتها وأهميتها 24 – 32

شبكة بيئة ابوظبي: الدكتور محمد صالح علي عياش: 05 مايو 2017

المبحث الرابع: المنظور التنموي لمسؤولية المصارف الاجتماعية

وفقاً لطبيعة الأساس الإنمائي لمسؤولية المصارف الإسلامية الاجتماعية السابق الذكر فإن عملية قبول الأموال فيها تتم على أساس عقد المضاربة –وهي شركة في الربح بين المال والعمل– الذي يعقد بين أصحاب حسابات الاستثمار (أرباب المال) والمصرف الإسلامي (المضارب) لاقتسام الربح حسب الاتفاق، وتحميل الخسارة لرب المال إلا في حالات تعدي المضارب أو تقصيره أو مخالفته للشروط، فإنه يتحمل ما نشأ بسببها، وحسابات الاستثمار هذه قد تكون مطلقة أو مقيدة، فهي مطلقة إن أعطى أصحابها الحق للمصرف في استثمارها على الوجه الذي يراه مناسباً، وتكون مقيدة إذا قيد أصحابها المصرف ببعض الشروط كاستثمارها في مشروع معين أو لغرض معين أو بكيفية معينة…إلخ، وتستثمر المصارف الإسلامية الأموال المتاحة لديها باستخدام وسائل وأساليب عديدة مثل عقود المضاربة والمشاركة والسلم والاستصناع والإجارة والمرابحة والبيع الآجل…وغيرها، أو عن طريق تأسيس منشآت تابعة لها للقيام بأوجه نشاط مختلفة أو عن طريق الإسهام في منشآت قائمة، وأحياناً تقوم تلك المصارف بإدارة استثمارات أموال الغير بأجر مقطوع أو نسبة من المال المستثمر وذلك على أساس عقد الوكالة بأجر، وتستحق هذا الأجر بأداء العمل سواء تحقق الربح أم لا.

وعليه يكون أساس ارتباط نجاح قيام هذه المصارف بمسؤوليتها الاجتماعية هو نجاحها بحسن إدارة أموالها تنموياً وتمويلياً، ولذلك يعد قيامها بتوظيف أموالها بالدمج بين رأس المال والعمل عبر التركيز على الاستثمار المباشر في قطاعات الاقتصاد المختلفة وتبني سياسة التمويل بالمشاركة غنماً وغرماً هو الحجر الأساس لبناء أسس هذا النجاح، فبه يتمهد الطريق لقيام التنمية الشاملة، وبناءً عليه يتم توسيع دائرة رفاهية أبناء المجتمع وتنميته التنمية الايجابية في نفوسهم.

المطلب الأول: علاقة أنشطة المصارف بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية

باستقراء الواقع المعاصر، فإن التنمية الاقتصادية والاجتماعية هما من أهم التحديات التي تواجه جميع الدول في العالم الإسلامي الذي ينتمي برمته إلى مجموعة الدول النامية. ولا خلاف بين جميع الاقتصاديين في أن عملية التنمية تحتاج إلى أعباء تمويلية في جميع مراحلها، وأن النهوض بالمجتمع من كبوة التخلف الاقتصادي والاجتماعي يتطلب تعبئة جميع القوى في المجتمع مادية ومعنوية. وللجهاز المصرفي في أي بلد دور هام وفعال في تعبئة موارد المجتمع ودفعها في طريق تحقيق الأهداف التنموية التي يصبو إليها. وعليه فكلما كان الجهاز المصرفي متفقاً في تعاملاته مع معتقدات الشعوب وتطلعاتهم كلما كانت استجابتهم له أكثر، وبالتالي تكون فعالية هذا الجهاز في دفع عملية التنمية أقوى وأعظم[1]. وبما أن المصارف الإسلامية غدت أحد الأجهزة الفعالة في عالمنا المعاصر لتمويل عمليات التنمية في البلدان الإسلامية، وأن هذه المصارف تلتزم في توظيف أموالها وفقاً للتصور الإسلامي للمال والكون والحياة، فإن ذلك يستلزم قيام دعائم نشاط هذه المصارف على المساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع المسلم وتحقيق رخائه عبر تسخير كل الإمكانات المتاحة لديها[2]، فهي مسؤولة عن سلامة الاقتصاد بالمجتمع المسلم وشعارها هو التنمية لصالح المجتمع[3].

وارتكازاً على ذلك، فقد اهتم الاقتصاد الإسلامي بمبدأ تقويم المشاريع والاستثمارات وما ينطوي عليه من حسبان للعوائد والتكاليف، ولم يحصر ذلك بالعائد الاقتصادي المباشر، ومن ثم فإن كل ما يهم في تحقيق التنمية الشاملة بالمفهوم الإسلامي لها يدخل في عناصر العائد كمساهمة المشروع في محو الجهل، أو المرض…وغيرها[4]. وعليه فإن المصارف الإسلامية لا يمكن لها أن تسير في طريق المساهمة لتحقيق التنمية الاجتماعية كأحد مفردات التنمية الشاملة إلا إذا ربطت في معاملاتها بين التخطيط الاقتصادي وتخطيط الأهداف الاجتماعية. فكافة المجتمع بنشاطه الاقتصادي والاجتماعي مترابط، وكل التحسينات الاجتماعية تعتمد على القدرة الاقتصادية وتوزيع تلك القدرة بين الاستهلاك والاستثمار، ولا بد لزيادة القدرة الاقتصادية متمثلة في زيادة الثروة والإنتاج والدخل القومي من الاهتمام بالتحسينات الاجتماعية ومن أهمها خدمات التعليم والتدريب والتأهيل والخدمات الصحية والسكنية والترفيهية. وإن توسيع دائرة الاهتمام بأشكال التحسينات الاجتماعية –وفقاً لوسائل ممارسة المصارف لمسؤوليتها الاجتماعية السابق ذكرها– يتطلب توسعاً وتنوعاً في الإنتاج الزراعي والصناعي –وغيرها من القطاعات الاقتصادية الأخرى–[5]. وطبقاً للتحليل الاقتصادي الحديث فإن تحقيق الاستثمارات لأكبر قدر متاح من التوازن الاقتصادي والاجتماعي بين الأفراد، وبين الأقاليم، وبين القطاعات يعتبر شرطاً ضرورياً لتحقيق التنمية الرشيدة، ولتحقيق الاستثمار الأمثل، ولتحقيق الاستهلاك الأمثل[6].

ومؤدى هذا أن التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية تشتركان في الهدف وهو الإسهام في بقاء المجتمع ونموه وإن اختلفتا في وسيلة تحقيق ذلك[7]، أي أن كلاً منهما تبنى على الأخرى، أي أن كلتاهما تسهم في الأخرى وتدعمها، وذلك لأن نتائج التنمية الاقتصادية تتيح الفرصة لقيام العديد من البرامج لصالح التنمية الاجتماعية المحلية، وفي نفس الوقت نجد أن نتائج التنمية الاجتماعية المحلية توفر المناخ المناسب لنجاح خطط التنمية الاقتصادية من حيث توفر الأيدي العاملة المدربة والقادرة بحكم اتجاهاتها وأنماط سلوكها على المساهمة بفاعلية في دفع عجلة التنمية الاقتصادية[8]. ولن يكون هناك جدوى من إقامة المصانع والمشاريع الاستثمارية الضخمة إذا لم تتوفر المهارات الفنية والقدرات الإدارية القادرة على استغلالها استغلالاً منتجاً[9].

إذن فالتنمية الاقتصادية تؤدي بجانب وظيفتها الاقتصادية وظيفة أخرى اجتماعية هامة تستهدف على المدى البعيد تحقيق رفاهية الإنسان ورفع مستوى معيشته، والتنمية الاجتماعية بالمقابل تؤدي بجانب وظيفتها الأساسية وظيفة أخرى اقتصادية تتمثل في تحقيق أقصى استثمار ممكن للموارد والطاقات والإمكانات البشرية الموجودة في المجتمع[10]. وحيث أن تحقيق الربح ليس هو الهدف الأسمى والأوحد للمصارف الإسلامية كما هو الحال في المصارف التقليدية، فإنها تضع في اعتبارها وهي تستثمر أموالها مدى العائد الاجتماعي للمسلمين من وراء مشروعاتها[11]. لذلك فإن قيام هذه المصارف وفقاً لمسؤوليتها الاجتماعية بتنويع مشاريعها التنموية وتوجيه معاملاتها وأنشطتها لتغطية كافة القطاعات الاقتصادية لا يجعلها تحصل فقط على عوائد قيامها بذلك، بل يجعلها تغدو من المساهمين في توجيه وترويج التنمية الاقتصادية التي هي الأساس لسطوع شمس التنمية الاجتماعية، وكلتاهما تلعب دوراً محورياً في صك عملة التنمية الشاملة.

وعليه فإننا نستنتج بأن علاقة أنشطة المصارف الإسلامية بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية هي علاقة تكامل وتوافق، وتبني المصارف الإسلامية الاهتمام بمسؤوليتها الاجتماعية يساهم في تأسيس قيام هذه العلاقة. وبالتالي ستكون أنشطة هذه المصارف لها أهداف اقتصادية وأخرى اجتماعية تساعد بمجموعها على تجسيد أهداف قيامها بهذه المسؤولية. وجوهرية هذا التكامل والتوافق في العلاقة مفاده أنه كلما زاد اهتمام هذه المصارف بتطوير وتنويع أنشطتها ومعاملاتها زاد معدل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول المسلمة، وكلما تعددت أهداف أنشطة المشروعات التنموية التي تنشئها ارتفعت نسبة تحقيق التنمية الشاملة لمجتمعات الدول المسلمة، وكلما غطت أنشطتها مختلف القطاعات الاقتصادية كلما نمت وتحققت مختلف أهدافها التنموية ومختلف أهداف التنمية الاجتماعية، وبالتالي تحققت أهداف رسالتها الاقتصادية والاجتماعية واقتربت المجتمعات الإسلامية من تحقيق التنمية الشاملة المستدامة.

وهذا التوضيح يمثل من وجهة نظرنا أحد الحلول للرد على تساؤل بعض الباحثين عند مناقشتهم لآفاق التنمية الاجتماعية في البلدان النامية ذاكرين أن هناك دولاً مهددة بالأوبئة والمجاعات أكثر من أي وقت مضى، حيث نجد أن نصف سكان العالم الثالث لا يحصلون على احتياجاتهم الضرورية، ويعيشون دون خط الفقر، وترتفع نسبة الأمية بينهم إلى 70% في كثير من البلدان النامية، كما أن هناك فئات سكانية تتعرض للاستغلال والإهمال، وخاصة في المناطق الريفية، فنصف سكان العالم الثالث مشلول ومغلول ومغلوب على أمره، فما هو الطريق إلى التنمية؟[12]

المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية: طبيعتها وأهميتها

تأليف الدكتور محمد صالح علي عياش

صدر عن المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، عضو مجموعة البنك الإسلامي للتنمية 1431هـ – 2010م

كلمات مفتاحية:

المسؤولية الاجتماعية، المصارف الإسلامية، محمد صالح عياش، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، البنك الإسلامي للتنمية

#المسؤولية_الاجتماعية_للمصارف_الإسلامية

#دكتور_محمد_صالح_علي_عياش

#البنك_الإسلامي_للتنمية

#المعهد_الإسلامي_للبحوث_والتدريب

[1] مرزوق، لقمان محمد. البنوك الإسلامية ودورها في تنمية اقتصاديات المغرب العربي. ص9، وقائع الندوة رقم 34 والتي عقدها المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية بمدينة المحمدية بالمملكة المغربية بالتعاون مع الجمعية المغربية للاقتصاد الإسلامي خلال الفترة من 25-29 من ذي القعدة 1410هـ الموافق (18-22 من يونيو 1990م)، ط2، 1422هـ- 2001م، البنك الإسلامي للتنمية، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، جدة.

[2] تجربة البنوك الإسلامية. مرجع سابق، ص4.

[3] القسم الشرعي بالاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية. الآثار الاقتصادية والاجتماعية لأنشطة البنوك الإسلامية. ص64، مجلة البنوك الإسلامية، العدد 50، المحرم 1407هـ- أكتوبر 1986م، مجلة دورية يصدرها الاتحاد الـدولي للبنوك الإسلامية، القاهرة.

[4] الهواري، د.سيد. أضواء على تحليل العائد الإسلامي للاستثمار. ورقة عمل مقدمة لندوة الاستثمار والتمويل بالمشاركة. نقلاً من: تمويل التنمية في الاقتصاد الإسلامي: دراسة مقارنة. مرجع سابق، ص117.

[5] خاطر، د.أحمد مصطفى. علي، سميرة كامل محمد. التنمية الاجتماعية – الأطر النظرية ونموذج المشاركة. ص57، 1993م، دار الجامعيين للطباعة والتجليد، الإسكندرية.

[6] تمويل التنمية في الاقتصاد الإسلامي: دراسة مقارنة. مرجع سابق، ص138-139.

[7] حموده، د. مسعد الفاروق. التنمية الاجتماعية –دور الخدمة الاجتماعية-. ص5، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية.

[8] تنمية المجتمع المحلي (الاتجاهات المعاصرة – الاستراتيجيات – نماذج الممارسة). مرجع سابق، ص46.

[9] تمويل التنمية في الاقتصاد الإسلامي: دراسة مقارنة. مرجع سابق، ص54.

[10] دور البنوك في التنمية الاجتماعية. مرجع سابق، ص11-12.

[11] دور أساليب المصارف الإسلامية في تحقيق العدالة الاجتماعية. مرجع سابق، ص110.

[12] الصادي، د.أحمد فوزي. عجّوبة، د.مختار إبراهيم. الخدمة الاجتماعية وقضايا التنمية الاجتماعية في البلدان النامية. ص108، ط2، 1412هـ-1992م، دار اللواء، الرياض.

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2017) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2017)

شاهد أيضاً

مقيــّم مشاريع الاستدامة في الشركات والمؤسسات

شبكة بيئة ابوظبي: المنامة: مملكة البحرين 6 مايو 2018 نظمت الشبكة الاقليمية للمسؤولية المجتمعية برنامج …