الثلاثاء , يوليو 23 2019
أخبار عاجلة
الرئيسية / CSR / المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية: طبيعتها وأهميتها 23 – 32

المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية: طبيعتها وأهميتها 23 – 32

شبكة بيئة ابوظبي: الدكتور محمد صالح علي عياش: 30 ابريل 2017

المبحث الثالث: الأساس الإنمائي لمسؤولية المصارف الاجتماعية

لما كان الإسلام يعالج شؤون المجتمع بصورة شاملة متكاملة، فإن من المعلوم أن أحوال المجتمع تتغير، وحاجاته الاقتصادية الداخلية وعلاقاته الاقتصادية الخارجية تتبدل كذلك، وعليه فإن حجم المسؤولية الاجتماعية على إدارة المصارف الإسلامية سيتطور حسب المرحلة التي يصلها المجتمع. وفي أيامنا هذه تشعبت القضايا الاقتصادية وبرزت معضلات جديدة، ومن ثم فإن مساهمة هذه المصارف في معالجة هذه المعضلات داخل المجتمعات المسلمة أصبح حقيقة موثقة وضرورة أساسية لا تستغني عنها هذه المجتمعات، فهي جزء لا يتجزأ منها يتأثر بها ويؤثر فيها.

ويؤكد نخبة من الخبراء الاقتصاديين والشرعيين والمصرفيين بأن قيام هذه المصارف –على سبيل المثال– بجمع الزكاة وإنفاقها في مصارفها الشرعية إحياءً لهذه الفريضة الغائبة، قد يكون إسهاماً في رفع الحرج عن الأمة، وقيامها بذلك يعد أيضاً جزءاً من رسالتها الخاصة التي تميزها عن المصارف الربوية وهي المساهمة في تحقيق التنمية الاجتماعية للمجتمع المسلم، ولن تتحقق هذه التنمية إلا بتطبيق قاعدة التكافل الاجتماعي وأداء دور أصيل من الناحية الاجتماعية في المجتمع المحيط بالمصرف بصفة خاصة والمجتمع الإسلامي بصفة عامة[1].

وعليه فإن القائمين على إدارة شؤون هذه المصارف هم شركاء في المسؤولية لإحداث تغيرات جوهرية شمولية في البناء التنموي الاجتماعي والاقتصادي؛ لأنها تملك زمام أدوات التغيير. والإسلام لا يطالبهم بالعمل الحسن في هذا المجال –وغيره من المجالات بطبيعة الحال– بل ينادي بالعمل الأحسن وشتان بين المعنيين، وقد قال جلّ شأنه: {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاًۚ}[2]، واقتصادياً فإننا نلحظ هذا المعنى واضحاً في القرآن الكريم عند قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ ٱلْيَتِيمِ إلاِ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥۖ}[3]، أي عند الطلب بتنمية مال اليتامى، فقد نهى القرآن العزيز عن قربانه إلا بالتي هي أحسن، يعني بالطريقة التي هي أحسن الطرق وأمثل الأساليب في المحافظة على مال اليتيم من ناحية، والعمل على إنمائه وتكاثره من ناحية أخرى[4].

ونحن بأبجديات الاقتصادي نستنبط من هذه الوصية الإلهية في الآية السابقة بأن اللجوء لأسلوب العمل الأحسن ليس محصوراً بتنمية مال اليتيم فحسب بل هو مرتبط به هنا ليقاس عليه غيره من أعمال التنمية الشاملة أو أعمال المسؤولية الاجتماعية عند قيام المصارف الإسلامية بها، وبذلك يكون إحسان هذه المصارف بها أو بغيرها من الأعمال فريضة تنموية شرعية، لكونها لا تتحقق إلا بالعمل الأحسن، ولأن الإنتاج في القطاعات الاقتصادية الحقيقية لا يتوقف على وجود رأس المال فحسب بل على العمل الإنساني أيضاً، فالمال والعمل متلازمان لتحقيق الربح مصداقاً لقوله تعالى: {وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ}[5]، وقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُوا فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِۦۖ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ}[6]، وعليه أعتُبر العمل معياراً أساسياً للحكم على طبيعة حياة الإنسان ومقدار جوهر تقدمه؛ لأنه كمستخلف يثبت بعمله حقيقة وجوده وإنسانيته، ويحقق التصور الإسلامي السليم للمال الذي يستخدمه في أعماله.

وعند النظر من زاوية أخرى نجد أن إحسان هذه المصارف بالتصرف بالأموال التي لديها يعد تكريساً عملياً لمبادئ الاقتصاد الإسلامي وتجسيداً حقيقياً لأهمية التزامها في تحمل تبعات تحقيق مسؤوليتها التنموية الاقتصادية والاجتماعية؛ لأن نظرتها إلى النقود هي أنها وسيلة للتبادل ومقياس للقيمة، وليس كسلعة يتم المتاجرة بها، بالإضافة إلى عدم قبولها زيادة قيمة رأس المال إلا عبر المشاركة في جهد العمل، وهذا يؤدي بشكل مباشر أو غير مباشر وبلا شك إلى آثار اجتماعية هامة تفضي بشكل عام إلى رفاهية المجتمع واستقراره، وتنعكس بشكل خاص على رفع المستوى الاجتماعي للأفراد وتقليل الفوارق الاجتماعية بينهم، وتقدير الجهد البشري وإبعاده عن استغلال المادة وظلم الآخرين له، وحث أبنائه على الكسب الجاد والاستثمار في المشاريع التنموية الحقيقية[7].

بل إن المتأمل بنظرة الإسلام إلى تحريم اكتناز النقود من ناحية وتحذير إنفاقها تبذيراً وإسرافاً من ناحية أخرى، يجد أن الأسلوب المصرفي في جمع المال وحفظه حفظاً حسابياً بأسماء المالكين، ثم القيام بتشغيله عن طريق إعادته للعمل في المجتمع من باب آخر يتفق تماماً –من حيث غايته– مع المقاصد الشرعية العامة، ويحقق عملياً نظرة الشريعة إلى ما يجب أن يكون عليه دور المال في المجتمع. وهو أسلوب يتحقق فيه التوفيق بين حقوق الأفراد في تملك المال وحق الجماعة في الانتفاع بهذا المال حتى لا يكون معطلاً بالاكتناز[8].

إضافةً إلى أن إنشاء رأس المال في الاقتصاد الإسلامي لا يشمل زيادة رأس المال المادي فحسب، بل أيضاً زيادة الموارد البشرية حيث تترتب على ذلك نتيجتان مباشرتان هما: (1) يجب أن يصحب النمو الاقتصادي نمو في التشغيل. (2) يجب أن ينجم عن النمو الاقتصادي تحسين دائم لنوعية الموارد الإنسانية[9]. وهذا يعد في الحقيقة من معطيات برامج التنمية وآليات إشباع احتياجات أفراد المجتمع المتجددة، وفقاً لمنظور الاقتصاد الإسلامي. وبالإجمال فإن المحصلة الاجتماعية التنموية النهائية لالتزام المصارف الإسلامية بمبادئ وأحكام الاقتصاد الإسلامي في كيفية إدارة رؤوس أموالها يساعدها على الوفاء بمسؤوليتها الاجتماعية من خلال أمرين: (1) تيسير تداول الأموال والانتفاع بها والعمل على تحريكها وتوظيفها في خدمة الأفراد والمجتمع. (2) الاهتمام بنوعية ونتائج وعوائد الأعمال والأنشطة والخدمات التي تقدمها بلا ضرر يلحق بها أو يلحق بأحد العاملين أو المتعاملين معها أو يلحق بالبيئة المتواجدة بها[10].

وهكذا نجد بأن الأساس الإنمائي لرسالة مسؤولية  المصارف الإسلامية الاجتماعية هو السعي إلى تأكيد التوجيهات الروحية والأسس الجوهرية للاقتصاد الإسلامي ونقلها من النظرية إلى التطبيق ومن التصور إلى الواقع المحسوس، عبر الإقرار بأهمية دور العمل وما يمكن أن يترتب عليه، ووضع رأس المال وتقليبه في موضعه الصحيح، بحيث يكون خادماً ووسيلةً يستطيع أن يجدها كل قادر على الاستثمار والإفادة منها، الأمر الذي يجعل إدارة هذه المصارف هي المستخلف المأمول في إدارة وتنويع الأنشطة والمعاملات الاقتصادية، وفقاً للعقود والمعاملات الشرعية المتعددة، مما يساعد في تحقيق أهداف رسالة مسؤوليتها الاجتماعية أولاً، وأهداف التنمية الشاملة للمجتمعات الإسلامية ثانياً.

 

المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية: طبيعتها وأهميتها

تأليف الدكتور محمد صالح علي عياش

صدر عن المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، عضو مجموعة البنك الإسلامي للتنمية 1431هـ – 2010م

 

كلمات مفتاحية:

المسؤولية الاجتماعية، المصارف الإسلامية، محمد صالح عياش، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، البنك الإسلامي للتنمية

#المسؤولية_الاجتماعية_للمصارف_الإسلامية

#دكتور_محمد_صالح_علي_عياش

#البنك_الإسلامي_للتنمية

#المعهد_الإسلامي_للبحوث_والتدريب

 

[1] تقويم الدور الاجتماعي للمصارف الإسلامية. مرجع سابق، ص17-18.

[2] سورة الملك، الآية:2.

[3] سورة الأنعام، الآية:152. وكذلك سورة الإسراء، الآية:34.

[4] القرضاوي، د.يوسف. إحسان العمل فريضة. ص34، مجلة الاقتصاد الإسلامي، العدد 158، السنة 14، المحرم 1415هـ- يونيو/يوليو 1994م، إسلامية اقتصادية شهرية يصدرها قسم البحوث والدراسات الاقتصادية ببنك دبي الإسلامي، دبي.

[5] سورة المزمل، الآية:20.

[6] سورة الملك، الآية:15.

[7] دور البنوك الإسلامية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. مرجع سابق، ص15.

[8] تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية. مرجع سابق، ص93.

[9] ناقفي، سيد نواب حيدر. وجهة نظر حول التنمية الإسلامية. ص130، ورقة عمل ضمن كتاب الإسلام والنظام الاقتصادي الدولي الجديد: البعد الاجتماعي. وثائق وأبحاث مقدمة لندوة الإسلام والنظام الاقتصادي الدولي الجديد: البعد الاجتماعي والمنعقدة في جنيف من 7-10 يناير 1980م، بإشراف منظمة المؤتمر الإسلامي (صندوق التضامن الإسلامي) بمشاركة وتنظيم منظمة العمل الدولية (المعهد الدولي للأبحاث الاجتماعية)، دار سراس للنشر، تونس.

[10] المسؤولية الاجتماعية للبنوك الإسلامية. مرجع سابق، ص34-35.

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2017) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2017)

شاهد أيضاً

مقيــّم مشاريع الاستدامة في الشركات والمؤسسات

شبكة بيئة ابوظبي: المنامة: مملكة البحرين 6 مايو 2018 نظمت الشبكة الاقليمية للمسؤولية المجتمعية برنامج …