الأربعاء , أبريل 1 2020
أخبار عاجلة
الرئيسية / CSR / المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية: طبيعتها وأهميتها 16 – 32

المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية: طبيعتها وأهميتها 16 – 32

شبكة بيئة ابوظبي: الدكتور محمد صالح علي عياش: 10 مارس 2017

المبحث الخامس: دوافع قيام المصارف بالمسؤولية الاجتماعية

عن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه– عن رسول الله r أنه كان يقول: “اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، فقال رجل ويعدلان، قال نعم”[1]. وأراد الرجل في هذا الحديث بقوله “ويعدلان” أن قرانهما في الذكر يقتضي قوة المناسبة بينهما –في النتيجة إن ظهرا في المجتمع أو ظهر أحدهما– بحيث أن كلاً منهما يساوي الآخر، فهل الفقر بلغ هذا المبلغ حتى استحق أن يجعل عديلاً للكفر ويذكر قريناً معه في الذكر، فأجاب بأنه كذلك[2]. وفي هذا الحديث دلالة على وجوب تجنب الوصول إلى ما استعاذ منه  rأو الحصول على آفاته ومساوئه. ومضمون الدعاء فيه يعلم جموع المسلمين درساً نبوياً على مدار الأزمنة، ينحصر مراده في وجوب أخذ الإنسان والمجتمعات المسلمة بالتعاليم الشرعية والأساليب والوسائل المادية كأسباب عملية تحول بينهم وبين الوقوع في شراك الكفر أو الفقر.

فإذا تفشى الفقر بين أفراد المجتمع، فسوف يكون ذلك بريداً لوجود التخلف وتعطيل مسيرة التنمية وانتشار الأوبئة والأمية، وبروز الأمراض الاجتماعية والصحية، وسلب أسباب القوة والمنعة والتقدم الحضاري، وعدم استقرار البيئة المسلمة وتطورها. وتفشي الفقر في أي مجتمع مسلم، يورث أيضاً ضعف العزة والإرادة والكرامة والمروءة، ويسبب الشقاء والضجر والملل، وآثاره تعد وصفة فعالة لضنك العيش وتعاسةً النفس وتفكك أواصر المجتمع وتراكم ديونه واستئساد الغير عليه وطمعهم في خيراته. ولما كانت المحصلة النهائية من ظهور هذه الأمور في أي مجتمع هي إيراد الإنسان موارد الانحراف والأمراض النفسية والاجتماعية تماماً كما هي المحصلة النهائية لبروز الكفر في أي مجتمع[3]، اقترنت الاستعاذة من الفقر بالاستعاذة من الكفر للتنفير منهما وللتنبيه على خطورة ظهور أياً منهما وللتوجيه على معالجة المجتمع منهما إذا بدت ظواهرهما أو ظواهر أحدهما وللتحذير من عدم العمل على لذلك فإننا نؤكد في هذا المقام أنه يكفي للمصارف الإسلامية أن تمارس مسؤوليتها الاجتماعية، إذا لم يكن لديها دافع لفعل ذلك إلا المساهمة في القضاء على الفقر ومحاربة أضراره ومخاطره وإزالة آثاره وطمس سيئاته ومسبباته، فكيف إذا كانت هناك دوافع أخرى بجانب هذا الدافع!، والتي سنقسمها إلى دوافع إيمانية ودوافع تنموية كما يلي:

المطلب الأول: الدوافع الإيمانية

إن ممارسة المصارف الإسلامية لمسؤوليتها الاجتماعية يعد تطبيقاً لصور ومعاني التكافل والتعاون الاجتماعي في البيئة المسلمة والذي سيكون مردوده أكبر على الفقراء وذوي الحاجات منه على الأغنياء، والله تعالى يقول: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱډخِرِ وَٱلْمَلَـٰۤـِٕكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ}[4]، ويؤكد نبي الهدى r هذا التوجيه الرباني بشكل عام قائلاً: “من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه…الحديث”[5]. ومع هذا وذاك فإن قيام إدارة هذه المصارف بهذه المسؤولية يعد خدمةً للمجتمعات الناشطة بها أو بغيرها، وهو من عوامل استحقاق المثوبة الإلهية؛ لأن ذلك يعتبر واجباً أخلاقياً والأخلاق تعتبر واجباً تعبدياً امتثالاً لأمر الله عز وجل وابتغاءً لمرضاته، وبذلك فإن تفعيل الاهتمام بهذه المسؤولية يتماشى مع ما تستلزمه متطلبات قيام مجتمع التكافل والتعاون في تلك المجتمعات والذي:

  1. دافعه الأول تفعيل أمر الله –سبحانه وتعالى– بين أفراد المجتمع حين قال: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰۖ}[6] بكل ما يمكن أن يترتب على ذلك من نمو وازدهار للمجتمع ولحياة أفراده وتنمية الإيجابية بينهم في مختلف جوانب حياتهم، وحفظ وحماية كرامتهم، وتخفيف ويلاتهم المادية والنفسية[7].
  2. والمحذر من عدم القيام به هو خالق الخلق العليم بشؤون عباده، الحكيم باختيار ما يناسبهم حين قال جلّ شأنه: {كَىْ لاَ يَكُونَ دُولَةَۢ بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْۚ}[8]، وهذا التحذير مرتبط بضرورة إنفاق وتدوير المال بين أفراد المجتمع كقناة أساسية لتدفق شريان التكافل والتعاون الاجتماعي، وهو مرتبط أيضاً برفض تجمع الثروات في أيدي فئة واحدة هي الأغنياء مع بقاء الفقراء على فقرهم.
  3. والمنادي به والمحفز عليه هو موجه البشرية r حين قال: “الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، ويقول راوي الحديث أبو هريرة رضي الله عنه: وأحسبه قال: وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر”[9]، وهو القائل r “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”[10]، وهذا ينم على أهمية اهتمام كل مسلم بالآخر وأهمية شعور المسلمين بعضهم ببعض لصون كرامة أبناء المجتمعات الإسلامية، والحفاظ على كيانهم الأسري من الهدم والتشتت والضياع، وحفظ ماء وجوههم من اللجوء إلى طرق باب المسألة والتعرض لذل السؤال بسبب الإملاق. فالمسلم مع المسلم كاليدين يغسل بعضهم بعضاً ويحمل بعضهم بعضاً ويدافع بعضهم عن بعض[11].
  4. ومنهجه التصور الشامل للكون والحياة والمال، بما يحقق التوازن بين مصلحة الفرد وحاجياته ومصلحة الجماعة ومتطلباتها، ويؤمّن دوافع الإحساس بالعدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع، وتحقيق التوافق الداخلي بين بعضهم البعض. ويرسّخ التراحم والتناصر والائتلاف والتعاضد مع الغير ونبذ سيطرة إرادة الأنا، ويساهم في حماية أبناء المجتمع المسلم من أن ينتابهم الهم والحزن بسبب عدم القدرة على سد حاجتهم، وكثرة غلبة الدين عليهم، وحمايتهم من الفساد الأخلاقي والزلل الفكري، الذي يظهر بسبب الفاقة وفقدان المادة وربما يؤدي إلى تفشى السرقة وأخذ الرشوة والتجارة بالأعراض وبيع الذمم وأحياناً بيع الأبناء، فالمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً كما أخبر بذلك المصطفى r[12].
  5. وذروة سنامه المساهمة في تأمين تطبيق مقاصد الشريعة الإسلامية من حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال لأبناء المجتمع، مما يعمق قيم ومبادئ المجتمع الإسلامي الصالح، ويؤسس التطبيق العملي للمعايير والقيم الروحية.
  6. وهدفه على المدى القريب الإسهام في رفع الحرج عن جموع المسلمين عند القيام بتسجيل وتبويب وتنظيم وترتيب توزيع جمع أموال الزكاة بشقيها، وأموال الوقف بأشكاله المختلفة، وأموال التبرعات بمواردها المتعددة، وأموال الصدقات بتنوع وجوهها، وأموال الكفارات بمختلف أسبابها، وأموال الهبات بتعدد أهدافها. والقيام بجمع هذه الأموال وتطوير آليات ذلك من حين لآخر هو أيضاً إسهام في تسهيل وصولها لمستحقيها بالعدل والإنصاف ودفعها لهم بالشكل والأسلوب المناسب، بل إن الإشراف على أموال الزكاة يدعم بحد ذاته تطبيق أحد أركان الإسلام ويسهم في إحياء هذه الفريضة وأدائها في أي وقت بفهم صحيح وأسلوب حضاري سليم.

المطلب الثاني: الدوافع التنموية

إضافة لما ذكرناه سابقاً من حق المجتمع في المال المستخلف عليه الإنسان[13]، فإن من دوافع قيام المصارف الإسلامية بمسؤوليتها الاجتماعية هو تحقيقها للعديد من الإيجابيات التنموية، منها على سبيل المثال -لا الحصر- الأمور التالية:

  1. يجسد أهمية وأفضلية وسلامة مقصد انتشار المصارف الإسلامية مما يجذب الأنظار إليها تأيداً لها، وضماناً لنجاحها، وتثبيتاً لأقدامها.
  2. يسهل عليها مهمة إثبات تجاوبها مع آمال وآلام المجتمع، بما يساعد في تحرير الفقير من فقره ويلبي للمحتاج حاجته.
  3. يؤمّن بدرجة معقولة لذوي الحاجات حياة اجتماعية آمنة صحية مستقرة سليمة، ويحميهم من ذوبان هويتهم الإسلامية بدوافع الضرورة المعيشية.
  4. يساهم في منع انتشار الطبقية والفقر والعوز والحرمان والأوبئة والجهل والأمية والبطالة بين أبناء المجتمع الواحد.
  5. يساهم في المحافظة على أوقات وطاقات أبناء المجتمع المسلم بتوجيههم؛ ليكونوا منتجين إيجابيين لمجتمعهم، لا عالة عليه أو عالة على غيرهم.
  6. يساهم في تحريك عجلة التنمية المستدامة وفي إيجاد الحلول الناجعة للمشاكل الاجتماعية والمعيشية للمجتمع المسلم وأفراده، وفي مراعاة مصالحهم الاجتماعية وتوفير الرخاء والرفاهية لهم ولأبنائهم.

وقيام المصارف الإسلامية بمسؤوليتها الاجتماعية وفقاً للدوافع السابقة يجعلها تحقق رسالتها الاجتماعية عقدياً وأخلاقياً وإنسانياً ومادياً ومعنوياً وعدلياً وشمولياً، ويجعلها تستحق وبلا مراء أن تكون خير مؤسسات مالية وتنموية أُخرجت للناس متعددة في أدوارها ومتميزةً علمياً وعملياً وعالمياً في أعمالها.

 

المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية: طبيعتها وأهميتها

تأليف الدكتور محمد صالح علي عياش

صدر عن المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، عضو مجموعة البنك الإسلامي للتنمية 1431هـ – 2010م

كلمات مفتاحية:

المسؤولية الاجتماعية، المصارف الإسلامية، محمد صالح عياش، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، البنك الإسلامي للتنمية

#المسؤولية_الاجتماعية_للمصارف_الإسلامية

#دكتور_محمد_صالح_علي_عياش

#البنك_الإسلامي_للتنمية

#المعهد_الإسلامي_للبحوث_والتدريب

[1] سنن النسائي بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الإمام السندي. كتاب الاستعاذة، الاستعاذة من شر الكفر، ص267، ج8، 1398هـ-1978م، صححت هذه الطبعة بمعرفة بعض أفاضل العلماء وقوبلت على عدة نسخ وقرئت في المرة الأخيرة على حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير الشيخ حسن محمد المسعودي، دار الفكر، بيروت.

[2] بتصرف: المرجع السابق، ص265.

[3] عبد الحميد، د.محسن. الإسلام والتنمية الاجتماعية. ص13، ط1، 1409هـ-1989م، دار المنارة للنشر والتوزيع، جدة- السعودية.

[4] سورة البقرة، الآية:177.

[5] رواه أبو هريرة رضي الله عنه. مختصر صحيح مسلم. مرجع سابق، كتاب الذكر، باب الترغيب في ذكر الله والتقرب إليه بدوام ذكره، ص493.

[6] سورة المائدة، الآية:2.

[7] ولقد سردنا سابقاً زمرة من الشواهد القرآنية تصب في نفس الإطار، أنظر ص64-65.

[8] سورة الحشر، الآية:7.

[9] رواه أبو هريرة رضي الله عنه. مختصر صحيح مسلم. مرجع سابق، كتاب فضائل أصحاب النبي r، باب في ثواب الساعي على الأرملة والمسكين، ص466.

[10] رواه النعمان بن بشير رضي الله عنهما. مختصر صحيح مسلم. مرجع سابق، كتاب فضائل أصحاب النبي r، باب المؤمنون كرجل واحد في التراحم والتعاطف، ص467-468.

[11] ولقد ذكرنا سابقاً طائفة من أقواله r نحث على إقامة دعائم مجتمع التكافل والتعاون، أنظر ص65-66.

[12] رواه أبو موسى رضي الله عنه. مختصر صحيح مسلم. مرجع سابق، كتاب فضائل أصحاب النبي r، باب المؤمن للمؤمن كالبنيان، ص467.

[13] أنظر ص58، حيث ذكرنا أثنى عشر حقاً من حقوق المجتمع في المال الذي استخلفنا الله عليه والتي تشكل برمتها دوافع تنموية تدفع المصارف الإسلامية لممارسة مسؤوليتها الاجتماعية لإعطاء هذه الحقوق حقها في التنفيذ العملي.

عن Eng. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2020) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2020)

شاهد أيضاً

مشاريع تدوير مخلفات النخيل

تعريف بالدكتور فؤاد منصور: مهندس كيميائي استشاري متخصص بمشاريع تدوير واستثمار مخلفات النخيل والمخلفات الزراعية، …