الإثنين , أكتوبر 14 2019
الرئيسية / تنمية مستدامة / التأثيرات البيئية للأسلحة والتجارب النووية والإشعاع بين الواقع والافتراضات

التأثيرات البيئية للأسلحة والتجارب النووية والإشعاع بين الواقع والافتراضات

شبكة بيئة أبوظبي: عبدالله بن محمد العصيمي، مـاجستـير إدارة البيئة، المملكة العربية السعودية 18 فبراير 2017 21 جمادى الأولى 1438

  1. تأثير الأسلحة النووية على البيئة. إن الآثار البيئية الناتجة عن استخدام القنابل النووية هي الأعظم تأثيراً على كوكب الأرض، والأكثر ضراراً على سكانها بالإطلاق، وحيث أن القنابل النووية لم تُستخدم كسلاح إلا مرةً واحدةً على مدينتي (هيروشيما ونجازاكي) في نهاية الحرب العالمية الثانية، إلا أن هذا النموذج الوحيد كان كافياً لتقييم وقياس التأثيرات النووية والإشعاعية على البشر والبيئة.

ففي عام 1945م أسقطت الولايات المتحدة الامريكية قنبلة نووية قدرت قوتها بنحو ٢٠,٠٠٠ طن من مادة (TNT) شديدة الانفجار على مدينة هيروشيما، وفي لحظات قُتل ما يُقدر بمئات الآلاف، وظهرت سحب الغبار فوق المكان، واختفت الأشجار في اللهب، واحترق كل شيء في دائرة قطرها ١٠ كم، حتى أن النار انكمشت في الليل لأنه لم يعد هناك شيء تأكله.

وقد انكب كثير من العلماء على دراسة هذا النموذج الوحيد لتقدير ما يمكن أن يؤدي إليه نزاع مسلح مستقبلي، تستخدم فيه هذه الأسلحة على حياة الإنسان ونظام البيئة. وعليه فإن كل الدراسات التي أُجريت عن تأثيرات السلاح النووي على البيئة، هي عبارة عن فروض علمية مبنية على قياس نتائج هذا الحدث، وذلك لعدم وجود حدث آخـر يمكن دراسته[1].

عند حدوث الانفجار النووي، فإن الطاقة الناتجة تتحول إلى غاز يُنتج ضغطاً هائلاً وريح شديدة السرعة، تتكون نتيجة التمدد والانقباض المفاجئ، كما ينتج وميض وهاج أقوى من ضوء الشمس، ودرجة حرارة تصل إلى عشرة ملايين درجة مئوية، وعندما يتحرر الغاز من هذا الضغط، تنطلق موجةً لافحةً تحمل خطراً مميتاً على هيئة إشعاعات قوية، كما أن الحريق العاصف المصاحب للانفجار سوف يفجر صهاريج التخزين والسوائل القابلة للاشتعال، ونتيجة لذلك ستشتعل أعداد كبيرة من الحرائق، سوف تستهلك كمية كبيرة من الاكسجين، مما يؤثر على الكائنات الحية والنباتات[2]. وسوف ينتشر تيار كهربائي ومغناطيسي في الهواء والأرض، مما يؤثر على الأجهزة الكهربائية ومحركات السيارات. ويرى بعض العلماء بأن أثر الحرب النووية قد يكون قاتلاً للطبيعة إذا وقع في منطقة (كثيفة الغابات، فقد تلتهم مثل هذه الحروب من الغابات والمراعي ما مساحته تتراوح بين ٥٠,٠٠٠ كلم2 إلى ٤١٠,٠٠٠ كلم2 وقد تزيد في حالة ارتفاع سرعة الرياح)[3].

إلا أن هناك تأثير قد يكون أبعد مدىً وأكثر خطورةً، وهو ما يُتوقع حدوثه بعد الانفجارات النووية وخاص المرتفعة منها عن سطح الأرض، والتي قد تؤدي إلى تمزق (طبقة الأوزون والأشعة الفوق البنفسجية مما قد يؤدي إلى نهاية الحياة على سطح الأرض)[4]. ويتبقى بعد ذلك الغبار الذري بعد التفجير النووي، والذي يكون أكثر كثافة كلما اقترب الانفجار من الأرض، هذا الغبار سوف يبقى عالقاً لفترات طويلة، مما يؤدي إلى حجب ضوء الشمس، أو التقليل من وصول أشعتها بالشكل الكافي لحياة النباتات والحيوانات، والأخطر من ذلك أنه قد يتساقط في مناطق بعيدة عن موقع الانفجار، مما سيؤدي للكثير من التأثيرات السلبية على التوازن الطبيعي للنظم البيئية، وفي نظريات أكثر تشاؤماً فإن حجب ضوء الشمس لفترة طويلة، قد يُسبب شتاءً طويلاً في المناطق التي تتزايد فيها كثافة هذا الغبار وهو ما يُطلق عليه “الشتاء النووي”.

وبالعودة إلى الواقع الفعلي بعيداً عن الافتراضات والنظريات، فإنه وبعد انتهاء أكثر من سبعين عاماً على قنبلتي هيروشيما ونجازاكي، فإن التأثيرات الإشعاعية على البيئة لاتزال باقية إلى أمد طويل، لتسبب المزيد من الأمراض والمعاناة، فهناك أطفال لا يزالون يولدون مشوهين حتى الآن، كما أن نسبة المصابين بسرطان الدم بين سكان مدينتي هيروشيما ونجازاكي تزيد تسع مرات عنها في سائر أنحاء اليابان، وإذا علمنا أن النشاط الإشعاعي لليورانيوم ٢٣٥ المستخدم في قنبلة هيروشيما والذي يوجد بتركيز ٠,٧٢ % من اليورانيوم الطبيعي يكون عمر النصف له ٧٠٠ مليون سنة [5] (نصف العمر هو المدة الزمنية اللازمة لمادة نشطة إشعاعياً لتتحلل وتصبح بنصف كميتها) عندها سوف ندرك ضخامة الأثر الذي لحق بالبيئة من جراء استخدام هذا السلاح الخطير.

  1. تأثير التجارب النووية على البيئة. في فترة الحرب الباردة التي تلت الحرب العالمية الثانية تنافست القوتان العظميان في ذلك الوقت وهما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي على إجراء التجارب النووية في المناطق النائية وفي المحيطات، مما أدى إلى حدوث تلوث شديد للبيئة سواءً في مناطق إجراء التجارب أو في المناطق المحيطة بها، وامتدت تلك التجارب لتشمل القطب الشمالي أيضاً [6]، بالإضافة إلى إجراء التجارب النووية في الجو وذلك منذ 1954م حتى عام 1963م. وقد كان لها أعظم الأثر في تلوث البيئة، وفساد الهواء، وقد شاركت المملكة المتحدة أيضاً في إجراء عدد كبير من هذه التجارب النووية الجوية.

وبعد الشعور بالخطر الذي يهدد البشرية من جراء التلوث وقّعت هذه الدول عام ١٩٦٣م على معاهدة “الحظر الجزئي” على إجراء التفجيرات النووية في الجو أو المحيطات أو الفضاء الخارجي، إلا أن كلاً من فرنسا والصين قامتا بإجراء سلسلة من التفجيرات النووية في الجو كي تثبت انضمامها إلى “النادي النووي” وقد كان آخرها عام ١٩٨٠م.

وقد بلغ عدد التفجيرات النووية الانشطارية والاندماجية (الهيدروجينية) في الجو ٤٥٠  تفجيراً، وبسبب هذه التفجيرات ظهرت أنواع من الملوثات مثل: (الكربون ١٤) و(السيزيوم ١٣٧) و(الزركونيوم ٩٥) و(السترونتيوم ٩٠) و(الروثينيوم ١٠٦) و(السلينيوم ١٤٤)[7] التي تتزايد كميتها مع زيادة إجراء التجارب النووية وتتساقط هذه الملوثات في مناطق إجراء التجارب، وتحملها الرياح إلى طبقات الجو العليا لتتساقط بفعل الجاذبية على الأرض والمراعي البعيدة عن مواقع التجارب، فتتخلل دورة السلسلة الغذائية وتنتقل للنباتات والماشية والطيور وتُسبب العديد من الأمراض للإنسان.

وبعد العام ١٩٨٠م أصبحت جميع التجارب النووية تتم تحت سطح الأرض، لينتج عن هذه التفجيرات مئاتٍ من النوى المشعة، إلا أن هذه النوى لا تخرج من باطن الأرض وتبقى حبيسةً فتلوث باطن الأرض، ومياهها الجوفية، باستثناء (اليود ١٣١) المشع الذي تخرج منه نسبة ضئيلة إلى سطح الارض.

وقد تم إجراء ١٠٠٠ تفجير نووي تحت سطح الأرض منذ عام ١٩٦٣م وحتى عام ١٩٩٠م بقوة تدميرية تعادل ٨٠ ميجا طن (الميجا طن الواحد يساوي 100 ألف طن من مادة TNT المتفجرة)، وقد تم منها ٥٠٠ تفجير في صحراء (نيفادا) بالولايات المتحدة الأمريكية [8]، وتدل الدراسات التقنية والتجارب النووية على أن التفجيرات النووية التي تحدث في الجو على ارتفاع ٤٠ كلم فأكثر (تؤدي إلى تخريب الاتصالات اللاسلكية والرادارية في دائرة نصف قطرها عدة ألاف من الكيلومترات، بينما تؤدي التفجيرات السطحية إلى تدمير المدن والسدود وترك حفر عميقة في الارض وإحداث تلوث اشعاعي في البيئة الفطرية، أما التفجيرات تحت السطح فتؤدي إلى سد الطرق وقفل الانفاق والمضايق والأنهار، دون أن يكون لها تأثير ضار على الجو. والتفجير تحت الماء يحدث تلوثاً ضاراً بالبيئة الفطرية المائية ويقتل الكثير من الأحياء الضرورية لدورة الحياة)[9].

وقد وصل مجموع تفجيرات التجارب النووية في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في العام 1945م إلى العام 2016م أي بعد إجراء كوريا الشمالية تجاربها النووية إلى 2057 تفجيراً نووياً موزعة على دول النادي النووي الثمانية والموضحة في الإنفو جرافيك أدناه.

الامن البيئي 3

عدد التجارب النووية موزعة على الدول حتى العام 2016م (*)

(*) المصدر: (روسيا اليوم، https:// www.arabic.rt.com، نقلاً عن موقع SIPRI، www.sipri.org//https:).

  1. تأثير استخدام اليورانيوم المستنفذ. اليورانيوم المستنفذ (المنضّب Depleted) هو عبارة عن مخلفات معامل تخصيب اليورانيوم الذي لم يعد مجدياً عملياً في المفاعلات النووية، سواء التجريبية منها، أو الصناعية السلمية. فمن أجل تحضير الوقود الخاص بالمفاعلات النووية يتم إخضاع خام اليورانيوم إلى عمليات معقدة في معامل التخصيب لإنتاج اليورانيوم النقي (المخصب) والغرض منها زيادة تركيز النظير (U-235) عن بقية نظائر اليورانيوم، وما يتخلف عن عملية التخصيب هذه من فضلات يُسمى اليورانيوم المنضّب أو المستنفذ[10].

ولليورانيوم المستنفذ الكثير من الاستخدامات التجارية بسبب كثافته العالية (كثافته 19,05جرام/سم3)، وبسبب رخص قيمته المادية أيضاً مقارنةً بالمعادن عالية الكثافة الأخرى مثل التنجستين، ويأتي من أهم هذه الاستخدامات استعماله في موازنة ثقل الطائرات وذلك بوضع كميات من اليورانيوم المستنفذ في ذيلها.

إلا أن أشد الأخطار يأتي من الاستخدامات العسكرية لهذا المعدن، فهو بالإضافة لاستخدامه في تقوية وتعزيز دروع دبابات القتال وخاصة الدبابة الأمريكية طراز أبرامز M1A1، فإنه يُستخدم كذلك في صناعة ذخائر الدبابات وقذائف الطائرات[11]. وقد استخدمت هذه القذائف المقواة باليورانيوم المستنفذ أثناء حرب الخليج 1991م حيث استخدمت أكثر من ٩٤٠ ألف قذيفة طائرات وحوالي ١٤ ألف قذيفة دبابات مما أدى إلى انتشار أكثر من ٨٠ طن يورانيوم في البيئة بالبصرة على الخصوص [12].

ونظراً لقدرة قذائف اليورانيوم على اختراق الدروع  وتميزه بإنتاج حرارة عالية عند احتراقه، فإنه ينتج عنه غبار ذرى يلوث الإنسان والحيوان عند وصوله عن طريق الأكل أو الشرب أو التنفس أو الجلد، حيث تؤكد البحوث أن الدم والجهاز التناسلي يعتبران الأكثر حساسية لهذا النوع من الملوثات، ثم يلي ذلك النخاع والجهاز الهضمي والعضلات، (والغريب أن المخ يعتبر أقل أجزاء الجسم تأثراً بالإشعاع بينما الحمض النووي DNA يعتبر الأكثر تأثراً وهذا ما يفسر ولادة وإصابة الأطفال بسرطان الدم في العراق وإصابة الفتيات الصغار بسرطان المبيض والثدي بنسب تتجاوز ٦ أضعاف النسب المعروفة) [13].

وفي دراسة إحصائية أُجريت في عام 2010م لمحافظة ديالى للوقوف على حالات الإصابات بالسرطانات وأعدادها وأنواعها، لوحظ في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية وقرب المعسكرات زيادة نسبة الاصابة بالسرطانات بأنواعها، وانخفاض المعدل العمري لأعمار المصابين بحالات السرطانات إلى دون الاعمار المعروفة عالمياً، وقد ظهرت أنواع غير مألوفة من السرطانات لدى الأطفال وخاصةً في الكبد، والخصية، والدماغ، والرحم، والعمود الفقري وكذلك سرطان الثدي لدى الامهات واللوكيميا لدى الاطفال. بالإضافة لزيادة نسبة الاصابة المطردة لدى الأمهات، مما أدى لتفكك الأسر عند عجز الأم أو وفاتها نتيجة الإصابة بالسرطان[14].

كل ذلك يجعل من الغني عن القول، إن التأثيرات البيئية للأسلحة والتجارب النووية، والإشعاع المتبقي بعدها دهراً، يضع هذه التأثيرات الـمُفزعة في المرتبة الأولى وبلا منازع عند مقارنتها بجميع الأسلحة على وجه الأرض.

عبدالله بن محمد العصيمي

مـاجستـير إدارة البيئة

المملكة العربية السعودية

الـمــراجـــع:

(*) المصدر: (روسيا اليوم، https:// www.arabic.rt.com، نقلاً عن موقع SIPRI، www.sipri.org//https:).

[1] (سعد الأحمري. البيئة الطبيعية. أطروحة لنيل درجة الماجستير بكلية القيادة والأركان للقوات المسلحة. الرياض. 1425هـ. ص70).

[2] (د. مارسيل جونو. كارثة هيروشيما. منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر. ICRC. 2003. https://www.icrc.org).

[3] (د. مارك ھارول، الشتاء النووي، الطبعة الأولى، ترجمة عبد الله حیدر، بیروت، دار الرقي، ١٩٨٦ م، ص ١١١).

[4] (المرجع السابق، ص ١١٢)

[5] (د. ممدوح عبد الصبور، اليورانيوم استخداماته وآثاره الضارة وسلوكه في البيئة، مجلة أسيوط للدراسات البيئية، العدد29، يوليو 2005،. ص119)

[6] (العميد. مراد ابراھیم الدسوقي، التلوث البیئي في مسارح العملیات، مجلة الحرس الوطني، السعودیة، ملحق الیئة، شعبان ١٤١٥ ھ، ص 81).

[7] (د. سمیر عبد المجید، التلوث الاشعاعي، مجلة العلوم والتقنیة السعودیة، العدد ٢١ ، محرم ١٤١٣ ھ، ص ٣٧)

[8] (د. سمير عبد المجيد، مرجع سابق، ص 38).

[9] (ماجد الأنصاري، البيئة الطبيعية، أطروحة لنيل درجة الماجستير بكلية القيادة والأركان للقوات المسلحة، الرياض، 1425هـ، ص75).

[10] (د. عبد الرحمن عبد الفتاح، اليورانيوم المنضب تطبيقاته ومخاطره، الطبعة الأولى، بيروت، دار النفائس،2003، ص9).

[11] (د. عبد الرحمن عبد الفتاح، مرجع سابق، ص49).

[12] (د. ممدوح عبد الصبور، مرجع سابق، ص125).

[13] (د. ممدوح عبد الصبور، مرجع سابق، ص125).

[14] (وصفي كاظم، دراسة إحصائية لبعض أنواع السرطانات في محافظة ديالى، كلية التربية الأساسية / جامعة ديالى، 2010م، ص334)

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين 1- مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) 2- مدير تحرير مجلة البيئي الصغير (توعوية بيئية موجهة للاطفال صدرت عن بلدية ابوظبي (2001 - 2010) 3- مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2017) 4- مؤسس ورئيس التحرير المسؤول شبكة بيئة ابوظبي (اول وسيلة اعلامية مرخصة ومتخصصة بتوطين المعرفة المسؤولة باللغة العربية الأم في مجال التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية (2011 - 2017)

شاهد أيضاً

تقنيات الجيل الخامس ممكّن رئيسي للابتكار في قطاع الطاقة والتنمية المستدامة

خليفة الشامسي خلال مشاركة “اتصالات” في مؤتمر الطاقة العالمي في أبوظبي شبكة بيئة أبوظبي: الامارات …