السبت , أبريل 29 2017
الرئيسية / إعلام مستدام / ثقافة مستدامة / الحُبُّ .. مفهومه وأنواعه ونتائجه على الفرد والمجتمع
IMG-20170216-WA0164

الحُبُّ .. مفهومه وأنواعه ونتائجه على الفرد والمجتمع

شبكة بيئة ابوظبي: خاص للشبكة 17 فبراير 2017
بدعوة من اتحاد كتاب وأدباء الإمارات قدم الأديب الدكتور جمال شحود محاضرة بعنوان (الحُبُّ .. مفهومه وأنواعه ونتائجه على الفرد والمجتمع) وذلك يوم الأربعاء 15 فبراير 2017 بمقر الاتحاد بالمسرح الوطني. وتتشرف شبكة بيئة أبوظبي بنشر نص المحاضرة التي خصنا بها مشكوراً سعادة الأخ الدكتور جمال شحود فله جزيل الشكر وأوفاه. بكل ود

إن الحديثَ عن الحبَّ حديثٌ ذو شجون وليس سهلاً أبداً أن نحيطَ بموضوعِ الحبِّ في بضعِ دقائقَ أو حتى بضعِ ساعاتٍ .
إن الحبَّ أيها السيداتُ والسادةُ هو ذلكَ السِرُّ الإلهيُ الذي خَلقَ اللهُ به هذا الكونَ الرهيبَ وجعلَ الإنسانَ على قمةِ هذا الكونِ كخليفةٍ له على أرضهِ ، وانظروا معي إلى هذه اللقطة التاريخية في توضيحِ جانبٍ من جوانبِ الحبِّ حينَ رأى الرسولُ صلى الله عليه وسلمَ ، بعد إحدى الغزوات امرأةً تبحثُ عن طفلها ولما وجدته احتضنته وضمته إلى صدرِها بحنان ولهفة ، تختصًّ بها الأمهاتُ عبر الأزمانِ والأجيالِ فخاطبَ الرسولُ أصحابَه لافتاً إياهم إلى هذه اللقطة : أرأيتم هذهِ طارحةً ولدَها في النار ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : للهُ أرحمُ بكم من هذه بولدها .

unname1111d
إنه الحبُّ الإلهي لنا الذي جعلنا في أحسنِ تقويمٍ ونفخَ فينا من روحه لِنَعمُرَ الأرضَ بالحبِّ والحبِّ فقط . وتعرفون قصة الأقرع بن حابس الذي دخلَ على الرسولِ صلى اللهُ عليه وسلم فرآه يلاعبُ الحسنَ والحسينَ ويقبلُهما فتعجب فقالَ : إن لي عشرةً من الولد ما قبَّلتُ أحداً !!! فنظر إليه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثم قال : ( من لا يَرحم لا يُرحم ) .
وقد نبَّهَنا رسولُنا الكريمُ إلى أحدِ أهمِّ مفاتيحِ الحُبِّ حينَ قال : هل أدلُكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم ! قالوا : نعم ، قال : أفشوا السلامَ بينكم .
وقد وردت كلمةُ الحبِّ في صيغِها المتعددة في عشراتِ الآياتِ القرآنيةِ من مثل : ( والله يحبُّ الصادقين ، والله يحبُّ المتطهرين ، والله يحبُّ المتوكلين ، والله يحبُّ الصابرين …. وقال تعالى : (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31)آل عمران .
انظروا معي هنا إلى ميزانِ التفاضلِ ، فلم يقلْ أعلمَ منكم ولا أذكى منكم ولا أغنى منكم ولا أيَّ شيءٍ آخرَ ، لقد قالَ : يحبُّهم ويحبونَهُ .
وإن أولى صورِ الحبِّ وأهمُها هي أن يُحِبَّ الإنسانُ نفسَه كي يستطيعَ أن يحبَّ غيرَه ، وإلا كيفَ يَدّعي حُبَّ الآخرينَ من يكرهُ نفسَه أو لا يحبُّها ، فحُبُّ النفسِ أولاً ليسَ أنانيةً كما يتبادرُ إلى ذهنِ الكثيرينَ إنما هو بدايةُ الطريقِ إلى جنانِ الحُبِّ الواسعةِ .
وقد وردَ هذا المفهومُ أيضاً في كثيرٍ من الإشاراتِ القرآنية ، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ……….(6) التحريم)
أي نفسُكَ أولاً ثم غيرُكَ من الأقربِ فالأقربِ .
وكذلك نلحظُ تقديمَ النفسِ في دعاءِ كلِّ الأنبياءِ لأنفسِهم أولاً ثمَّ لوالديهم قال تعالى على لسانِ نوحٍ
عليهِ السلامُ : (رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ … (28 ) نوح.

IMG-20170216-WA0227
أنواع الحب
للحب نوعان :
– حب عاطفي
– وحب عقلي ، فبالعاطفةِ نحبُّ أبناءَنا حتى لو كانوا كسالى أو مجانين أو .. أو…
وبالعقلِ نحبُّ الدواءَ المُرَّ لأنه سبيلُنا إلى الشفاءِ .
ولنا في تاريخنا وأدبنا الكثيرَ الكثيرَ من صورِ الحُبَّ وتجاربِه حتى أنَّ الحُبَّ بمعانيهِ الساميةِ والمتألقةِ ، أخذَ صفتَهُ من قبيلةٍ تغنت بالحُبِّ وأعطته شيئاً من ذاتِها وحياتِها ، ألا وهم ( بنو عُذرة ) فسُمي الحُبُّ عُذرياً نسبةً لهم ، حينَ يكونُ صافياً وراقياً وبعيداً عن التشخيصِ الجنسيِّ أو الجسديِّ .
وقد سألَ أحدُهم رجلاً من بني عُذرةَ قائلاً : لماذا تذوبونَ عندما تعشقون ؟ فأجابَ : لأننا ننظرُ إلى محاجرِ أعينٍ لا تنظرونَ إليها .
ولأنَّ الحبَّ عند أجدادِنا كانَ باهياً وناصعاً ، فلا غضاضةَ أن ينتسبَ المحبوبُ إلى حبيبتهِ ويقترنُ اسمه باسمها ، كجميل بثينة وكثيّر عزة وغيرهم الكثير .
وقد يكونُ الحبُّ بسببٍ مباشرٍ كالإعجابِ والنظرةِ ، أو بسببِ مشكلةٍ تقعُ بين الرجلِ والمرأةِ وتقودُهما إلى التعارفِ والحبِّ.
فهذا جميلُ بن معمر يوثقُ بدايةَ محبتهِ لبثينةَ قائلاً :
وأولُّ ما قادَ المحبةَ بيننا بوادي بغيضٍ يا بثينَ سِبابُ
وقلن لها قولاً ، فجاءت بمثلهِ لكلِّ كلامٍ يا بُثينَ جوابُ
ولا يظنُّ أحدٌ أن الحبَّ حديقةَ زهورٍ ليسَ فيها أشواكٌ أو مشاكلَ ، بل إن أشواكَها قد تزيدُها جمالاً وروعةً، فهذا نزار قباني يعرِّف الحبَّ قائلاً :
الحبُّ مواجهةٌ كبرى ….. إبحارٌ ضدَّ التيار
ويتحدثُ عن الصمتِ كأحد أدواتِ التعبيرِ عن الحبِّ قائلاً :
فإذا وقفتُ أمامَ حُسنكِ صامتاً … فالصمتُ في حَرَمِ الجمالِ جمالُ
كلماتُنا في الحبِّ تقتلُ حبَّنا …. إن الكلامَ يموتُ حينَ يُقالُ
وقد عبَّرَ جلالُ الدينِ الروميِّ في كتابه ( قواعدُ العشقِ الأربعون ) عن مفهومِ الصمتِ الراقي
كدرجةٍ عاليةٍ من التعبيرِ عن الحبِّ حيثُ قالَ في القاعدةِ السادسةِ : إنَّ الشيءَ الذي لا يمكنُ التعبيرُ عنه بالكلماتِ ، لا يمكنُ إدراكُهُ إلا بالصمتِ ، وحينَ نَلِجُ دائرةَ الحبِّ تكونُ اللغةُ التي نعرفُها قد عفا عليها الزمنُ .
ويقولُ في القاعدةِ الخامسةِ : الحبُّ يذيبُ كلَّ العقدِ .

IMG-20170216-WA0226
ويقولُ في القاعدةِ السادسةِ عشرةِ : مالم نتعلم كيفَ نحبُّ خَلْقَ اللهِ ، فلن نستطيعَ أن نُحِبَّ حقاً ، وأن نعرفَ اللهَ حقاً .
وهذا عمرُ بنُ أبي ربيعةَ ، فتى مكةَ المدللَ وشاعرَها ، يصفُ مغامراتِهِ على لسانِ من أحبَّ فيقول :
قالتِ الكُبرى : أتعرفنَ الفتى ؟ … قالتِ الوسطى : بلى إنه عُمَرْ
قالتِ الصُّغرى وقد تيمتُها : ….قد عرفناهُ وهلْ يخفى القمرْ ؟
وقد ذهبَ هذا الشطرُ من البيتِ مَثَلاً يُضربُ على كلِّ لسانٍ إلى يومنا هذا .
أمّا حُبُّ اللهِ فهو أعلى درجاتِ الحُبِّ وعنه كتبت رابعةُ العدويةُ أجملَ ما كُتِبَ :
أحبكَ حبين حُبَّ الهوى *** وحباً لأنكَ أهلٌ لذاكَ
فأما الذي هو حبُّ الهوى *** فحُبٌّ شُغِلتُ به عمَّن سِواكَ
وأما الذي أنتَ أهلٌ له *** فكشفُكَ لي الحُجْبَ حتى أراكَ
فما الحمدُ في ذا ولا ذاكَ لي *** ولكن لكَ الحمدُ في ذا وذاكَ
وأختمُ فأقولُ : إن الحُبَّ بحرٌ لا شاطئ له ولا ساحل ومن يُحِبُّ يجبُ أن يتسعَ قلبُهُ لكلِّ الإنسانيةِ بلا تمييزٍ ولا تحيزٍ للونٍ أو عرقٍ أو دينٍ فالخَلْقُ كلُّهم عيالُ اللهِ والكلُّ إخوةٌ في الإنسانية .
فحُبُّ النفسِ وحُبُّ الزوجةِ وحُبُّ الابنِ والبنتِ وحُبُّ الأهلِ وحُبُّ الجيرانِ وحبُّ الناسِ جميعاً وحبُّ الطبيعةِ وحبُّ الحيواناتِ وحبُّ الزهورِ وحبُّ الفصولِ وحبُّ الوطنِ وحبُّ العملِ وحبُّ الإنجازِ وحبُّ التميزِ وحبُّ النشاطِ وحبُّ كلِّ شيءٍ هوَ المدخلُ الوحيدُ ليسَ للنجاحِ فحسب بل للتميزِ ، وهذا ما ندعو إليهِ ونؤسسُ له .
إن الحديثَ عن الحُبِّ كما قلتُ في البدايةِ لن نستطيعَ الإحاطةَ بِهِ بهذه العُجالةَ ، لكننا نتمنى أنْ نكونَ قد صحِبناكم في رحلةٍ ممتعةٍ إلى شاطئِهِ وما عليكم إلا الغوصُ فيهِ واستخراجُ اللآلئِ من قاعِهِ وستكونونَ بصحبةِ الحُبِّ من أسعدِ الناسِ .

IMG-20170216-WA0230

عن Dr. Imad Saad

رئيس تحرير شبكة بيئة ابوظبي عضو جمعية الصحفيين بالإمارات، واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين والرابطة العربية للاعلاميين العلميين مؤسس ومدير تحرير مجلة المرشد الزراعي (ارشادية زراعية صدرت عن بلدية ابوظبي (1999 - 2010) مؤسس ومدير تحرير مجلة الشجرة المباركة (علمية أكاديمية متخصصة بنخيل التمر والابتكار الزراعي، تصدر عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي 2009 - 2016)

شاهد أيضاً

4 - Copy

” أهل الإمارات.. ثقافة المكان وذاكرة الزمان” كتاب جديد للصحافي حسن بحمد

شبكة بيئة ابوظبي: 27 ابريل 2017 وقع مدير مركز عين للإعلام والتوثيق، الصحافي والباحث حسن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *